بيروت - لبنان 2020/06/07 م الموافق 1441/10/15 هـ

أنا مثلكم...مش غريب!! متلي متلك...!!

حجم الخط

المحامي شادي خليل أبو عيسى

غرفة منال سرير وست كراسي والجالسون هبة ونور وهديل وماهر.

منال: انتهت العطلة وغداً سيأتي الدوام.

هديل: وسوف نرى صديقاتنا.

ماهر: وأصدقائنا أيضاً.

نور: وسنعود لتحضير الدروس والواجبات المدرسية.

منال: المدرسة ليست كلها دروس فيها أيضاً مجال للتعارف والتحدث واللعب مع الرفاق.

ماهر: إن التنظيم يعطينا وقت للقراءة وللمرح معاً.

نور: صحيح، فبعد القراءة نستطيع أن نخبر القصص والرويات المفيدة.

منال: تعالوا، سوف أخبركم عن أمين.

ماهر: ومن هو أمين؟

منال: إنه تلميذ معنا في المدرسة كان يعيش بحزن مستمر وألم نفسي.

نور: ولماذا؟

منال: انتظر، سوف أحدثكم عنه!!

نور: تفضلي يا هبة.

منال: شكراً..شكراً.

منذ حوالي سنة، كنت في الملعب أمرح مع رفاقي أثناء الفرصة بين الحصص المدرسية، وفجأة رأيت في زاوية الملعب شخص كبير الحجم يجلس لوحده بحزن. استغربت كثيراً، لأن الملعب الذي نحن فيه مخصص للصغار، ولكن هذا الشخص هو ضجم بحجمه وشكله. فاقتربت منه بهدوء وحذر، وحاولت التحدث معه. فقلت له: مرحباً، هل أنت معنا في الصف الابتدائي.

لم يجيب ولم يتحرك!!

ثم كررت سؤالي: فنظر إلي فألم وقال لي: نعم. وقبل أن أقول له أي شيء، فاجأني بكلامه قائلاً: لا تستغربي، فأنا أيضاً في الصف الابتدائي رغم ضخامة حجمي وعمري الصغير. فأنا في الثانية عشر من العمر ولكن شكلي يوحي بأنني في الثلاثين!! وهذا الأمر يسبب لي الاحراج والمشاكل والألم في نفسي وأشعر بأنني من كوكب آخر بين كافة التلاميذ هنا وخارج المدرسة!! فلا أستطيع أن أتحدث مع أحد أو أن أصادق أحد مع الأسف!! 

فقلت له: ولكن، الشكل الخارجي ليس كل شيء في الحياة، بل النعمة هي بنقاء الروح وطيبة القلب وعذوبة الكلام!!

فقال لي: نعم، هذا من الناحية النظرية، أما في الواقع فأنا منبوذ وبعيد عن كل الرفاق ولا أحد يقبل بأن يكون رفيقي!!

فأجبته على الفور: إذاً، اسمح لي أن أكون رفيقتك الأولى.

نظر إلي بتعجب قائلاً: ألن تخجلي بي عندما أكون معك ومع رفاقك؟

قلت له: وأنت هل تخجل بي؟

قال مسرعاً: طبعاً لا.. أنت رقيقة وطيبة الروح.

ثم عدت إلى رفاقي وأنا أفكر بهذا الشخص وكلامه وظروفه الغريبة.

وفي اليوم التالي، عدت مجدداً إلى المدرسة، وفي وقت الفرصة، كنت أذهب إليه للمرح والتحدث قليلاً. فشعرت بأن لديه صعوبة في سرعة الاستيعاب رغم اندفاعه المُفعم بالأمل. وقد قالت لي احدى المعلمات أنه بحاجة إلى وقت للتأقلم مع الظروف الجديدة في الحياة.

ويوماً بعد يوم، تكررت اللقاءات بيني وبينه في الملعب، وعرفت أنه بارع في الرسم. ففرحت خاصة عندما علمت أن ادارة المدرسة أعلنت عن فتح باب قبول طلبات الترشح لأفضل لوحة. عندها، طلبت من أمين أن يرسم لي رسمة صغيرة. وبعد أيام أعطاني اللوحة التي رسمها، فأخذتها إلى المنزل. وفي اليوم التالي، قمت بوضعها بعلبة صغيرة وكتبت عليها اسمه وأخذتها معي إلى المعلمة المسؤولة عن طلبات المسابقة، وقالت لي أن موعد اعلان النتائج سيكون خلال عشرة أيام ضمن حفل كبير في قاعة الاحتفالات الكبرى داخل المدرسة بمشاركة مدير عام وزارة التربية.

وبعد عشرة أيام، جاء موعد الاحتفال المنتظر، فلبست فستاني الزهري والقبعة البيضاء المزينة بالورود الصغيرة وذهبت إلى منزل أمين وطلبت منه أن يرافقني إلى الحفل. 

في البداية، رفض وحاول أن يعتذر عن المشاركة، ولكنه وبعد الحاح مستمر مني وافق ورافقني إلى القاعة المدرسية.

وحوالي الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم السبت، غصّت القاعة بالحضور ووصل مدير عام التربية ترافقه مديرة المدرسة وأفراد الهيئة التعليمية والأهل والأصدقاء.

وبعد النشيد الوطني، وكلمة الافتتاح التي ألقتها المديرة، جاء وقت اعلان نتائج مسابقة الرسم. فتقدم المدير العام وأخذ المغلف الذي يضم اسم الفائز، وما هي إلاّ لحظات حتى أعلن عن اسم الرابح..إنه أمين، صديقي العزيز، اللطيف والحنون.

فتفاجأ الجميع داخل القاعة، فوقفت ورفعت يد أمين ومشيت معه إلى أعلى المنصة وهو مستغرب ومتعجب!! فاقتربت المديرة منه وقالت له: أمين، أنت الفائز بكل فخر واعتزاز..افرح وكن فرحاً دوماً لأنك أنت الفائز بهذه المسابقة وكلنا فزنا معك..فبدأت الدموع تتساقط وأمين يبكي فرحاً وأملاً بالحياة الجديدة. ثم جاء مدير عام الوزارة وسلمه كأساً قائلاً: أنت أمل الجيل الصاعد.

عندها، اقترب أمين من الميكروفون وقال: أنا هنا بفضل منال..أنا هنا بفضلكم..أشكر الله على نعمته وأشكركم لأنكم جعلتموني واحداً منكم. فأنا مثلكم..أنا مثلكم..ولست غريباً عنكم..شكراً لكم!! 

وتعانقنا معاً كإخوة.

وهكذا، يتكامل الناس في ما بينهم بالعلاقات الانسانية المشتركة ويترابطون جميعهم بالأخوة البشرية. وبقدر ما يتعمق الواحد منهم في التعرف إلى الآخر، رغم اختلافه عنهم، يتقارب ويتواصل بصدق ومحبة واحترام.

فعلينا أن نبتعد عن وصف الأشخاص وصفاً للشكل الخارجي فقط، بل الاعتماد على المعيار الأخلاقي والروحي. فلنكن كلنا متعاونين مع الكل من أجل العيش بمحبة واحترام.

فكلنا أخوة...في الانسانية..



 رئيس المركز الدولي للملكية الفكرية والدراسات الحقوقية - فِكر

 رئيس مؤسسة المطران ميخائيل الجَميل للحوار والثقافة



أخبار ذات صلة

الراعي: نأسف لجعل الدين وسيلة للنزاع بالأسلحة..
ألمانيا: علاقاتنا مع أميركا معقدة..
اصابة عسكريين نتيجة أحداث الأمس.. الجيش: البلاد اجتازت قطوعًا كاد [...]