بيروت - لبنان 2018/10/22 م الموافق 1440/02/12 هـ

قصة السد الأهم في العالم تتحدث عن تكلفة كهرباء زهيدة ونظيفة!

حجم الخط

كل يوم يبحث العلماء عن حل وبدائل بشأن الطاقة النظيفة والمتجددة، خاصة في ظل الاتجاه العالمي لتقليل الاعتماد عن النفط والغاز في المستقبل، ولعلّ الحل هنا هو تخزين الطاقة الشمسية.

سد هوفر الموجود في الغرب الأميركي أحد المفاخر الهندسية العظيمة في القرن العشرين فقد نجح في إمداد الملايين من المنازل والأشغال بالطاقة خلال القرن الماضي، والآن هناك خطة لتحويله لرافد جديد من الطاقة النظيفة.

يُمثل السد حالياً التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين: وهو تحويل السد لمخزن ضخم للفائض من إنتاج الطاقة الكهربية، يستمد الطاقة من مزارع الطاقة الشمسية وطواحين الرياح، المصادر التي تمثل مستقبل الطاقة.

وتريد إدارة الماء والطاقة في ولاية لوس أنجلوس الأميركية تجهيز السد بخطوط أنابيب ومحطة ضخ تعمل بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح تكلفتها 3 مليارات دولار. ستساعد محطة الضخ في اتجاه تيار النهر على تنظيم تدفق المياه خلال مولدات السد، وتعيد المياه إلى القمة لتساعد في إدارة الكهرباء في أوقات زيادة الطلب إلى ذروته.

وستكون النتيجة النهائية عبارة عن نوع من أنواع خزانات الطاقة، تعمل وكأنَّها بطارية ليثيوم – أيون ضخمة صُمِّمَت لتمتص الطاقة وتطلقها، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

الحل السحري للطاقة النظيفة!

وقد يساعد مشروع سد هوفر في الإجابة عن سؤالٍ طالما لاح في أفق صناعة الطاقة: كيف نحصل على طاقة رخيصة وكفاءة تخزين عالية، الأمر الذي يعتبر مفتاح التحول في صناعة الطاقة وسيساعد في الحد من الانبعاثات الكربونية.

ولأنَّ الشمس لا تشرق دائماً، والرياح يمكنها أن تتقطع، تبحث الشركات عن طرق لتخزين الكهرباء المتولدة من هذه المصادر لاستخدامها عندما ينقطع إنتاجها. وإلا سيضطرون لتشغيل محطات الوقود الحفري لتلبية الاحتياجات في وقت زيادة الطلب.

وعندما تنتج مزارع الطاقة الشمسية والرياح طاقة كهربية تفوق حاجة المستهلكين، على إدارة مرافق كاليفورنيا إيجاد الطرق المناسبة للتخلص منها، قد يمنحونها لولاياتٍ أخرى، أو سيواجهون خطر زيادة الأحمال الكهربية على الشبكة التي ستتسبب في انقطاع التيار الكهربي.

 
 
صورة من داخل السد

وقال إريك غارسيتي، عمدة لوس أنجلوس: «أعتقد أنَّه يجب علينا النظر لهذا الأمر باعتباره لحظة لن تحدث سوى مرة واحدة في القرن. حتى الآن يبدو الأمر ممكناً فعلاً، يبدو مصدراً مستداماً، ونظيفاً»، بحسب الصحيفة الأميركية.

ومن المستهدف الانتهاء من العمل في عام 2028، ويقول البعض إنَّ هذه الجهود قد تلهم ابتكاراتٍ مشابهة في سدودٍ أخرى. وقد يؤثر تحسين تخزين الطاقة على خطط بمليارات الدولارات في مشاريع الرياح قدَّمها المليارديران وارن بافيت وفيليب فريدريك أنشوتز.

ولكن على هذا المقترح اجتياز العقبات السياسية أولاً، التي من ضمنها الاعتبارات البيئية، ومراعاة مصالح المستفيدين من النهر في الشرب والاستجمام والخدمات.

ويعتمد مستوى المياه في مناطق معينة على امتداد النهر في مدينة بولهيد سيتي في ولاية أريزونا ومدينة لافلين في ولاية نيفادا على جانبي نهر كولورادو على الوقت الذي يُفتَح فيه السد ويُغلَق، ويرى بعض السكان أنَّ التغير في تدفق النهر سيتسبب في اضطراب حياتهم، بل وتهديدها.

مضت أعوام منذ ظهور الفكرة

أُشير لاستخدام سد هوفر لإدارة شبكة الكهرباء بطريقة غير رسمية أكثر من مرة على مدار الـ15 عاماً الأخيرة. لكن لم يسعَ أحدٌ في طريق تنفيذ الفكرة على نحوٍ جدِّي حتى العام الماضي، عندما بدأت ولاية كاليفورنيا في التعامل مع حاجتها لإدارةٍ أفضل لإنتاجها المرتفع من الكهرباء البديلة، وهو ما يشكل جزءاً من عملية تقليل اعتمادها على محطات التوليد التي تعمل بالفحم والطاقة النووية، بحسب الصحيفة الأميركية.

وصل الأمر في كاليفورنيا، الولاية الرائدة في إنتاج الطاقة الشمسية، لدرجة أنَّها تدفع لولايات أخرى لتأخذ فائض الكهرباء. وظهرت شركات مثل تسلا في الصورة، لتصنع بطاريات الليثيوم-أيون التي تُستخدم في بعض المرافق في الولاية، لكنَّ هذا النوع من التخزين بشكل عام مازال مكلفاً.

وقدَّرت شركة لازارد، وهي شركة استشارات مالية وإدارة أصول، أنَّ بطاريات الليثيوم أيون اللازمة لسد حاجة المرافق العامة تُكلف 26 سنتاً لكل كيلوواط في الساعة، في حين تُكلف المشاريع الكهرومائية المعتمدة على التخزين بالضخ 15 سنتاً لكل كيلوواط في الساعة. ويدفع المنزل العادي في المتوسط حوالي 12.5 سنت في الكيلوواط في الساعة مقابل الكهرباء.

توفر بعض السدود أساساً لمقترح سد هوفر. إذ تدير لوس أنجلوس محطة كهرومائية في بحيرة بيراميد، تبعد حوالي 50 ميلاً شمال غربي المدينة، وتخزن هذه المحطة الطاقة باستخدام الشبكة الكهربائية للفِّ التوربين إلى الخلف وإعادة ضخ المياه إلى البحيرة.

لكنَّ مقترح سد هوفر سيعمل بطريقة مختلفة. لن يُمَس السد بارتفاعه الشاهق الذي يبلغ 726 قدماً (221 متراً تقريباً) من الخرسانة، وبمولدات الطاقة الـ17 التي بدأت في العمل في عام 1936. وبدلاً من ذلك، يقترح المهندسون بناء محطة ضخ في اتجاه التيار على بعد 20 ميلاً (32 كيلومتراً تقريباً) من المخزن الرئيسي عند بحيرة ميد، أكبر بحيرة صناعية في الولايات المتحدة الأميركية. وسيمدون خط أنابيب أسفل الأرض كلياً أو جزئياً، اعتماداً على الموقع النهائي المتفق عليه، بحسب الصحيفة الأميركية.

في انتظار واشنطن

تقول إدارة لوس أنجلوس للمياه والطاقة، أكبر المرافق المحلية في البلاد، إنَّ مقترحها سيزيد من إنتاجية السد، الذي لا يعمل سوى بـ20% من طاقته، حتى لا تنطلق الكثير من المياه وتغمر المدن التي تقابلها في مسارها.

أجرى المهندسون دراسة جدوى مبدئية، تتضمن مراجعة لمواقع محطة الضخ التي قد يكون لها أثر عكسي أقل على البيئة والمجتمعات بقدر الإمكان.

لكن لأنَّ سد هوفر يقع على أرضٍ فيدرالية ويخضع تشغيله لإشراف مكتب الاستصلاح التابع لوزارة الداخلية، فعلى المكتب أن يدعم المشروع قبل أن يشرع في العمل.

يقول دوغ هندريكس، المتحدث الرسمي باسم المكتب: «نحن على وعي بالفكرة، ولكن في الوقت الحالي إدارتنا الإقليمية لم تر الفكرة مفصلةً بما يكفي لتحدد موقفها من المشروع ككل».

 
 
من داخل السد

إذا وافق المكتب على النظر في المشروع، ستراجع هيئة المتنزهات الوطنية التأثير البيئي والعلمي والجمالي على المنطقة الترفيهية المطلة على مجرى النهر. وإذا حصلت إدارة المرافق في لوس أنجلوس على موافقة الهيئة فإنَّها ستطلب كما أخبرتهم بأن تكون الأنابيب غير مرئية للعامة بنسبة كبيرة، ما قد يتطلب عملاً هندسياً بارعاً.

من بين هذه الاعتبارات تأثير المشروع على كباش الجبال الصخرية التي ترعى في الوادي الأسود، أسفل السد مباشرةً، وتأثيره على مياه الشرب في أماكن مثل مدينة بولهيد سيتي. ويشعر بعض علماء البيئة بأنَّ إضافة مرفق ضخ قد تعيق تدفق المياه في اتجاه مجرى النهر، خاصةً في دلتا نهر كولورادو، التي أصبحت مجرى نهر جاف في المكسيك ولم تعد متصلةً بالبحر بعد الآن.

هناك مثار قلق آخر متمثل في أنَّ محطة الضخ قد تسحب المياه من بحيرة موهافي أو قريباً منها، حيث يذهب هواة الماء لركوب القوارب والصيد، وركوب الزلاجات النفاثة، وقوارب الكاياك، وزوارق الكانو.

وقالت كيري سايمونز، مديرة شركة Watercraft Adventures لتأجير القوارب ولوازم الصيد والترفيه المائي التي تأسست منذ 27 عاماً في لافلين، إنَّ مستوى المياه قد اضطرب بالفعل في مناطق من نهر كولورادو قريبة من مدن النهر. إذ يغلق سد دافيس الأصغر الذي يقع شمال لافلين مباشرةً التدفق طوال الليل.

وأضافت كيري أنَّه في صباح أحد الأيام هذا العام انخفض مستوى المياه أمام المدينة لدرجة أنَّه كان يمكنك عبور مجرى النهر على قدميك. وتابعت: «لم نتمكن من إخراج أي قوارب حتى الظهر. كان نصف النهر عبارة عن شريطٍ رملي».

حتى لو لم تُفقَد أي مياه بسبب مشروع الضخ، مجرد التفكير في أي تحميلٍ إضافي على النظام يثير قلق توبي كوتر، مدير مدينة بولهيد سيتي.

قال كوتر إنَّ المدينة تعتمد على السياحة الصيفية التي تجذب ما يقرب من مليوني زائر إلى منطقة الاستجمام لمشاهدة المياه الزرقاء المائلة للخضرة. وأضاف: «هذه البحيرة هي شريان الحياة لهذا المجتمع، من المعتاد رؤية ما لا يقل عن 100 قارب في البحيرة»، بحسب الصحيفة.

علاقة معقدة

ضغط علماء البيئة دائماً على لوس أنجلوس للتوقف عن استخدام الوقود الحفري، وإنتاج الكهرباء من المصادر البديلة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويقول العمدة غارسيتي إنَّه يريد لمدينته أن تصبح الأولى بين الولايات في الاكتفاء الذاتي من الطاقة النظيفة، في ظل الحفاظ على نظام كهرباء يُعتَمد عليه.

وأضاف: «يكمن التحدي أمامنا في كيفية التحول إلى الطاقة النظيفة بنسبة 100%؟ التخزين يساعد. ولا يوجد في نظامنا بطارية أكبر من سد هوفر».

لكنَّ الجراح القديمة لم تندمل بعد على طول نهر كولورادو. إذ أُغلقت محطة توليد تعمل بالفحم في لافلين كانت تديرها إدارة الماء والطاقة عام 2006، مما تسبب في خسارة 500 وظيفة وتوعك الاقتصاد المحلي. ولا يزال القرار القديم بتخصيص جزء صغير من المياه لصالح نيفادا وإمكانية أن تسحبه كاليفورنيا وأريزونا نقطةً جدلية حساسة.

 
 
لقطات من أمام السد

ويقول جوزيف هاردي عضو مجلس الشيوخ الممثل عن ولاية نيفادا: «لا يحدث شيء في كاليفورنيا في ملف الطاقة يمنح الناس الذين يتعاملون معه أي نوع من الارتياح. أعتقد من وجهة نظر سياسية أنَّه علينا تهدئة مخاوف كاليفورنيا ونيفادا وأريزونا. ستكون هناك عشرات الآلاف من المآخذ»، بحسب الصحيفة الأميركية.

أغضب قرار إغلاق محطة الفحم الكثير من السكان. كانوا يريدون ببساطة إضافة خاصية للتحكم في انبعاثات المحطة، أو ما يعرف بأجهزة غسل الغاز، للحد من التلوث بالكربون. كان المجتمع بعد ذلك يأمل في أن تحل محطة غاز طبيعي محل محطة الفحم، لكنَّ ولاية لوس أنجلوس لم تستطع الاتفاق مع المجتمعات المحلية على موقعها.

ما زالت محطة الفحم المغلقة، التي تبلغ مساحتها 25 كيلومتراً مربعاً، خاويةً على عروشها. ويقول كوتر مسؤول بولهيد سيتي: «مازال هناك بعض الألم هنا».

وكانت هناك جهودٌ محلية لتحويل الموقع إلى منطقة لإنشاء المساكن والأشغال، أو بناء مزرعة طاقة شمسية على قطعة من الأرض، إذا كانت لوس أنجلوس على استعداد لشراء الطاقة.

وقال غارسيتي إنَّ هناك ولايات ومدن أخرى عملت مع لوس أنجلوس لبناء مشاريع تطوير اقتصادي لمجتمعاتها، لذا سيرحب بالتفكير في أفكار مماثلة لمشروع سد هوفر، بالإضافة إلى طرقٍ ليعم النفع على المنطقة بأكملها. وقال: «كلي آذانٌ صاغية لما يحتاجونه».

ويشعر هاردي بالقلق من وعود المدينة الكبيرة. إذ قال إنَّ إدارة الماء والطاقة تعاملت مع نيفادا بالكثير من العجرفة، لدرجة أنَّه كان هناك حارس أمن في محطة الفحم القديمة رفض إعادة الكرة لأطفالٍ كانوا يلعبون بالقرب من المحطة بعد أن قفزت الكرة خلف أسوار البناية. وقال إنَّ الحارس أخبر آباء الأطفال أنَّهم يمكنهم رفع دعوى قضائية لاستعادة الكرة، وهي عملية قد تستغرق عامين أو ثلاثة.

وأضاف هاردي: «لم يكونوا الجار الأفضل».

لكنَّه قال إنَّه يود ملاقاة مسؤولي لوس أنجلوس ليعملوا على إنجاح المشروع.

وتابع: «العقبات قليلة والمفاوضات بسيطة ما دام الجميع متفقاً مع نيفادا. سيكون من الجيد لو كانت هناك طاولة مفاوضات يجلسون إليها. سأتكفل أنا بالطاولة».



أخبار ذات صلة

هل "السيارات الكهربائية" صديقة حقيقية للبيئة؟
أهالي سعدنايل والجوار انتفضوا بالآلاف وطالبوا بالتمديد لشركة كهرباء زحلة
الحريري في مؤتمر البطالة في طرابلس: لمنهج تربوي قائم على [...]