بيروت - لبنان 2019/05/26 م الموافق 1440/09/21 هـ

هل يكون 2019 هو العام الذي نتواصل فيه أخيراً مع مخلوقات فضائية؟

ما كان مثيرا للسخرية في السابق يبدو مقبولا الآن على نطاق واسع ويعتبره كثيرون أنه صحيح وواقعي (غيتي)
حجم الخط

قبل بضعة أسابيع، نشرت مجلة "نيتشر" تقريرين خضعا لمراجعة الأقران، وأعدهما علماء مشروع تليسكوب "تشايم" الإذاعي الواقع في "أوكاناغان فالي" في إقليم بريتيش كولومبيا في كندا.

تشايم - ويعني تجربة رسم خرائط كثافة الهيدروجين الكندية (Canadian Hydrogen Intensity Mapping Experiment) – ترسم خريطة الكون باستخدام آلاف الهوائيات لجمع الإشارات المنبعثة من سماء الليل، ثم تستخدم أكبر نظام معالجة في العالم لبناء صورة للمجرة ... وما بعدها.

وأثارت التقارير التي نُشرت في 9 يناير (كانون الثاني) قدراً من الحماس أولاً في العالم الأكاديمي – حيث تم تقديم النتائج في وقت واحد إلى الجمعية الفلكية الأميركية - ثم في وسائل الإعلام الأوسع.

ذلك لأن العلماء في "تشايم" اكتشفوا ومضات راديو سريعة أو ما يعرف بـ FRBs، وهي عبارة عن دفقات مكثفة من الطاقة الراديوية، وهي ليست بالضرورة ظاهرة غريبة في الكون. لكن في هذه المرة، هناك شيء مختلف: تتكرر هذه الإشارات كل بضعة أيام.

وما هو مثير بشكل خاص هو أن العلماء لا يعرفون ما الذي يسبّب هذه الدفقات الراديوية. بالنسبة لمعظمنا، هذا يمكن أن يعني شيء واحد فقط: مخلوقات فضائية.

ولوضعها في السياق، تأتي هذه الدفقات السريعة من بعيد، أبعد من مجرتنا درب التبانة. قد يكون خط الروائي دوغلاس آدمز في "دليل المسافر إلى المجرة" قد كُتب بشكل خاص لوصف المسافة التي جاءت منها: "أعني، قد تعتقد أنه طريق طويل إلى الصيدلي، ولكن هذا مجرد حبة فستق بالنسبة للفضاء." مجرة أندروميدا تبعد 2.5 مليون سنة ضوئية منا. مصدر الـ FRBs التي تم الكشف عنها من قبل تشايم جاء عن بعد آلاف أضعاف تلك المسافة.

قبل أن يحوّل التلسكوب نظراته العالية التقنية إلى السماء، لم يكن هناك سوى حادث واحد تم اكتشافه سابقاً من الدفقات الراديوية السريعة المتكررة، وكان ذلك في عام 2012.

ويقول إنغريد ستيرز، عضو فريق "تشايم" وعالم الفيزياء الفلكية في جامعة بريتيش كولومبيا : "إن معرفة وجود (دفقات) أخرى يشير إلى احتمال وجود المزيد منها هناك. ومع وجود المزيد من الحالات المتكررة ومصادرَ أكثر للدراسة، قد نكون قادرين على فهم هذه الألغاز الكونية - من أين تأتي وما الذي يُسببها".

تم الإعلان عن أول اكتشاف لموجات صوتية سريعة في نفس الوقت من اكتشاف "اومواموا" وهو أول زائر بين النجوم (المرصد الأوروبي الجنوبي)

وحقيقة أن العلماء لا يعرفون ما الذي يولد هذه الدفقات الراديوية السريعة تُنذر بكونها في الواقع نتاج حضارات نائية.

ينكب معهد "سيتي" (البحث عن الذكاء اللاأرضي) في كاليفورنيا على البحث عن دليل لوجود حياة فضائية. وكتب عالم الفلك الكبير سيث شوستاك على موقع المعهد على الانترنت أن هذه الدفقات ليست بالضرورة سبباً للاحتفال ولا لمد سجادة الترحيب بين النجوم.

يقول شوستاك: "هنالك إعتقاد بين الطلاب الجامعيين في مجال الفلك أن الظواهر الكونية إما فردية، أي أن هناك واحدة فقط في الكون، أو أنها شائعة جداً. على سبيل المثال، ذهب بعض الناس إلى أن الأرض قد تكون فريدة من نوعها، أي ربما لا يوجد سوى عالم واحد صديق للبيئة في مجرتنا، ونحن نعيش فيه. لكن، هناك رأي يتم سماعه كثيراً ويفيد بأنه من بين تريليون الكواكب الموجودة في مجرة درب التبانة، يمكن أن يكون هناك مليارات كثيرة قد أنتجت الحياة."

"قبل بضع سنوات، عندما لم يعكن معروفاً سوى عددٍ قليلٍ من الدفقات الراديوية السريعة، كان من غير الواضح ما إذا كانت نادرة أو غير ذلك. الآن وقد تم اكتشاف أكثر من 60، يمكن للباحثين أن يقولوا بأمان أنه ربما هناك الآلاف من هذه الأشياء تتدفق كل يوم. فهي في كل مكان مثل إمدادات المياه الداخلية."

الشيء المثير هو ان الدفقات التي اكتشفها "تشايم" تتكرر، بحسب شوستاك. "هناك وميض قصير للطاقة الراديوية - أسرع من رمش العين - وبعد ذلك، ربما بعد يومين، تومض مرة أخرى."

"يخبرك التكرار بشيء ما عن سبب هذه الومضات الراديوية. من الواضح أنك لا تتوقع أن تعود الثقوب السوداء المتصادمة أو نجوم النيوترون إلى أماكنها وتصطدم مرة أخرى بعد بضعة أيام. كل ما هو مسؤول عن هذه السلسلة من الدفقات يجب أن يكون ظاهرة مستمرة."

"بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون هذه الظاهرة نشطة بشكل هائل، لأن ومضات الراديو تأتي من مليارات السنين الضوئية."

"من الواضح أن شيئاً ما في تلك المجرة يستطيع حشد طاقة كافية لإنتاج إشارة يمكن اكتشافها هنا على الأرض. ويمكن أن تصل هذه الطاقة كل بضعة أيام أو نحو ذلك."

بالنظر إليه على حدة، قد لا يكون اكتشاف الدفقات الراديوية السريعة قد سبّب الكثير من الحماس العام، ولكن جاءت الأخبار تزامناً مع إعلان آخر، المتعلق بـ "أومواموا."

"أومواموا" (Oumuamua) تعني في الواقع "الكشافة" أو "الموفد" باللغة الأصلية لجزيرة هاواي، لكنه يحمل ذلك الطابع الجميل للخيال العلمي. من بين القصص الشائعة في الخيال العلمي فكرة "الكائن الكبير الغبي" - وهو بنية غريبة ضخمة لا يمكن التنبؤ بها تظهر في سمائنا أو على الأرض، وهي شهادة صامتة على وجود حياة خارج كوكب الأرض.

فكّر في الأعمدة الحجرية من فيلم آرثر سي كلارك "أوديسي الفضاء 2001" أو روايته "موعد مع راما"، حيث ينزلق كائن أسطواني غامض إلى نظامنا الشمسي.

كلارك ، الذي توفي في عام 2008، كان سيعجبه "أومواموا"، الاسم الذي صاغه علماء في جامعة هاواي عندما اكتشفوا الكائن الغريب الذي يمر عبر نظامنا الشمسي ولا يختلف عن "راما" ، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

"أومواموا" هو كويكب - أو ما شابه ذلك - كتلة صخرية مطولة يصل طولها إلى حوالي كيلومتر واحد، وحمراء اللون. كان ملحوظاً من الناحية الفلكية لأنها كانت المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف جسم قادم من خارج نظامنا الشمسي.

كانت هناك نظريات من تلك المعتادة على الإنترنت حول ارتباط "أومواموا" بكائنات فضائية، بالطبع. لكن لم تؤخذ على محمل الجد، حتى شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، عندما تحدث علناً رئيس قسم علم الفلك في جامعة هارفارد ، آفي لوب، وقال إنه في الواقع، قد يكون هذا كائنات فضائية.

واستناداً إلى تصريحاته حول الملاحظات التي تقول إن "أومواموا يبدو أنه يتسارع في بعض النقاط أثناء مروره أمامنا،" قال "لوب" للمجلة الألمانية دير شبيغل: "قد يكون مسباراً يعمل بشكل كامل تم إرساله عن قصد إلى مقربة الأرض من قِبل حضارة غريبة. إذا كانت هذه الكائنات سلمية، فيُمكننا تعلم الكثير منها."

عادة ما يكون العلماء حذرين من إطلاق تأكيدات مثل هذه التي لا تقتصر فقط على وجود مخلوقات فضائية، بل على تقدمها إلى درجة أنها تستطيع إخفاء مركباتها الفضائية على شكل كويكبات وإرسالها لتدور عبر المجرة.

حتى معهد "سيتي"، الذي لا يخفي مشاعره عندما يتعلق الأمر بمهمته لإيجاد حياة فضائية، لم يبدي حماسة لاحتمال كون القذفات الراديوية السريعة المتكررة من مخلوقات فضائية.

وكتب "سيث شوستاك" أنه "غالباً ما يتم نسب ظواهر سماوية جديدة إلى مخلوقات فضائية. قبل نصف قرن، كان العلماء السوفيات يشكون في أن "الكويزرات" هي في الواقع إشارات تبثها مجتمعات متقدمة للغاية بعيدة جداً. وفي الستينات من القرن العشرين، كان علماء الفلك البريطانيون يشيرون مؤقتاً إلى النجوم النابضة باعتبارها رجالاً صغاراً."

"ولكن يمكنك أن تراهن بكل تأكيد على أن المخلوقات الفضائية ليست وراء الدفقات الراديوية السريعة. لماذا؟ لأن الدفقات يمكن رصدها في جميع أنحاء السماء، وهذا هو السبب. نفس النوع من الإشارات تأتي من مجرات تفصل بينها عادة مليارات من السنين الضوئية. فكيف يُمكن للمخلوقات الفضائية تنظيم جزء كبير من الكون لبث نفس النوع من الإشارات؟ لم يكن هناك ما يكفي من الوقت منذ "الانفجار الكبير" (بيغ بانغ) لتنسيق مثل هذا العمل الجماعي الواسع، حتى لو كنت تفكر في سبب لذلك!"

هذا الأسبوع أجرت مجلة "نيويوركر" مقابلة مع لوب. كان من المعقول توقّع أن يتراجع قليلاً عن تصريحاته التي أدلى بها في أكتوبر (تشرين الأول) بشأن "أومواموا." لكن لا شيء من ذلك حدث. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال: "أومواموا" كان نوعاً من الشراع الذي يعمل بالطاقة الشمسية، ما يفسر التغير في السرعة، وهو ما لا يتوقع رؤيته من جسم ميت ينجرف ببساطة في الفضاء.

وقال لوب لصحيفة"نيويوركر": "الشيء الوحيد الذي يتبادر إلى ذهني هو أن ضوء الشمس، حين يرتد على سطحه، يعطيه دفعة إضافية. إنه مثل ارتداد الريح على شراع القارب. قمنا بالتحقق من ذلك ووجدنا أنك تحتاج لأن يكون سمك الجسم أقل من ميلليمتر لكي يتم هذا. إذا كان في الواقع أقل من ميلليمتر من السماكة، وإذا يتم دفعه من قبل أشعة الشمس، فربما يكون قارباً ضوئياً، ولم أتمكن من التفكير في أي عملية طبيعية قادرة على خلق قارب ضوئي. من الأرجح أنه تم انتاجه بوسائل اصطناعية من قبل حضارة تكنولوجية."

لكن لوب أبدا ملاحظة تحذيرية لأي معجبين بنظرية وجود مخلوقات فضائية هناك. إن الحضارة التي أرسلت "أومواموا" - بنفس الطريقة التي أرسلنا بها مسبارات فوياجر - يمكن أن تكون قد انقرضت منذ فترة طويلة، بالنظر إلى المسافات التي ربما تكون قد قطعتها.

لكن رغم ذلك، هذا عالم محترم في جامعة هارفارد يقول إنه يؤمن بالمخلوقات الفضائية: "لا أرى إمكانية وجود حضارة تكنولوجية عملية تخمينية، لسببين: الأول هو أننا موجودون. والثاني هو أن ما لا يقل عن ربع النجوم في مجرة ​​درب التبانة لها كواكب مشابهة للأرض، مع ظروف سطحية تشبه الأرض إلى حد كبير، حيث يمكن أن تتطور كيمياء الحياة كما نعرفها. إذا قمت بتدوير النرد مرات عديدة، وهناك عشرات المليارات من النجوم في مجرة ​​درب التبانة، فمن المرجح أننا لسنا بمفردنا."

إنه نوع من الأشياء التي يقولها الناس منذ سنوات، ولكن سماعها من شخص مرموق يضيف وزناً إلى حقيقة أن الاعتقاد بالمخلوقات الفضائية لم يعد محصوراً لدى أصحاب نظريات المؤامرة.

أجريت بحثاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي في مسألة وجود المخلوقات الفضائية. لم أجد أحداً يقول إنه لا يؤمن بوجود المخلوقات الفضائية، ربما يرجع ذلك لنوع الأشخاص الذين يتبعونني. أحد الردود على تويتر أشار إلى "أن عدم الإيمان بالمخلوقات الفضائية هو شبيه بالاعتقاد بأن العالم مسطح وأن اللقاحات تسبّب التوحد، وانه قد تم إنشاء العالم في غضون سبعة أيام. لا يوجد شخص عاقل يعتقد أننا وحيدون في هذا الكون."

التفكير بعدم وجود المخلوقات الفضائية يبدو مثيراً للسخرية بقدر ما كان التفكير بوجودها في زمن ليس ببعيد. من جانبه وصف أحد المعلقين الفكرة بأنها "نرجيسية،" فيما قال آخر: "من الغريب أن نعتقد أننا الحياة الوحيدة في الكون. وبنفس القدر من الغرابة أن نؤمن بأن الكون صغير بما فيه الكفاية لكي نتمتع بفرصة مقابلة حياة أخرى."

قد يكون هذا التعليق الأخير مؤشراً على فكرة أنه بينما قد توجد الحياة على كواكب أخرى، قد لا نتمكن أبداً من الوصول إليها أو العكس.

وعندما كتبت سؤالاً على فيسبوك حول ما إذا كان 2019 سيكون عاماً مهماً في ما يتعلق بالمخلوقات الفضائية، أجابني الكاتب روان كوليمان قائلا: "ربما ليس هذا العام، ولكن في السنوات الخمس المقبلة. "ناسا" ترسل مسبرات إلى يوروبا وأقمار اخرى تحتوي على مياه متجمدة. هناك الكثير من المياه المتجمدة والسائلة أحياناً على سطح المريخ. وبالنظر إلى أن الحياة الميكروبية يمكن أن تبقى حية على الأرض في ظروف التجميد والغليان، في فراغ الفضاء يبدو من الواضح أننا سنجد هذا النوع من الحياة في نظامنا الشمسي."

يُضيف ديفيد داربي، وهو كاتب آخر: "توقعاتي هي أنه في كل مكان توجد المياه السائلة، ستجد الحياة – هذه هي الحالة الثابتة على الأرض بغض النظر عن قساوة المحيط الطبيعي. قد نكتشف الحياة الحيوية الميكروسكوبية فقط لأن هذه هي الحياة الوحيدة التي يمكن تصورها في كوننا. الوقت الذي يستغرقه السفر بين النجوم يعني أن أي إمبراطورية مجرية ربما ستظل غائبة عنا لأن تقنياتنا لن تصل بنا إليها. كان كوكبنا هنا لفترة طويلة بما فيه الكفاية لهم لزيارتنا إذا كانت لديهم التكنولوجيا أو النزعة. وحقيقة أنهم لم يزورونا يعني على الأرجح أن السفر بين النجوم هو مشكلة تكنولوجية من دون حل. الشيء الوحيد الذي يمكن أن نكون متأكدين منه هو أن "الحقيقة موجودة هناك في مكان ما..."

إن فكرة اكتشاف الحياة الميكروسكوبية هي فكرة اكتسبت قدراً أكبر من الاهتمام في السنوات الأخيرة، ونقطة كولمان حول الحياة على الأرض التي تعيش في ظروف قاسية هي تلك التي قدمها الكوميدي بن ميلر بشدة في كتابه الأخير "المخلوقات الفضائية آتية."

ميلر - الذي درس في جامعة كامبريدج للحصول على درجة الدكتوراه في فيزياء الحالة الصلبة – يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن الحياة موجودة هناك، ولكن من المحتمل أن نجد ميكروبات قبل قدوم سفن الفضاء الفضية. أخبرني عن الميكروبات الموجودة في الينابيع الحارة في حديقة يِللوستون الوطنية في 90 درجة مئوية، أكثر من 30 درجة فوق ما يمكن أن تتحمله. إذا كان يُمكنها البقاء في هذه الظروف هنا على الأرض، فلم لا على كواكب أخرى؟

هل ترسل الحضارات الغريبة إشارات راديوية ومسبارات تعمل بالطاقة الشمسية لدراسة الحياة على الأرض؟ الاعتقاد الذي كان هدفاً للسخرية يبدو الآن مقبولاً على نطاق واسع على أنه صحيح بل وحتمي.

هل سنجد الحياة - سواء كانت حشرات مجهرية أو إمبراطورية مجرية - في عام 2019؟ يبدو حسب الأدلة الحديثة، أنه إذا كنا سنجري اتصالاً، فإن هذا العام، أوالعام المقبل، أو ربما الذي بعده محتمل على نحو متزايد. استمر في مراقبة

السماء...


المصدر: إندبندت عربية


أخبار ذات صلة

خادم الحرمين يصل مكة لقضاء العشر الأواخر من رمضان
السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لأمن واستقرار السودان
"الليالي العشر" تفتح 74 باباً إضافياً للمسجد الحرام