بيروت - لبنان 2021/01/18 م الموافق 1442/06/04 هـ

البُعد السياسيّ لولادة دولة لبنان الكبير

حجم الخط

د. مسعود ضاهر*

منذ ولادتها في الأوّل من أيلول (سبتمبر) من العام 1920، تمتّعت دولة لبنان الكبير تحت الانتداب الفرنسيّ بنصف سيادة، كما وصفها الدكتور أدمون ربّاط. كانت الدولةُ اللّبنانيّة تفتقر إلى صنْع القرار السياسيّ المُستقِلّ؛ فلم تكُن لديها سلطة سياسيّة ومؤسّسات مُستقلّة، أو جيش وطنيّ، أو وزارة خارجيّة، أو نقد وطنيّ، أو نشيد وطنيّ، أو عَلَم وطنيّ. فنَاضَلَ اللّبنانيّون لتحويلها إلى دولة مُستقلّة ذات سيادة كاملة بعد إجلاء الجيوش الأجنبيّة عن أراضيها؛ وذلك يتطلَّب تسليط الضوء على أبرز مَراحِل ذلك النضال.

شهدت سنوات 1920 - 1925 حُكماً فرنسيّاً مُباشراً على لبنان وسوريا. وبعد أكثر من مائتَيْ انتفاضة في مَناطق الانتداب الفرنسي خلال سنوات 1921 - 1924 انفجرت الثورة السوريّة الكبرى في العام 1925 ضدّ تعسُّف المُفوَّض السامي الجنرال ساراي. كانت إدارة الانتداب تتجاهل بنود صكّ الانتداب التي تُجبِر الدولة المُنتدَبة على تدريب اللّبنانيّين لإدارة شؤونهم بأنفسهم. فغَلبت المَصالِح الفرنسيّة على حِساب الوطنيّين، واستَخدمَت المُوظّفين الأجانب بكثافة؛ ما أثار احتجاجَ اللّبنانيّين الذين رفضوا أن يُعاملوا كشعوب المُستعمرات الفرنسيّة؛ عِلماً أنّ صكّ الانتداب يُلزِم فرنسا تقديم تَقاريرَ سنويّة تُظهِر مُساعدتها اللّبنانيّين. وَعَدَ الجنرال غورو في خطاب إعلان دولة لبنان الكبير ببناء دولة عصريّة، فعملت الإدارة الفرنسيّة على تحقيق الركائز الثلاث للدولة اللّبنانيّة العصريّة:

أ- ترسيم الحدود بين الانتدابَين الفرنسي والبريطاني وتثبيتها بموجب اتّفاقيّة بوليه - نيوكامب لعام 1923 التي سُمّيت باتّفاقيّة «حسن الجوار»، وتمّ تسجيلها في عصبة الأُمم عام 1924.

ب- تحديد مَن هُم المُستحقّون للجنسيّة اللّبنانيّة بموجب إحصاء 1932 مع عبارة: «لبناني منذ أكثر من عشر سنوات». وقد بلغ عدد المسيحيّين 396946 مُقابل 386469 للمُسلمين.

ج- بناء النظام السياسي في لبنان على أُسس طائفيّة على غِرار نِظام المُتصرفيّة.

المرحلة الدستوريّة تُبلْوِر خصوصيّة دولة لبنان الكبير

اضطرّت فرنسا إلى إبدال الحُكم العسكري في سوريا ولبنان بحُكم دستوري، وأَرسلت عضو مجلس الشيوخ الفرنسي هنري دو جوفنيل لإطلاق المرحلة الدستوريّة. وبعدما رفعَ شعاره الشهير: «الحرب على مَن يُريد الحرب والسِّلم مع مَن يُريد السِّلم»، تراجَعت حدّة الاشتباكات العسكريّة، وأُعلن الدستور والجمهوريّة في لبنان عام 1926. والنظام السياسي الجديد مُستوحىً من النظام الطائفي لمُتصرفيّة جبل لبنان؛ إذ نصَّ الدستور اللّبناني على إقامة نِظام برلماني مُنتخَب على أساسٍ طائفي.

مع إعلان الدستور والجمهوريّة تبلْورت هويّة لبنان كدولة خارج الدويلات السوريّة. وبَدأت مَسيرة الاعتراف بخصوصيّة دولة لبنان الكبير، ودُستورها المُقتبَس عن دستور الجمهوريّة الثالثة في فرنسا، ومن دستور سويسرا، وبعض الإضافات اللّبنانيّة. فترسَّخت ركائز التمثيل الطائفي في غالبيّة المؤسّسات التشريعيّة والتنفيذيّة والإداريّة في دولة لبنان الكبير. وبُني نِظامها الاقتصادي على رأسماليّة ريعيّة غير مُنتِجة، تسعى إلى الربح السريع والتصدير وإعادة التصدير وتشجيع قطاعات الخدمات الصحيّة والتربويّة والثقافيّة والسياحيّة والاستفادة من أموال المُغتربين.

تمسَّكَ دُعاة لبنان الكبير بتطبيق بنود الدستور اللّبناني الذي يمنع تحويل لبنان إلى مُستعمرة فرنسيّة أو مُلحقاً بالدولة السوريّة الموحَّدة. وأشادوا بدَور فرنسا في ترسيم حدود لبنان الكبير وتثبيتها في وثائق عصبة الأُمم. وقدّروا عالياً مَوقف فرنسا الصلْب تجاه أطماع الحركة الصهيونيّة المدعومة من الانتداب البريطاني والولايات المُتّحدة الأميركيّة، والتي كانت تصرّ بإلحاح شديد لجعْل مجرى نهر اللّيطاني حدّاً فاصلِاً بين الانتدابَين الفرنسي والبريطاني.

نضال اللّبنانيّين لنَيْل الاستقلال السياسيّ

لم يكُن النّظام السياسي في كلٍّ من لبنان وسوريا مُتجانِساً، بل كانا مُتناقضَين. لكنّ قادَة البلدَيْن تجاوَزوا بحكمة القضايا الخلافيّة البنيويّة وبَذلوا جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقات بينهما على مُختلف الصُّعد. وأثار ترشيح الشيخ محمّد الجسر لرئاسة الجمهوريّة اللّبنانيّة بعد نهاية عهد الرئيس شارل دبّاس عام 1932 مَوجةَ احتجاجٍ عارِمة في لبنان بسبب تعليق الدستور بقرارٍ من المُفوَّض السامي «بونسو» لمنْع انتخاب الجسر لرئاسة الجمهوريّة. فردّ قادةُ المُعارَضة اللّبنانيّة بتأليف الكتلة الدستوريّة المُعادية للانتداب في مُواجَهة الكتلة الوطنيّة المُناصِرة له.

لَعبِتْ الكتلتان دَوراً بارِزاً في تاريخ لبنان المُعاصِر، وتحوَّل الصراع لنَيْل الاستقلال التامّ إلى صراعٍ سياسيّ بامتياز، ولا أثر فيه للنزاعات الطائفيّة. وخاضَ التحالُف اللّبناني - السوري أربع مَعارِك ناجحة ضدّ إدارة الانتداب.

الأولى - مَعرَكة الدّفاع عن عُمّال التبغ ضدّ شركة احتكار التبغ أو الريجي الفرنسيّة، بسبب مُمارساتها القمعيّة ضدّ مُزارِعي التبغ. كانت الشركة تحظى بدعمٍ قويّ من المُفوَّض السامي دومارتل الذي لُقّب بحامي احتكار التبغ في لبنان. فانبرى البطريرك الماروني أنطون عريضة للدفاع بقوّة عن لقمة عيش عُمّال التبغ الذين كانت غالبيّتهم من الفلّاحين المَوارنة. وعندما تجاهلَ المُفوَّض السامي رسائله إلى المُفوضيّة العليا، أصدر كِتاباً وثائقيّاً بالفرنسيّة تحت عنوان «لبنان وفرنسا» عام 1936؛ فعقّب دو مارتل على مَواقِف البطريرك المُعادية لللانتداب برسالة إلى الخارجيّة الفرنسيّة وصفَ في نهايتها صداقة المَوارنة لفرنسا بأنّها باتت «مُزعِجة». ما دفعَ البطريرك عريضه إلى توثيق العلاقات بين اللّبنانيّين والسوريّين ضدّ إدارة الانتداب، وخَوْض مَعركة مُشترَكة لنَيْل الاستقلال التامّ كدولتَيْن مُستقلّتَيْن.

الثانية - معركة إبدال الانتداب بمُعاهَدة صداقة وتعاوُن بين فرنسا ولبنان؛ بحيث إنّه في خلال سنوات 1936 - 1938، رحَّب اللّبنانيّون والسوريّون معاً باقتراح الجبهة الشعبيّة في فرنسا بإبدال الانتداب بمُعاهدتَيْ صداقة وتعاوُن بين فرنسا وكلٍّ من لبنان وسوريا. فعملت الحكومتان اللّبنانيّة والسوريّة على تحقيق هذا التوجُّه، وحظيت الوثيقتان بتوقيع كلٍّ من البرلمان السوري والبرلمان اللّبناني على المُعاهَدة الخاصّة به، على أن تُوقِّع فرنسا على المُعاهدتَين. إلًا أنّ الحكومة الفرنسيّة التي أَعقبت حكومة الجبهة الشعبيّة رفضت التوقيع عليهما، فردّ السوريّون واللّبنانيّون بفتْح مَعركة الاستقلال التامّ.

الثالثة - معركة الاستقلال التامّ لتحقيق رغبات الشعبَيْن اللّبناني والسوري؛ حيث أكّد الجنرال غورو في خطاب إعلان دولة لبنان الكبير أنّ فرنسا ستُلبّي مَطالِب اللّبنانيّين في الحريّة والاستقلال، وأنّها جاءت لمُساعدة اللّبنانيّين لفترة محدودة إلى حين إظهار قدرتهم على إدارة شؤونهم بأنفسهم. لكنّ جنرالات الانتداب مارسوا سياسة استعماريّة تعسّفيّة وَصَفَها البطريرك الحويّك في أواخر أيّامه بقوله: «فرنسا كالشمس، تُنير من بعيد وتَحرق من قريب». فردَّ اللّبنانيّون والسوريّون بخَوض مَعركة الاستقلال التامّ وإنهاء حُكم الانتداب عام 1943.

الرّابعة - المَعركة المُشترَكة في مجلس الأمن لإجلاء الجيوش الأجنبيّة عن سوريا ولبنان؛ حيث شهدت النقاشات الحامية في مجلس الأمن عام 1946 تعاوُناً وثيقاً بين اللّبنانيّين والسوريّين، بمُساندةٍ عربيّة ودوليّة؛ وتكلَّلت بالنجاح التامّ وإجلاء الجيوش الأجنبيّة عن البلدَيْن.

إشكاليّة الحفاظ على الخصوصيّة اللّبنانيّة

تمسّك اللّبنانيّون بنِظامهم الطائفي ورفضوا الوحدة الاندماجيّة مع الدولة السوريّة الموحّدة. وطالبوا الفرنسيّين والسوريّين معاً باحترام خصوصيّة لبنان كهويّة مُستقلّة تتلاءم مع التكوين السياسي والحقوقي لتاريخ لبنان. وفي هذا السياق نشرَ كاظم الصلح مقالة مهمّة عام 1937 بعنوان: «مشكلة الانفصال والاتّصال في لبنان»، والتي يُمكن تلخيصها بالدعوة إلى التعاوُن الاقتصادي التامّ بين سوريا ولبنان من دون النَّظر إلى اختلاف النظام السياسي السائد في كلا البلدَيْن. 

بيد أنّ الدستور اللّبناني مَنَحَ صلاحيّات مُطلَقة للمُفوَّض السامي الفرنسي بموجب موادّ دستوريّة. واعتمدَ الفرنسيّون أسلوب التجربة والخطأ. فجَعلوا مدّة رئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة ثلاث سنوات قابِلة للتجديد، ثمّ جعلوها ستّ سنوات غير قابلة للتمديد. وحدَّدوا أواليّات عمل مجلس النوّاب بعد ضمّ مجلس الشيوخ إليه. ولم يُخصِّص الدستور اللّبناني أيّاً من الوظائف العليا في لبنان الكبير لطائفة مُحدَّدة. وحَصَرَ التمثيل الطائفي بالمادّة 95 فقط بدافع الحرص على مُشارَكة مُمثِّلي جميع الطوائف في إدارة شؤون الإدارات اللّبنانيّة.

هكذا بنى الفرنسيّون دولةً لبنانيّة حديثة، لكنّها منقوصة السيادة، فجَعَلَها اللّبنانيّون بنضالهم دولةً مُستقلَّة وذات سيادة تامّة على أراضيها. وهذا ما تُثبته مَواقِف اللّبنانيّين من فرنسا ما بين الترحيب بها عند إعلان دولة لبنان الكبير، والنضال ضدّها لنَيل الاستقلال التامّ وخروج الجيوش الفرنسيّة من لبنان من دون توقيع أيّ اتّفاقيّة تُعطي امتيازاتٍ للفرنسيّين فيه.

ختاماً، لعلّ أبرز النتائج النضاليّة التي بلْوَرت الهويّة اللّبنانيّة المُستقلَّة إبّان مرحلة الانتداب وحتّى الجلاء، كانت تتمحْور حول القضايا الوطنيّة التالية: التمسُّك الثابت بحدود دولة لبنان الكبير وعدم التنازُل عن أيّ شبرٍ من أراضيها، والنّضال المَطلبي السِّلمي لتثبيت خصوصيّة الهويّة اللّبنانيّة، ودعْم النضال السياسي في لبنان على أُسسٍ وطنيّة عبر أحزاب ومُنظّمات غير طائفيّة تُشكِّل أنموذجاً يُحتذى لتنمية مُنظّمات المُجتمع المدني في لبنان، وتعزيز دَور النقابات والمُنظّمات الثقافيّة والعُمّاليّة والشبابيّة والنسائيّة العصريّة، والتعاوُن الكامل بين دولة لبنان الكبير والدولة السوريّة الموحّدة في المجال الاقتصادي. لكنّ النظام السياسي الطائفي في لبنان لم يَعتمد الكفاءة الشخصيّة في تولّي المَناصب الرسميّة، وتجنَّب الإحصاء السكّاني الرسمي الذي يُبرِز حجْم كلّ طائفة خَوفاً من أن يُستخدَم لتصحيح الخَلَل الفاضِح في تمثيل الطوائف في المَراكِز العليا والمؤسّسات العامّة، والإدارات الرسميّة في الدولة اللّبنانيّة. فالنّظام الطائفي بطبيعته مُولِّد للأزمات غير القابِلة للحلّ العقلاني، وبات اليوم يُهدِّد بقاء لبنان الوطن ووحدة أرضه وشعبه ومؤسّساته. 

-------------

* مؤرّخ وكاتب من لبنان

(بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي) ونشرة (أفق)


أخبار ذات صلة

تونس.. حملة اعتقالات تطال 600 شخص أغلبهم «قُصّر وأصحاب سوابق»
الثلوج تلامس الـ1100 متر غدا.. متى ينحسر المنخفض الجوي؟
العراق قلقٌ من التوتر الأميركيّ الإيرانيّ.. ويتطلّع للعمل مع إدارة [...]