بيروت - لبنان 2020/04/06 م الموافق 1441/08/12 هـ

الرحيل المرّ في زمن الكورونا

د. سلوى الخليل الأمين
حجم الخط

هو الموت يفاجئنا كما فيروس الكورونا.. فكم تمنيت في إبان هذه الحرب الجرثومية أن لا أفاجئ بموت عزيز، لكن الموت غدرني، حين تلقّيت نبأ رحيل الأديب العلّامة في محراب الأدب واللغة والتاريخ والحضارة الدكتور عمر فاروق الطباع، عضو الهيئة الإدارية في ديوان أهل القلم.

حين التقيته زائرا مع أحد الأصدقاء، في مكتبي في وزارة السياحة، تملكتني الدهشة من تواضع هذا الرجل الذي قرأت بعضا من مؤلفاته، وسمعت عنه الكثير، وكنت لا أدري كيف لمثلي أن تلتقي تلك القامة الأدبية التي لها المقام الأول في دنيا الفكر والمعرفة في لبنان، وهو المرجع اللغوي المتمكّن لكل كاتب وأديب.

أحسست يومها أني أمام أستاذ عظيم، شرّفني حضوره ولقاءه، وقلت أتت الفرصة الذهبية، وأنا المتحرّكة صُعدا في ميدان الثقافة والأدب، كي أحظى بالتعرّف عليه عن قُرب ويحظى ديوان أهل القلم بشخصية معرفية مثله، وكان طلبي الخجول منه التكرّم بقبول مرتبة الشرف في ديوان أهل القلم، ولم يرفض بل جابهني بالقول: يشرّفني، وهنا لا بد من القول: يا لعظمة الكبير وتواضعه.

ومشينا المسيرة سويّة حيث كنت أطلعه على كل شاردة وواردة، طالبة النصح، حيث لم يبخل يوما عليّ بها، حتى حين كانت تعصينا بعض المسائل اللغوية كنا نحتكم إليه، ويكون رأيه هو الثابت الذي لا يناقش، وكنت حين كنت أتلقى بعض النقد، ممن نذروا أنفسهم للحرتقات بحجة ضلوعهم بأسرار اللغة العربية، أجابه الجميع بالقول: هذا رأي علّامة اللغة وفقيهها الدكتور عمر الطباع وهو لا يخطئ، ثم أنبري لأسرّ إليه بما يقولونه، فيجيبني بأدبه الجمّ: اللغة العربية حمّالة أوجه.. والكاتب وحده يعرف بناء جملته وتراكيبها وأهدافها.

الدكتور عمر الطباع رحل في زمن الكورونا الصعب، حيث لم نتمكن من إقامة احتفال جنائزي له يليق بعلّامة معرفة وأدب مثله، أنجبته بيروت أم الشرائع، فكان قامة أدبية وطنية لا مثيل لها في عصرنا الحديث، حين علماء الصرف والنحو واللغة السليمة قلائل.

ترك الدكتور عمر الطباع للمكتبة العربية مؤلفات لا تُعد ولا تحصى، إلى جانب بصمات رؤيوية في تبيسط لغة الضاد التي تعجّ بالمفردات والتعابير، وهي ما زالت لتاريخه ترنّ في أذهان طلابه في ثانوية رمل الظريف والطريق الجديدة الرسميتين ومدرسة الأنترناشيونال كولدج (IC) الأميركية والجامعة اللبنانية، ومعظمهم نال من المراتب العليا علميا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا وإعلاميا، ما ناله.

لكن سيبقى الأستاذ الجليل الدكتور عمر الطباع، رغم الرحيل، المرجع الحيّ لكل دارس وباحث ومتابع لمراحل العصور الأدبية العربية ومندرجاتها، خصوصا أنه تارك خلفه هذا النتاج الثرّ من المؤلفات القيّمة في عالم الأدب واللغة والتاريخ، إضافة لما أضافه إلى ذاكرة بيروت الثقافية والأدبية وحضارة لبنان الفكرية مما هو قيم ومفيد.

هو الراحل الكبير الدكتور عمر الطباع وكفى، خسرناه كمربٍّ ومرشد ومعلّم وفقيه لغوي، لهذا لن أرثيه بكلمات تقف عند باب ثراه عاجزة عن التعبير، بل سأختم بالقول:

رحماك ربي، تختار الأنقياء لجوارك، لأنك عالم بما في الصدور، ولأنك لا تريد لأشرار هذا العالم الإقتراب من جنتك، فأهنأ أيها الراحل الكبير الدكتور عمر الطباع.. بجوار رب غفور عزيز ورحيم.


أخبار ذات صلة

التحقق من الأمن الغذائي في زمن فيروس "كورونا" المستجد
الحكومات الثلاث في سوريا في مواجهة فيروس "كورونا"
مستشفى الهمشري: فحص الكورونا بات متاحا