بيروت - لبنان 2018/10/16 م الموافق 1440/02/06 هـ

أيّ مستقبل للّغات في ظلّ العولمة؟

كتاب عن مؤسّسة الفكر العربي يطرحُ وظائف اللّغات ومصائرها

حجم الخط

مصير اللغات ومستقبلها وإمكانية حمايتها في ظلّ العولمة وهيمنة بعض اللغات ومركزيتها، هو محور الكتاب الصادر حديثاً عن مؤسّسة الفكر العربي تحت عنوان «أيّ مستقبل للّغات، الآثار اللغوية للعولمة»، وهو من تأليف الباحث اللغوي الفرنسي لويس- جان كالفي، وترجمة الدكتور جان جبور.
يسعى مؤلّف الكتاب إلى بلورة ما أسماه «علم السياسة اللغوية»، الذي يساعدنا في الإجابة على الأسئلة المعقّدة التي تطرحها العولمة في جانبها اللغوي. فالسياسات اللغوية برأيه، تشكّل «تدخّلات» تطال اللغة، أو العلاقات بين اللغات، لكنها ليست العامل الوحيد المؤثّر. إذ يمكن لدولة ما أن تتدخّل في نقاش حول قواعد الكتابة، وأن تقرّ قانوناً يحمي اللغة، وأن تحدّد الوضع القانوني للغاتٍ مناطقية. لكنّ هناك أنواعاً أخرى من الإجراءات لا ترتبط بالدولة، يقوم بها أفراد أو مجموعات، كالمشروع الذي قادته في منتصف القرن السادس عشر مجموعة من الشعراء الفرنسيين انضووا تحت لواء ما عُرف بـ ِ»البلياد» (الثريا)، أو العمل الذي قام به الكاتب أحمدو كوروما حول اللغة، والذي يقدّم لنا في رواياته صيغة استحواذية أفريقية للغة الفرنسية. إلّا أنه في السياسة اللغوية، يجهل صُنّاع القرار في أغلب الأحيان ماذا يفعلون، أو أقلّه لا يدركون الترابط الإيديولوجي العام لاختياراتهم التجريبية. وهذه النقطة هي ذات أهمّية قصوى بالنسبة لعلم السياسة اللغوية، الذي يتولّى الكشف بالتحديد عن خلفية السياسة اللغوية، والذي يمكنه بالطبع، حين يتوجّه إلى صنّاع القرار، أن يُسدي إليهم النصح.
يؤكّد كالفي أن القول بأن جميع اللغات متساوية هو أمر لا جدال فيه، كما أنه أمر أجوف على حدّ سواء. فجميع اللغات متساوية بنظر اللغويين، بما في ذلك بطبيعة الحال اللغات التي يسمّيها البعض «لهجات»، «كريولية»، «عامّية»، وما إلى ذلك؛ أي أنها جميعها لغات، وهي كلّها تستحق أن توصّف، مهما كان وضعها، وانتشارها وصيتها. لكن، وبعيداً عن هذا المنحى المثالي، يبيّن تحليل الحالات اللغوية في العالم أن اللغات غير متساوية إلى حدّ كبير. فهي في البداية غير متساوية من الناحية الإحصائية، إذ أن بعضها يُستخدم في الكلام من قبل أناس كثيرين جداً، فيما قلّة من الناس تتكلّم لغات أخرى. وهي غير متساوية من الناحية الاجتماعية، إذ يقتصر استخدام بعضها على وظائف محصورة، أو هي غير مكتوبة أو غير مستخدَمة في التعليم، فيما لغات أخرى هي لغات مهيمِنة، وتؤدّي وظائف رسمية، وأدبية، وثقافية، ودولية، أو تواصلية. وهي في النهاية غير متساوية من ناحية التمثّلات التي تختزنها. 
ويرى كالفي أن بعض اللغات تُعتبر مرموقة، وغيرها لا، بعضها يطالب المتكلّمون بها أن تُعتبر لغات هُويّة، فيما يتخلّى متكلّمون آخرون عن لغاتهم ولا يعملون على نقلها إلى أولادهم ويفضّلون لهم اكتساب لغة أخرى. والعولمة التي تزيد من أعداد شبكات التواصل، تُعمّق التفاوت بين اللغات، وتعزّز وضع اللغة المفرطة في مركزيتها، الانكليزية، على حساب اللغات الطَرَفية. من هذه الناحية، إن البند الخامس من «الإعلان العالمي للحقوق اللغوية» الذي ينصّ من حيث المبدأ على أن لكلّ الجماعات اللغوية حقوقاً متساوية، بغض النظر عن الوضع القانوني أو السياسي للغتها، أكانت رسمية، إقليمية أو لغة أقلّيات، هو بند ودّي ربما، إلّا أنه غير واقعي تماماً. 
يؤكّد الكاتب أنّ عملية تقدّم أو تراجع اللغات كانت موجودة على الدوام، لكن العولمة حوّلت ظاهرة ظرفية إلى ظاهرة بنيوية. إنها تميل لخلق فجوة بين المركز والأطراف، فتتسبّب ببروز ردود فعل طوائفية، مما يشجّع على ظهور التعبيرات الهُوّية المتشدّدة. كلّ ذلك يرسم مستقبلاً لا تكون فيه، في مواجهة لغة العولمة، إلّا لغات إقليمية، هُوّية، بعد أن تكون اللغات الفائقة المركزية، كالفرنسية والإسبانية والبرتغالية والعربية، قد أُنهكت أو على الأقلّ وُضع حدٌّ لتوسّعها ولوظائفها. ليس «موت» اللغات إذاً هو الذي يميّز العولمة في جوانبها اللغوية، وإنما بالأحرى إعادة توزيعها الوظائفي، بحيث يتحوّل سوق اللغات ببطء إلى سوق زائف، لن يُفسَح لنا فيه قريباً أي مجال للاختيار: من جهة، نحن نكتسب لغة لا نختارها تُنقل إلينا عبر أهلنا، ومن جهة ثانية، ستُفرض علينا بطريقة أو بأخرى لغة العولمة، اللغة الانكليزية. 
في مواجهة الجانب اللغوي للعولمة، يمكن للسياسات اللغوية أن تتراوح ما بين برامج طموحة ومُكلفة (مثل مشاريع التحالف بين المجموعات اللغوية كالفرنكفونية والإسبانوفونية والعربوفونية...)، وعمليات محلّية ذات طابع نضالي. في الحالة الثانية، ليس المطلوب أن نضع اللغات الطَرفية على مستوى اللغات الفائقة المركزية، ونمنحها المكانة نفسها، لأن هكذا مشروع سيكون غير واقعي إلى حدّ بعيد. في المقابل، إذا تضافرت جهود الغالبية العظمى من المتحدّثين بلغة معيّنة من أجل الدفاع عنها، يمكن أن يأملوا في إعطائها فرصة للبقاء في «سوق اللغات». من هنا، فإنّ التحليل الموضوعي لكلّ حالة يجب أن يُظهر لنا ما هو الممكن، والمفيد، والمرغوب فيه، وما هو عديم الفائدة. فالاعتقاد مثلاً أنّ بإمكاننا استخدام كل لغات العالم لتعليم الأطفال هو أمل موهوم؛ كما أنّ إفهام المجتمعات اللغوية أنّ بإمكانها، إذا رغبت في ذلك، العمل بعكس مسار العمليات المرتبطة بالعولمة، يشكّل بحدّ ذاته أسلوباً أو طريقة لحثّها على تحمّل المسؤولية في التأثير على الحالات اللغوية وعلى تطوّرها.


أخبار ذات صلة

إلىطبيب العيون الدكتور جمال بليق المحترم
أطوار العمران في طرابلس بين الفن المعاصر والإرتباط التاريخي
معرض «بطرس فرحات» في البلمند