بيروت - لبنان 2020/10/24 م الموافق 1442/03/07 هـ

هل ستركع إيران لعقوبات أميركا؟

حجم الخط

بين آونة وأخرى، تتوسع العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران، حتى شملت نواح كثيرة، من صادرات نفطية وتجارية وصناعية ومالية. وفي أحدثها أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في الثامن من الشهر الحالي، فرض عقوبات على 18 مصرفاً إيرانياً، ما دفع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى القول إن "هذه العقوبات ستنسف ما تبقى لنا من قنوات للدفع في مقابل الغذاء والدواء".

أما الموقف الأميركي، فقال وزير الخزانة ستيفن منوشين في بيان، إن شمول هذه المصارف بالعقوبات يعكس مدى التزام الولايات المتحدة "بوقف الوصول غير المشروع إلى الدولار الأميركي"، وأضاف أن "إجراءات اليوم ستستمر في السماح للمعاملات الإنسانية لدعم الشعب الإيراني".

من الواضح أن تشدد الإدارة الأميركية تجاه إيران متواصل بلا هوادة، فالعقوبات الأخيرة ضربة تدميرية للقطاع المالي الإيراني بأكمله، ما يجعل الوضع الاقتصادي فيها خطيراً للغاية، ويدنو أكثر نحو الانهيار الوشيك، خصوصاً أن المؤسسات المالية الأجنبية أصبحت تحت طائلة العقوبات في حال التعامل مع المصارف الإيرانية المشمولة، وبهذا القرار الجديد صارت تلك المصارف في وضع إقصاء عملي كلي عن المنظومة المالية الدولية.

وعلى الرغم من هذه الوضعية الخطيرة، وما سيترتب عليها من تداعيات جسيمة مقبلة، لكن باستطاعة النظام الإيراني أن ينهي هذه العقوبات الاقتصادية الشديدة على البلاد وشعوبها، وذلك بأن يستجيب للشروط الأميركية، ومنها التوقف عن زعزعة المنطقة، والكف عن دعم الحركات والمنظمات الإرهابية، والتجاوب مع وضع حد لبرامجه النووية، والتعامل مع دول الجوار وفق القوانين والأعراف الدولية، وغيرها من الـ 12 شرطاً التي طرحها وزير الخارجية مايك بومبيو في مايو (أيار) 2018.

لكن هل سترضخ إيران لهذه العقوبات الأميركية؟ وهل تمتلك الأخيرة ضغوطاً اقتصادية أعمق؟ مع أن السؤال الذي يثير الريبة، لماذا تشمل العقوبات الأميركية الشركات والمؤسسات الأجنبية، وترخيها مع العراق؟

وهنا يكمن بيت القصيد، فالعراق لا يزال الرئة الاقتصادية الكبيرة التي تتنفس من خلالها إيران بشكل رسمي وغير رسمي على مدار أيام السنة، وآخرها زيارة وفد مصرفي واقتصادي برئاسة محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إلى بغداد في الـ 12 من هذا الشهر، ليعلن محافظ البنك المركزي العراقي مصطفى غالب مخيف، "سنستخدم خبرة طهران في التمويل والمصارف".

وهذا يعني أن إيران ستحصل على مليارات الدولارات الأميركية من العراق عبر ذريعة التعاون في القطاع المصرفي بين البلدين، وسبل الحلول والمعالجات للمستحقات المالية الخاصة بالجانب الإيراني، لاسيما أن المدير العام للمصرف العراقي للتجارة TBI)) حضر الاجتماع، كما أن زيارة همتي شملت لقاء رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، وبحث كيفية تنمية العلاقات الاقتصادية والمصرفية، وتفعيل الاتفاقات الموقعة في الـ17 من يوليو (تموز) الماضي، كما استعرض همتي مع وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي مطالبات طهران المالية المزعومة، وكذلك تفعيل آلية التحويلات المصرفية بين الطرفين.

وبما أن هدف العقوبات الأميركية هو تغيير السلوك السياسي الإرهابي لدى إيران، وليس إسقاط النظام الحاكم فيها، وكذلك دعم الولايات المتحدة العملية السياسية التي أوجدتها في العراق منذ احتلاله عام 2003، والتي سمحت للمجموعات الطائفية الموالية لإيران بإمساك السلطة، وهذه بدورها قدمت المصالح الإيرانية على مصالح الوطن والشعب العراقي، والنتيجة هيمنة إيران على مقدرات العراق، كما أن هذا الوضعية العويصة التي خلقتها إدارة جورج بوش، ثم تبعتها أكثر إدارة باراك أوباما، شكّلت معضلة شائكة تواجهها اليوم إدارة دونالد ترمب.

من هنا، فمهما ازداد الضغط الأميركي على إيران فإنها ليست حتمية بأن تحقق هدفها على أرض الواقع، كما أن إيران لن تركع للعقوبات الأميركية الشديدة طالما هناك متنفس عراقي يساعدها بصورة أو أخرى. لذلك، بحسب تصوري، على إدارة ترمب أن تتشدد أيضاً تجاه المجموعات السياسية والميليشياوية الموالية لإيران، وأن تذعن لتطبيق هذه العقوبات بجدية صارمة من دون التفافات جانبية مكشوفة، كما يجب تفكيك قبضتها من التحكم في زمام الدولة ومؤسساتها، خصوصاً أن الفصائل الولائية بلغت من الحجم والقوة أن تبتلع الدولة ساعة تشاء، إذ إن ارتباطها بإيران لا ينحصر بالجانب السياسي، التي توجب ضرورته أحياناً التغير والانتقال من وضع إلى آخر، وإنما ارتباط عقدي طائفي يتصل بمفاهيم روحية، وفق مشروع سياسي برداء ديني.

فالعراق بالنسبة إلى الكتلة الولائية السياسية والمسلحة، يجب أن يلتحق بإيران الراعي والحامي للشيعة في المنطقة والعالم، وكل من يرتبط بالمشروع الإيراني يجب أن يلتزم بتطبيق هذا النهج، وقالها صراحة الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصر الله، "نحن جزء من جمهورية إيران الإسلامية"، وعلى شاكلته رئيس الحركة الحوثية في اليمن عبد الملك الحوثي.

وعليه، فإن مواجهة إيران بالعقوبات الاقتصادية ينبغي أن تمتد إلى أهم متنفس لها، وهو العراق، وذلك بقطع صلته الاقتصادية بإيران، وتفعيل الاتفاقات السعودية -العراقية، وبما أن الكتلة الولائية هي المسيطرة، فلا نتوقع أن تستجيب للجانب الأميركي بالمعنى الحرفي في التنفيذ، مع أن بومبيو وغيره من المسؤولين الأميركيين طلبوا من الحكومة العراقية مراعاة مصالح بلادهم أولاً، لكنهم لا يكترثون ولا يلتزمون، بسبب ما أوضحناه عنهم آنفاً.

لذلك، فإن العقوبات الأميركية على إيران، ولتكون ذات فاعلية أكثر، فيجب أن يمتد الضغط الأميركي وبقوة إلى الحكومة العراقية، وبهذا الفعل ستسارع نحو إجبار النظام الحاكم فيها على الركوع، وتنفيذ الشروط الأميركية.

المصدر: اندبندنت


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 24-10-2020
الرئيس الحريري مجتمعاً بالنائب باسيل في ساحة النجمة (تصوير: طلال سلمان)
مظلة رئاسية تسرّع التأليف.. وإجماع على الإختصاصيين وإصلاحات المبادرة
علّوش يسأل عن موقف إيران: الحريري سيتعامل مع عون «الرئيس»