بيروت - لبنان 2020/08/06 م الموافق 1441/12/16 هـ

أهمية الحوار في حياتنا

حجم الخط

 من المسلّم به ان الإنسان ليس وحيداً في هذا الكون ولا في المجتمع، ولا في الأسرة، فهو كائن اجتماعي بامتياز. فهو بحاجة دائما للاتصال بالآخرين والتواصل باستمرار ليعيش. اعتمد الإنسان في البدء على الإيماء والإشارات للتخاطب ثم كانت أولى الصيحات والكلمات ذات الإيقاع الصوتي والمقاطع الصوتية ثم برزت الحاجة الماسّة للكتابة كأداة للتفكير والتواصل مع الآخرين. إلا ان الآخرين ليسوا جميعاً متماثلين كحبات البندق ذوو أحجام واحدة ولون واحد. بل تجدهم متمايزين ومختلفين، متنوّعين تبعاً لتركيب كل فردٍ فيهم جسديا وعقليا. وتؤثر التربية والنشأة منذ الطفولة تأثيرا بالغاً في أنماط الأفراد ليزداد هذا التأثير بفعل العلاقات البيئية أو الأسروية وصولاً إلى المجتمع كخلية كبرى تعمل وتنشط وتتواصل داخلها العديد من الخلايا الأقل حجما وهي شديدة التنوّع والتمايز والتباين بل التناقض أيضاً. إننا بحاجة على الدوام للتخاطب بُغية إيصال الأفكار وتلقّيها، فحتّى الحقائق المادية التي نعتبرها حقائق مقرّرة سلفاً قد تكون عُرضة للتأويل والتناقض أي بالضبط كما كان يقول «ديموقريطس» عن المياه المتدفّقة في النهر «فالناظر الى مياه النهر يظنها واحدة، لكنها ليست واحدة فهي متغيّرة في كل لحظة وعلى الدوام...» أي ان التبدّل والتغيّر والاختلاف كامن في طبيعة الأشياء المادية الملموسة. فإذا كانت الحال كذلك في الطبيعة المادية التي نعيش فيها فكيف بالأحرى تكون الحال في الأفكار والقيم والعلاقات البشرية والإجتماعية؟ فما تراه أنت صواباً ليس بالضرورة هو الصواب. وما تعتقده جازماً انه حقيقة لا تحتمل النقاش قد لا يكون حقيقة محسوم أمرها، بل عليك أن تعلم أن موقع الحقيقة يحتمل النقاش. فعالم الأفكار هو عالم لا متناهي، والحقيقة المُثلى لم تكن دائماً في أقصى الخط المستقيم بل عليك البحث عنها في الوسط أو في موضعٍ ما قرب الوسط. إذن علينا البحث معاً عن المكان أو الموضع الوسط حيث الحقيقة وبالتالي علينا الحوار والاقلاع عن احتكار الحقيقة والتفرّد بها. فلو قَبِل وسلّم «غاليلو» بالحقيقة المقررة سلفاً إن الأرض ثابتة جامدة لا تدور لما اكتشف «كولمبس» أميركا وأن الأرض كروية وتدور من الغرب إلى الشرق. يومها رفضت المحكمة الظلامية آراء «غاليلو» وعطّلت الحوار معه فقَبِلَ المسكين وهو العالم العظيم بقرار المحكمة الجائر وجلس صاغراً لكنه ظلّ يتمتم «ولكنها - أي الأرض - تدور!» إن التزمّت والاستئثار والتفرّد بالرأي يقود إلى الانحراف والخراب بينما الانفتاح والتواضع وقبول الرأي الآخر هو الذي بمقدوره وحده أن يوصلنا إلى أرقى الحقائق والطمأنينة والاستقرار. فلو أخذ المجتمع العربي بهذه المقولة لتجنّبنا المثير من النزاعات الداخلية والحروب الأهلية الدموية. إن ويلات الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا لم تنجُ سويسرا نفسها من شرورها و أحوالها، ليس هذا فحسب بل أدّى الانقسام اللغوي القومي بين الناطقين بالفرنسية والألمانية والايطالية إلى المزيد من الصراعات والتنازع. إلا ان الحوار الذي قام هناك بين البروتستانت والكاثوليك ثم بين القوميات الثلاث جعل من سويسرا أرقى بلدان العالم وأكثرها رخاء واستقراراً. فهل نستلهم النموذج السويسري ليطلع عبر الحوار على العراق ولبنان فجر جديد؟ تلك هي المسألة! فالعقل المنفتح والإنسان المتسامح توأمان لا ينفصلان. ولنتذكر عنا قول «قولنير» المأثور «قد لا أوافقك على ما تقول، لكني قد أضحّي بنفسي للدفاع عن حقك في قول ما تريد!».

 


باحثة اجتماعية


أخبار ذات صلة

المفتي دريان والعلماء في مسجد الأمين خلال الجولة في بيروت
المفتي دريان قطع زيارته إلى الخارج: نطالب بتحقيق دولي شامل [...]
بيروت لن تموت... بيروت ستبقى أم الشرائع
بيروشيما والفساد اللبناني