بيروت - لبنان 2020/10/31 م الموافق 1442/03/14 هـ

«رح يخلصوا المصريات» و«رايحين لجهنم»!!

حجم الخط

من دفتر الذكريات الاقتصادية عندما سألت حاكم المصرف المركزي السوري في خمسينيات القرن الماضي الدكتور عزت الطرابلسي عن «المعجزة» التي تمكّن بها من وقف موجة الاقبال على سحب الودائع من المصارف رغم انه لم يكن لدى البنك المركزي في حينه سوى «حفنة» من الدولارات، أجاب: بدلا من إعلان هذه الحقيقة على جماهير المودعين خوفا من كارثة الانهيار الكامل، أصدرنا قرارا بضمان الدولة لكل ودائع المصارف، فتوقف الهجوم وهدأت العاصفة. فالمسؤولية في الحكم الحصيف بدلا من مجرد رفع المسؤولية بإعلانها، ينبغي إيجاد الحلول لها، والا تكون عبارة عن رثاء الميت قبل الوفاة!

هكذا في ثلاثينيات القرن الماضي عندما نشبت أزمة آلاف المصارف والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة، رفض الرئيس روزفلت الإعلان الرسمي للأمر الواقع. وبدلا من «زيادة الملح على الجرح» أوقف الهجوم على المصارف بإعلان أول قانون لضمان الودائع في العالم.

وفي لبنان...

عندما تصدر عبارات مثل «رح يخلصوا المصريات» و«جهنم على الباب» في خطاب رسمي الى الأمة من أعلى مسؤول في الدولة، فانها تشعل النار في عقر دار نقد وطني، وتفتح الباب على مصراعيه للمضاربة ضده وضد ما تبقّى من مقومات اقتصاد دولة أقسم رئيسها عند تسلّمه السلطة يمين الحفاظ على سلامة البلاد واستقلالها، عملا بالمبدأ الاقتصادي المأثور لمحافظ البنك المركزي الألماني الراحل الدكتور هاليمار شاخت: «ان فكرة النقد مرتبطة بفكرة الوطن».

واليوم حجة البعض في لبنان للتدبير والتبرير ان رئيس الجمهورية لم يقل ما هو جديد أو غير ما بات معروفا لدى القريب والبعيد بأن ليرة لبنان تتعرّض أصلا وقبل الخطاب، لمخاطر عالية اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية، وأن قانون العقوبات في المادة ٣٠٩ يحمّل المسؤولية الجزائية فقط على من يستخدم «وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة تتسبب في تدني أوراق النقد الوطنية أو زعزعة الثقة بمتانتها وبجميع الاسناد (السندات) ذات العلاقة بالثقة المالية» وان ما قاله رئيس الجمهورية بأن «رح يخلصوا المصريات» لم يكن لا «وقائع ملفقة ولا مزاعم كاذبة». بل حقائق معروفة. فـ «المصريات رح يخلصوا» بالفعل والاحتياطيات استنزفت ونفذت.

والجواب على هذه الحجة «القانونية» انها قد تصلح لتصريح أو شائعة من مواطن لبناني أو أجنبي، لكنها لا تصلح لرئيس جمهورية مسؤول عن سلامة البلاد واقتصادها وعملتها. ولنا الدرس والعبرة من رئيس جمهورية البرازيل الراحل GUETULIO VARGAS الذي كان يدعى «أبو الفقراء»، على طريقة «بيّ الكل» وعندما اشتدت عليه العواصف النقدية والمالية، لم يقل لشعبه يومها انه إذا لم يهطل عليكم «المن من السماء» فان «جهنم» بانتظاركم، بل رضخ للمعارضة الشعبية العارمة وقدّم استقالته بل أطلق الرصاص على قلبه في ١٩٥٤ العام نفسه الذي تنازل فيه عن الحكم، وفي حل ليس من «شيم» الحكام، بل هو خشبة الخلاص للمحكومين في لبنان اليوم، حيث قوارب الموت البحرية طريق الخروج من عبء نظام استهلك نفسه وأهلك شعبه وبات مصيره أسير املاءات الخارج ونار «جهنم» الداخل.


أخبار ذات صلة

أعلنت بلدية الشيخ محمد، في بيان، ثبوت إصابة أحد أبناء [...]
الاتحاد يحسم ديربي جدة امام الاهلي بعد صيام 8 سنوات
في بعلبك.. محاولات لمنع ازالة مخالفات البناء