بيروت - لبنان 2020/08/15 م الموافق 1441/12/25 هـ

لست طارق بن زياد «البربري» الذي مات من دون قبر

حجم الخط

هل هي غزوة الأندلس الثانية؟ إذا كانت كذلك، فأين طارق بن زياد؟ لن يظهر طارق بن زياد آخر، فمصير طارق بن زياد الأول لا يدفع إلى المغامرة ثانية، حتى ولو بعد 13 قرناً، ألم تنته الحياة بهذا القائد، الذي قلب معادلة التاريخ وخرائط الجغرافيا، مشرّداً في شوارع دمشق، من دون مأوى أو مأكل؟

هل هي غزوة الأندلس الثانية؟ ألا يخجل العرب والمسلمون من أن أكبر قائد يذكره التاريخ كلما جاء الحديث عن علاقة الغرب بالشرق، وأعني به (طارق بن زياد)، لا يُعرف له قبرٌ ولا حتى تاريخ وفاة بالتدقيق؟ بل إن كتب التاريخ تناسته، وشطبت اسمه من كثيرٍ من الفصول.

هل هي غزوة الأندلس الثانية؟ وهل هناك طارق جديد قد يكون قرأ التاريخ والجغرافيا وحكايات المشرّدين والشطار والمجانين، فيصحح التاريخ ويكون الإنزال بشكلٍ آخر؟ إنزال آخر بروح أخرى؟

من شواطئ عين تموشنت إلى الأندلس:

في إنزال بشريّ استثنائيّ ومثير على شواطئ إسبانيا بعدد يصل نصف 1000 من البشر، انطلقت القوارب الأسبوع الماضي من الشواطئ الغربية في الجزائر، هي الدفعة الأولى فقط، والعدد ليس نهائياً، فالبقية الباقية على الماء تسبح، أو على رمل الشاطئ تنتظر الإشارة إلى الإبحار.

إنزالٌ بشريّ هائل ومهول، يحدث على المباشر، من دون طلقة نار واحدة، ولا ضربة سيف كما الأجداد فعلوا، إنزالٌ أثار الإسبان وحرّك ذاكرة مجروحة من الوجود الإسلامي البربري والعربي على شبه الجزيرة الإيبيرية، الذي دام ثمانية قرون. إنزالٌ مهولٌ حرّك معه ظاهرة الخوف والعنصرية.

وإذا كان طارق بن زياد، كما جاء في الخطبة المنسوبة إليه، المكذوبة عليه، والمكتوبة بعربية فصيحة فصاحة بدو الجزيرة العربية، وهو الأمازيغي الذي لم يكن يعرف ثلاث كلمات بالعربية، إذا كان قد قال أو قُوِّل "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم ..."، ماذا سيقول طارق بن زياد الجديد في إنزال أسطول القوارب للعام 2020، هذه المرة سيقول بألم:

أيها الناس، الضياع وراءكم والضياع أمامكم، فليس لكم من حلّ سوى تبديل ضياع بضياع. وأهون الضياعين ضياع بين الغرباء، فالضياع بين الأحبة قهرٌ وموتٌ بالتقسيط، أرحم الضياعين ضياع بين غرباء لا يعرفونك، وأقسى الضياع ضياع بين جيران وأقارب وأبناء وأحفاد، لذا هذا الضياع المرّ بين الغريب لكم هي حلوة مرارته.

أيها الناس، الظلم وراءكم والظلم أمامكم، لكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة، لذا فاستحلاء ظلم الآخر أكثر خفة من ظلم الأقارب. لذا خرجنا من ظلم مظلم إلى ظلم رحيم.

أيها الناس، يا قوم، يا أحفاد طارق بن زياد الذي انتهى مشرّداً بأزقة دمشق. بطل بحجم العالم لا يُعرف قبره، ولا حتى تاريخ موته، ها أنتم تهاجرون من بلاد الإسلام هرباً وكرهاً، وتدخلون بلاد الكفر أملاً واستبشاراً.

أيها الناس، هو التاريخ بالمقلوب. ألم نقل طويلاً كلاماً طويلاً وعريضاً عن "ظلم كفار" الغرب، وها نحن نرحل إليهم، أملاً في خبزة وسلامة وكرامة وسترة البنين والبنات والشيخ والفتى.

أيها الناس، يا قوم العرب والبربر وما جاورهما من ذوي السلطان الأباخس، ألم نسمع طويلاً، في الشتاء والصيف، خطب أئمتنا في المساجد خمس مرات في اليوم، وخطب الجمعات الطويلة الغاضبة، وخطب الأعياد الدينية، وخطب صلاة التراويح في رمضان التي لم نخطئها يوماً، وحتى خطب الدفن في المقابر. أَلَم نسمع منكم أيها السادة الأئمة الأفاضل والخطباء الفصحاء بأن هذه البلاد التي نهجرها اليوم ونركب الصعاب هي بلاد الأمان، وبلاد لا ينساها الله برحمته ما دام ذكرها يُذكر في أزيد من 50 ألف مسجد وأكثر؟

أيها السادة الأئمة الأفاضل والخطباء الفصحاء، خطبكم لم تستطع أن تحمينا، وكلامكم لم يطعم جائعاً، ولم يحرر عبداً، ولم يخفف عن مقنوط، لذا أيها السادة الأئمة والخطباء تركنا بلاد الإسلام، (إسلامكم)، لكم وذهبنا كي نموت في بلاد الكفار، فالموت ولو بقسوة في بلاد لطالما صورتموها لنا جهنماً هي أخفّ علينا من الموت قهراً في بلاد لمّا صورتموها لنا جنة.

الجنة لا يموت الناس فيها ولا يقنطون، وإذا ما ماتوا أو قنطوا فتلك الطامة الكبرى، أمّا الجحيم فهو شقيق العذاب، لذا فالموت فيه رحمة، لذا هدرنا الجنة التي ليست جنة إلا في رؤوسكم ولغتكم.

أيتها النازلات من مهاجرات القوارب من النساء، ألم يشبعوكنّ كلاماً بأن المرأة في بلاد الإسلام والوطنية تاجٌ على الجبين، وها هي تترك لهم "التاج" الكاذب، لترحل بحثاً عن "تاج" ولو من ورق البصل، لكنه حقيقة. ألم تقولوا لهنّ في الخطب وكتبتموها في الكتب بأن المرأة مصانة في بلادكم، باسم الدين وباسم الوطنية، فلا من أطعمنهنّ خبزاً وستر خيبتهنّ التي طالت أزيد من نصف قرن، وقد بدأت حياتهنّ تميل نحو خريف العمر.

ألم تقولوا كثيراً عن فضيلة حياة الشباب في بلاد الوطنية والإسلام، فأين هي هذه الحياة الفاضلة أيها السادة؟ ربما هي لكم أنتم من ملأتم رؤوسنا بأمراض الانتظار، وظهورنا إلى الحيطان الباردة، وسجائر الحلال والحرام تمر ليل نهار بين شفاهنا تحرق صحتنا وأحلامنا وتحرقنا بالكامل، وتدفع بنا إلى الانتحار.

هي خطبتي أيها السادة، وأنا لست بطارق بن زياد، ولا أريد أن أكون "طارق بن زياد" الذي مات مشرّداً جائعاً في أزقة دمشق، وعند أبواب مساجدها، ومات ودفن كما يدفن اللقطاء والمجهولون والغرباء، مات من دون قبر، أنا لا أريد أن أكون "طارق بن زياد"، ولا أريد أن أفتح أندلساً جديدة، أنا أريد أن أعيش عيشة كريمة، وهؤلاء الذين على القوارب ليسوا بمحاربين، ولا سيف معهم ولا بندقية ولا قنبلة ذرية، الذين على هذه القوارب البسيطة من الرجال والنساء والأطفال والرضع، يريدون شاطئاً يعيشون بكرامة عليه، بعد أن هُدِرت هذه الكرامة في ما وراء البحر بالضفة الجنوبية.

أنا لست بطارق بن زياد، وخطبتي هذه ليست مكذوبة كما خطبة طارق بن زياد في كتب الأدب والتاريخ، وليست لي نية الفتوحات، ولا نشر دين ولا لغة ولا تنظيم شعر ولا موشحات، لكني أريد أن أقول لبني جلدتي: أوقفوا خطب الكذب في السياسة والدين والاقتصاد، فهذا الرحيل عن بلاد أحببناها فلم نجد فيها حباً متبادلاً، وما تركناها إلا لأننا لم نجد فيها حياة، فالإنسان لا يعيش، الإنسان يحيا، والحياة رديفة الحرية، والعيش أمر متصل بالحيوان، نحن نريد أن نحيا لا أن نعيش.

أنا لست "طارق بن زياد" البربري، ولا أريد أن أقطع البحر كي أقتل الناس وأفصل رؤوسهم عن أجسادهم، ولا كي أروّع الأطفال وأجمع السبايا من النساء الشقراوات والفتيات البيض السامقات، وأبعث بهنّ إلى الخليفة بدمشق، ولا لكي أستولي على الذهب والفضة، وأرسلها إلى الأمير الموكل من قِبل الخليفة ولياً على المنطقة، لكني أريد أيها السادة أن أصل بهذه المجموعة من البشر الذين لا يبحثون عن شيء آخر سوى الحياة، بعد أن جفّ ضرع الحياة في بلاد كان بالإمكان أن تكون جنة وأكثر.

أنا لست "طارق بن زياد"، ولست أحسنكم، لأنني أخطب فيكم، وأقول بلساني ما في قلوبكم، لكنني أريد أن أقول إن الشباب يترك بلاده إذا لم يجد فيها مسرحاً وموسيقى وحانة وذراعاً حنونة ومطعماً وحافلة نقل وابتسامة ورصيفاً نظيفاً.

والعامل يترك البلاد لا لأنه لم يجد عملاً، يتركها لأن العمل الذي يقوم به في بلاد الجنوب لا كرامة فيه، فهو "يعمل كالمحكوم عليه بالعمل الشاق"، من دون أن يرتكب ذنباً، يعمل من دون أفق أحلام، يعمل حتى يتحوّل العمل إلى حالة من تفويت الوقت لا حالة من الإنتاج والتفتح.

يهاجر المهندس، لا لأنه لم يجد شركة، لكن لأن الشركة التي قد يعمل فيها لا أفق لها، بل هي كذبة من الكذب المغلّف بالدين أو بالوطنية أو بالاقتصاد. الأرقام عندنا كاذبة، فالصفر عندنا ليس هو الصفر في بلدان الشمال، وعدد خمسة في بلادنا، على سبيل المثال، ليس هو عدد خمسة في بلاد الكفار، الأرقام تكذب، والطقس يكذب، واللغة لا تقول معانيها، تكذب.

أيها السادة يا من في الضفة الشمالية، لم نجئ إليكم بنية طارق بن زياد الذي جاءكم قبل 13 قرناً، إنما جئناكم بعد أن وصل الضرّ إلى العظم، وشاخت الحياة في عيون الشباب. أعرف أنكم تحملون ذاكرة عنا، مليئة بالدم والقهر والسبايا التي استمرّت حتى تفجيرات مدريد وباريس وألمانيا ونيويورك، لكن ثقوا بأننا جئنا بحثاً عن الحياة، لا حاملي رسالة دين تركناه إلى أهله هناك.

 

*أمين الزاوي (كاتب و روائي و مفكر يكتب باللغتين العربية و الفرنسية أستاذ كرسي بجامعة الجزائر المركزية ترجمت رواياته إلى ثلاث عشرة لغة)

المصدر: اندبندنت

 


أخبار ذات صلة

نصر الله يتهم جعجع بالتحريض على إسقاط الدولة ويقترح على [...]
جريدة اللواء 15-8-2020
البطريرك الراعي يتوسط السفيرة شيا والموفد الاميركي هيل في الديمان
«فيتو» أميركي على «حزب الله» بالحكومة .. و«المحور» يرفض الإملاءات [...]