بيروت - لبنان 2020/06/01 م الموافق 1441/10/09 هـ

هل تمثّل سياسات الأمير محمد بن سلمان نهاية التاريخ؟

حجم الخط

أعدتُ منذ فترة وجيزة قراءةَ المقال الذي نشره الصحافي الأميركي الشهير في دوائر النخب السياسية الأميركية، توماس فريدمان، في جريدة «نيويورك تايمز»، في 23 - 11 – 2017، بعنوان «الربيع العربي في المملكة العربية السعودية»، والذي أشار فيه إلى أنَّ السعودية تشهد ربيعاً عربياً من نوع آخر، ممثلةً «بالثورة من أعلى» بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وإن كان هذا الرأي لا يخلو من الصواب ودقة التحليل الموضوعي في جانب الفاعلية الحرة لصانع القرار ودوره في صناعة التاريخ، فإنَّه كما يبدو لي؛ سياسات الإصلاح الاجتماعي لولي العهد السعودي يمكن تفسيرها أيضاً من المقاربات النظرية لنهاية التاريخ، التي تؤكد أن التاريخ هو ما يصنع بعض صناع القرار والقيادات السياسية الاستثنائية، وأنَّ تلك المنجزات التاريخية الكبرى لصانع القرار هي نتاج حتمي لحركة التاريخ وغاياتها، ودلالاتها تعكس الكاريزما الاستثنائية لبعض القيادات السياسية التي اصطفاها التاريخ لتعبر عن إرادتها الحتمية والكلية.
فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية في تسعينات القرن المنصرم، أعلن أحد كبار منظري الفكر السياسي الأميركي، فرانسيس فوكوياما، عن نهاية التاريخ، وذلك بعد الانتصار العالمي على المبادئ الشيوعية والشمولية لصالح منظومة القيم الرأسمالية والليبرالية وما تنطوي عليه من معانٍ إنسانية كبرى تتعلق بالحريات الفردية، وقبول التعددية الثقافية والتسامح الديني، وتشجيع آليات اقتصاد السوق الحر. فمن منظور فوكوياما، فإنَّ غاية حركة التاريخ هي الوصول إلى الحرية كممارسة اجتماعية في كل مجالات وميادين النشاط الإنساني. وعندما يتكوَّن إجماع كوني حول أهمية الحرية، ومركزية الفرد كغاية مطلقة، وتترجم نفسها في الممارسات الاجتماعية، عندها سينتهي التاريخ كمسار حتمي وعقلاني، لأنَّ البشرية تكون عند هذا المستوى من القراءة والفهم المعرفي قد وصلت إلى تمام الوعي المطلق للتاريخ.
ومن الدلائل الواقعية لهذا الإجماع الكوني الذي جسدته حتمية حركة التاريخ - كما يرى فوكوياما - اعتماد مبادئ الليبرالية الاقتصادية، وتبني آليات السوق الرأسمالية في أكبر كتلتين شيوعيتين، ممثلة بروسيا الحديثة والصين ودول الأطراف التابعة لها. بل زحف هذا التوجه الليبرالي الجديد إلى كل برامج ومشروعات الخطط الاقتصادية لدول العالم النامي. وهذا الإجماع القيمي بين البشر حول أهمية مطلب الحرية كغاية قصوى في الممارسة الاجتماعية، مثل حرية العمل الاقتصادي، وحرية التفكير، وتحرر مشروعات الوعي الثقافي من الاستلاب المنظم لقوى رجعية تعيش خارج أفق التاريخ في مختلف الثقافات الإنسانية، كان هو الدافع الرئيس لإعلان فوكوياما عن نهاية التاريخ، في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير».
وفي حقيقة الأمر، فإن أطروحة فوكوياما لم تكن إلا إعادة إنتاج لنظرية نهاية التاريخ لفيلسوف العصر التنويري في القرن الثامن عشر، جورج فيلهلم هيغل، الذي افترض أنَّ التاريخ لا يتحرك بطريقة فوضوية وعبثية، أو وفق منهج لا معياري ولاعقلاني. فحركة التاريخ - كما افترض هيغل - تجري في مسار خطي، ووفق إيقاع منظم ودقيق، وتحكمه قوانين حتمية تستهدف الوصول إلى غاية التاريخ التي تتجلى في العقل المطلق، والتي برزت في أوضح صورها في صيغة الحكم الملكي المطلق المستنير للدولة البروسية في القرن الثامن عشر. فمن منظور هيغل، فإنَّ العقل الكوني هو منظم حركة التاريخ، وهو الذي يضبط مساره، ويحدد اتجاهاته، وينظم صراعاته الجدلية بطريقة دقيقة، حتى يصل إلى ضفاف غايات الحريات الاجتماعية، التي تعبر عنها في صيغتها النهائية الدولة المدنية الحديثة. إذْ أكد هيغل أنَّ الحريات الفردية السابقة للدولة المدنية تعبر عن حالة الطبيعة الأولى للإنسان، التي يعيش في ظلها في حالة مكتملة الشروط من الفوضى واللامسوؤلية والاقتتال الجماعي؛ حيث يرى هيغل أنَّه لا حرية بغير دولة مدنية حديثة، ومن غير بنية تلك الدولة الحديثة ستغدو الحرية فوضى واستلاباً كلياً لكل مقومات بقاء الإنسان وحياته.
 
 
وبمعنى أكثر وضوحاً، فإنَّ هيغل يرى أنَّه كما أنَّ المادة تسكنها ذرات، فإنَّ التاريخ أيضاً تسكنه روحٌ متحركة ومتوانية، ونواة تلك الروح هي الحرية التي تتجلَّى بإرادتها النهائية في صيغة الدولة المدنية الحديثة، التي شبَّهها هيغل بالعقل المطلق أو الروح المطلقة. فالحرية بغير دولة حديثة أو كما يسميها هيغل عقل مطلق، يعبر عن كل العقول الجزئية، تستحيل إلى فوضى، ودولة بلا حريات اجتماعية ليست إلا تنظيماً سياسياً بدائياً ما زال في طور التشكل الحتمي لحركة التاريخ. وقد شبَّه هيغل تطور المجتمع الإنساني بعربة التاريخ التي تحركها عجلات الحرية، التي تحتم على المجتمعات إما الركوب معها والقبول بحتمية مسارها العقلاني وإما الانسحاق اللاعقلاني المدمر والموت تحت عجلاتها، فلا يوجد خيارٌ ثالثٌ أمام قوانين حركة التاريخ الحتمية، أو هذا العقل الكلي المنظم للكون، الذي بداخله تخوض كل الأطراف الاجتماعية صراعاً جدلياً من أجل نيل الاعتراف بها، وانتزاع حريتها حتى تناله وتحققه، وعندها سينتهي التاريخ.
وعلى غرار «إعلان نهاية التاريخ» لفوكويوما، فإنَّ هيغل أعلن نهاية سيرورة التاريخ عند تحرر العبيد من ربق العبودية، وإقرار قواعد المساواة القانونية والسياسية بين السادة والعبيد عقب الثورة الفرنسية. لأنَّ التاريخ جوهره الحرية ويتملكه وعيٌ مطلقٌ، إلا أنه لا يعبّر عن نفسه بشكل مباشر وصريح، في سياق حركته الكونية. ومن هنا يرى هيغل أنَّ العقل المطلق للتاريخ يميل إلى اختيار شخصيات تاريخية عظيمة واستثنائية، تعبر عن جوهر الحرية المسكونة بداخل هذا العقل المطلق. وهذه القيادات التاريخية هي من تصغي لنبض الحرية في قلب التاريخ، وتستوعب حركته عبر استكمال مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة التي تتساوى فيها جميع الأطراف الاجتماعية أمام القانون، وتحتكر فيها السيادة السياسية والقانونية حصراً بيد الشخصية الاعتبارية للملك، الذي ينبغي أن ينظر إليه كمرجع نهائي للسلطة السياسية، ومعبر عن الروح الكلية التي بداخلها تتَّسق وتنسجم الأرواح الفردية الجزئية المتنافرة والمتشظية في المجتمع.
وفي هذا السياق، وجد هيغل أنَّ هذه الشخصيات التاريخية ليست إلا بمثابة آليات تنفيذية ووسائل بشرية وواقعية لإرادة التاريخ، التي تسعى لتحقيق غاياتها ومقاصدها النهائية في تحقيق الحرية بصيغتها العقلانية، عبر استكمال المشروع الأخلاقي للدولة الحديثة. ولذلك قال هيغل عن نابليون الذي أصبح ملكاً في الثلاثين من عمره، وهو على صهوة جواده محتلاً مسقط رأس هيغل: «إنَّ هذا الذي يمتطي جواده هو من يمثل إرادة التاريخ». فمن المنظور الهيغلي، تلك الشخصيات التاريخية الاستثنائية محدودة العدد لا تمثل إرادتها الجزئية الخاصة في سعيها لتحقيق غاية التاريخ؛ وإنَّما يصطفيها التاريخ بدقة وعناية، لتحقيق غاياته وأهدافه الكلية بالوصول إلى العقل المطلق التي تجسدها دولة مدنية حديثة. والصيغة البنيوية لهذه الدولة الحديثة تقوم على تمثيل إرادة الوعي العام للأفراد، وتعبر كروح مطلقة عن حرياتهم الجزئية، التي من أجلها تضحي الأرواح الجزئية بنفسها في القضايا والنوازل الكلية، وتتنازل عن هامش معقول من حرياتها وحقوقها، من أجل بقاء الدولة واستمرارها كضامن حقيقي لصيانة حقوقهم وحرياتهم، والتي من دونها أو في غيابها ستنتهي حرياتهم وحقوقهم الجزئية بشكل مطلق. وفي سياق هذه الصيرورة التاريخية، فإنَّ الدولة الحديثة ستقضي على كل حالات اللامساواة الاجتماعية، وتفكيك ثنائية السيادة السياسية، وحل تناقضات المرجعية القيمية النهائية، وحصر كل أشكال السيادة السياسية والقانونية، وكل أدوات السلطة الإكراهية وآليات التشريع والتقنين بيد الملك فقط.
وعلى غرار نهاية التاريخ في المجتمعات الغربية التي أعلنت القطيعة الإبستمولوجية والتاريخية، مع استبداد الموروثات الدينية، وتعزيز قيم الحريات الاجتماعية، وتعميق قيم المساواة بين الجنسين، وتعزيز مركزية الدولة الحديثة، فإنَّ سيرورة الحركة التاريخية في العالم الإسلامي قد اكتملت شروطها الموضوعية، ونضجت عناصرها الذاتية بتجليات الإصلاحات الاجتماعية والدينية الجريئة للأمير محمد بن سلمان. ومن منظوري الخاص، فإنَّ ولي العهد لا يمثل إرادته الخاصة والجزئية في هذا السياق الإصلاحي، وإنما يمثل الإرادة النهائية لحركة التاريخ وحتميتها. ومن مفارقات التاريخ الكبرى، ولربما من مصادفاته الاستثنائية، أنَّ شخصيات قيادية كنابليون والإسكندر المقدوني ومحمد بن سلمان قد مثَّلوا إرادة التاريخ في العقد الثلاثيني في مسار العمر البيولوجي. بل إنَّ جميعهم قد عبروا عن عقل التاريخ وحركته الحتمية وإرادته الواعية التي تصبو نحو نيل الاعتراف المتكافئ للأطراف الاجتماعية المتناقضة في حقوقها ومصالحها الوطنية، وتعزيز قيم الحريات الاجتماعية، ومركزية الفرد، والمساواة بين الجنسين أمام القانون، والتحرر من سلطات الكهنوت الفكري. وقد انتهت إرهاصات هذا المسار العامودي لحركة التاريخ أخيراً بتشكيل الملامح النهائية لصيغة الدولة المدنية، التي في إطارها يعبر الملك حصراً عن إرادة المجموع الاجتماعي، ويجسّد العقل المطلق لكل العقول الجزئية، والإرادة الكلية لكل الإرادات الفردية الخاصة من دون مشاركة أو استئثار فصيل أو مكون اجتماعي خاص، خارج منظومة الدولة بآليات القوة والسيادة النهائية.
ومن هنا بالتحديد، يبرز دور الأمير محمد بن سلمان ممثلاً لإرادة التاريخ العليا. فإعلان القطيعة مع التاريخ الصحوي المتغلغل في الرأسمال الاجتماعي المحلي، وتجديد الخطاب الديني، وتدمير رواسب الوصايا الفكرية الصلبة في الوعي الجمعي، وإنتاج آليات حضارية ومناهج جديدة لتوليد المعنى وفق قراءات وصيغ إسلامية معتدلة، وتدشين حق المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات العامة، وتقنين الحقوق والواجبات العامة في صيغ أكثر حداثة ومدنية، لم تكن إلا نتاجاً حتمياً لحركة التاريخ، يستهدف تعميق مركزية منظومة القيم الإنسانية في العلاقات الاجتماعية، وتعزيز مفهوم الدولة الحديثة في الوعي السياسي الكلي. ولربما عربة التاريخ التي انطلقت بعجلات سعودية الصنع لن تتوقف، ولن تنتهي إلا في آخر محطة للتاريخ في آخر بلد عربي وإسلامي.
وفي سياق حركتها ونموها ستسحق بإرادة الوعي المطلق كل العقول التقليدية التي تقف وفق قراءتها الخاطئة للتاريخ أمام الاندفاع الهائل لهذه الموجة الحتمية من قانون التطور الاجتماعي الحتمي.

المصدر: الشرق الاوسط


أخبار ذات صلة

الإتحاد اللبناني لكرة السلة يلغي كل البطولات لموسم 2019-2020
وزير الصحة في الكونغو الديمقراطية: وفاة 4 أشخاص جراء الإصابة [...]
قوى الامن توقف مطلوبين بجرائم مختلفة