بيروت - لبنان 2019/06/17 م الموافق 1440/10/13 هـ

الحرية محور وينبوع التمرّد في فلسفة كامو

ألبير كامو
حجم الخط

كامو: الحرية هي ينبوع التمرّد.

- لا نبالغ إذا قلنا بأن «الفعل الوجودي» في فلسفة ألبير كامو يتجسّد في «موقف» أساسي وهو الثورة: الثورة على «اللامعقول»، والثورة في سبيل «الحرية» والكرامة.

فما هي فحوى «اللامعقول»، وكيف تكون الثورة عليه؟

يُجسّد كامو «اللامعقول» بما ترمز إليه أسطورة «سيزيف». فواقع الإنسان في الحياة شبيه بحال «سيزيفوس» الذي استهان بحق الآلهة وتحدّى إرادتهم فحكمت عليه بعقاب أبدي رهيب في العالم السفلي وقضت عليه بأن يرفع صخرة إلى أعلى الجبل، وكلّما سقطت كان عليه أن يستمر في دفعها ليرفعها ثانية، وهكذا... إلى ما لا نهاية له. وفي هذا النوع من القضاء طاقة تهدر بلا جدوى، كما يهدر الإنسان في هذا الوجود طاقته حتى يصنع الموت نهاية لحياته، فـ «كل ما في الوجود إذن عبث». وقد أشار كامو في مقدّمة أسطورة سيزيف إلى أنه لا يُقرّر في هذا الكتاب فلسفة للعبث، بل يحاول أن يصف طبيعة الإحساس به.

ويرى كامو أن أفضل السبل لمواجهة عبثيّة الوجود، و«اللامعقول»، الإقرار بهذا الواقع بعدم الفرار منه كما فعل أكثر الوجوديين، والتعميم على مواجهة والوقوف عند اللامعقول دون السعي وراء سراب خدّاع، إذ لا سبيل للوصول إلى «المعقولية» وهذا الموقف يُشكّل في فلسفة كامو «ثورة» مزدوجة، لأنها تمرّد على العدم من ناحية وتحدّي للوجود من ناحية ثانية بحيث ننتصر على عبث الحياة بالتقبّل الإرادي للموت، ولا نستعجل الموت بالإنتحار.

وفي هذه الثورة على الحياة والموت معاً يُجسّد كامو الحرية كما يفهمها فهو يرفض مفهوم الحرية السائد، التي يسعى إليها العبيد، لأنه لا يريد حرية تعطى له من عل، أي من كائن أسمى «الحرية الوحيدة التي يعرضها هي حرية العقل والفعل» ولكن كيف نحقق مثل هذه الحرية، وكيف السبيل إليها؟ هنا يقول كامو بأن «اللامعقول» يحول دون الحرية الأبدية، لكنه لا يحول دون حرية العمل في نطاق الحياة، فالثورة توجب أن نصل بوعينا إلى أقصى مراتبه فشعورنا بالحياة والثورة والحرية بأكبر درجة من الإمكان «يحقق الحياة على أكبر نحو ممكن».

وفي كتاب الإنسان الثائر أو المتمرّد يتناول كامو تاريخ الثورة بكل صورها وابعادها، ما وائياً ووجودياً وأدبياً، جاعلاً منها عنوان الحياة الأبرز، فإذا كان نيتشه يعتبر الحياة هي القوّة، ويراها شوبنهور في الإرادة فكامو يعتبر الحياة في التمرّد من أجل «قيمة» أيّ بإسم شيء ثابت يجب المحافظة عليه، وبدونه لا يكون للثورة معنى على الإطلاق. وهذا يُؤكّد وجود طبيعة إنسانية تعترف بلا معقولية الوجود، وتتمرّد على كل ثورة «لأن التناقض حسب رأيه، كامن في طبيعة كل مذهب. وإذا سألنا صاحب كتاب «الإنسان الثائر» ما قيمة ثورة هي كغيرها من الثورات يجيب «الثورة عصب الوجود... - وهي - حركة الحياة نفسها، ولا يُمكن... إنكارها دون أن ينكر الحياة، ونداؤها الأصفى يولد وجوداً... الثورة مشاركة في الكفاح لتحقيق مصير مشترك».

تلك هي القسمات الكبرى في وجوديّة كامو، وهي وجوديّة واعية ومسؤولة وطموحها يقيّدها بمبدأ النضال لتقبّل لا معقولية الوجود بحرية الفعل وشرف العمل، ومقاومة الشر، فالإنسان إذا كان عاجزاً عن إزالة الشر في هذا العالم، فإنه قادر بتحدّيه وإرادته على أن يبلسم الجراح ويُخفّف من وطأة الألم، وجملة القول إن فلسفة الوجود عند كامو تنطلق من حدود التشاؤم الناتج عن فكرة العبث وحقيقة اللامعقول ولكنها تنتهي إلى نوع من التفاؤل الذي يُمكن أن يُخفّف من قسوة الشر المستحكم بإثارة الضمير الأخلاقي والدفاع عن آمال الإنسان وسط عباب المخاوف المحدقة به.


د. عمر الطباع


أخبار ذات صلة

قائد القطاع الغربي لليونيفيل جال في البازورية وصفد البطيخ
داود عرض وسفير لبنان في الأرجنتين الشأن الثقافي
طهران: سنرحب بأي تغيير في السياسة السعودية.. لبناء الثقة