بيروت - لبنان 2020/12/03 م الموافق 1442/04/17 هـ

السيِّد جَمَال الدِّين الأفغَانيِّ قراءة في الفكر السياسي الإسلامي(1)

جمال الدين الأفغاني
حجم الخط

لعل من أبرز وأهم ما يمتاز به فكر السيِّد جمال الدِّين «الأفغاني»، عند كثير من كبار الباحثين في أمور الحياة الإسلامية والعربية المعاصرة، قدرته الفذة على النظر إلى الموضوع الدِّيني لا باعتباره مجرَّد مظهرٍ لانتظام العلاقة بين العبد وربه وحسب؛ بل باعتباره، إضافة إلى هذا، مظهرا لوجود حضاري يسعى الإنسان من خلاله إلى تحقيق وجوده. (:114Hourani) ولذا، يمكن القول إن السيِّد جمال الدِّين استطاع أن يُدْخِلَ الفكر الإسلاميَّ المعاصر في القرن التاسع عشر إلى مساحات من التفاعل مع الحياة كاد أن يكون، في ذلك الوقت، تائها عنها. 

تعرَّض الفكر الإسلامي، عامة، وفي تلك المرحلة من تاريخه المعاصر، إلى تشوُّهَاتٍ كثيرة؛ منها ما استند إلى اجتهادات مدَّعين للعلم، والعلم الموضوعي بعيد عنهم؛ ومنها ما كان بناء على تصرفات مبتدعين لأساليب نظرٍ في الدِّين، والدِّين الحقيقي لا علاقة له بها. وكان لأفكار السيِّد جمال الدِّين، والمبادئ التي نادى بها، أن تعيد كثيرا من مسلمي تلك المرحلة وعربها إلى رحاب الفهم الحقيقي للإسلام؛ ذلك الفهم الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية السمحة، والذي رأى في الإسلام ضرورة لا بد من وجودها لتحقيق الحضارة الإنسانية جمعاء. ولعل من أبرز ما يشهد لهذا، عند السيِّد جمال الدِّين، ما جاء في مقالة له نُشِرَتْ في «العروة الوثقى» حول موضوع «الجنسية والديانة الإسلامية».

رأى السيِّد جمال الدِّين «إن الدِّين الإسلامي لم تكن أصوله قاصرة على دعوة الخلق إلى الحق، وملاحظة أحوال النفوس من وجهة كونها روحانية مطلوبة من هذا العالم الأدنى إلى عالم أعلى؛ بل إنها، كما كانت كافلة لهذا، جاءت وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد، وبيان الحقوق كُلِّيِّهَا وجُزْئيها، وتحديد السلطة الوازعة التي تقوم بتنفيذ المشروعات وإقامة الحدود وتعيين شروطها» (الأفغاني:2: 35).

آمن السيِّد جمال الدِّين بدور للقوة في الحياة الاجتماعية للإنسان؛ بل رأى في القوة أداة فعّالة لصيانة الأمة وحفظ وجودها من احتمالات تعدّي الآخرين على هذا الوجود. ومن هنا، فإنه يقول «كل أمة لا تمد سواعدها لمغالبة سواها لتنال منها بالغلب ما تنمو به بنيتها ويشتد به بناؤها فلا بد يوما أن تقضم وتهضم وتضمحل ويمحي أثرها من بسيط الأرض». (الأفغاني:30) ويستخلص الأفغاني من هذا مبدأً يرى فيه القوة أساسا لوجود الأمة الناجحة والقادرة على البقاء؛ فيقول «إن التغلب في الأمم كالتغذي في الحياة الشخصية». (الأفغاني:30).

يمكن للمرء أن يستخلص، ها هنا، أن السيِّد جمال الدِّين يرى في الدِّين وجودا عمليا لممارسة العيش على هذه الأرض وبين ناسها؛ وهو وجود جَمْعٍ للمؤمنين به ليمارسوا عيشهم هذا، وليسموا بهذا العيش إلى رحاب الحياة الآخرة. فليس الدِّين، عند الأفغاني، إلا فعل جمع وتوحيد لأهله؛ ولذا فهو يسعى، عبر هذه النظرة، إلى الحد من سلبية وجود المذاهب المتعددة ضمن الدِّين الواحد؛ والدِّين الإسلامي تحديدا. إن السيِّد جمال الدِّين لا يرى في الدِّين عنصرَ، أو عاملَ، فَصْلٍ بين أهلِ الدِّين، مهما تنوّعت مذاهبهم وتعددت؛ بل يجد فيه قدرةَ توحيدٍ وفِعْلَ لَمِّ شَمْلٍ مُسْتَمِرَيْن. وعلى هذا الأساس فإن السيِّد جمال الدِّين يرى بأن المسلمين قد خرجوا، بإسلاميتهم، عن النطاق الضيق الذي يمكن أن تحصرهم فيه روابط العصبية العرقية، وأصبحوا ينعمون برابطة الدِّين المنفتحة على الوجود الإنساني برمّته. ومن هذا القبيل ما ذكره السيِّد عن أن المسلمين «لا يعتدُّون برابطة الشعوب وعصبات الأجناس، وإنما ينظرون إلى جامعة الدِّين». (الأفغاني:35).

استطاع السيِّد جمال الدِّين أن يصل إلى خلاصة أساسيَّة في هذا المجال. ففي زمن كانت الدعوة إلى العصبية القومية بدأت تستشري في العالم الإسلامي، بتأثير من التفكير الأوروبي الوافد على البيئات الإسلامية، طرح الأفغاني خلاصة رأيه هذا الذي يقوم على محاربة النـزعات القوميَّة وقمع أي ميل نحو التعصُّب العرقي؛ وإذا به يؤكد، تالياً، العودة بالمسلمين إلى صفاء دعوتهم الدِّينية القائمة على التفاعل الإنساني المنفتح عبر الشريعة التي سنّها الرحمن؛ ويرى أن «كل فخار تكسبه الأنساب، وكل امتياز تفيده الأحساب لم يجعل له الشَّارِعُ أثَراً في وقاية الحقوق وحماية الأرواح والأموال والأعراض، بل كل رابطة سوى رابطة الشريعة الحقَّة فهي ممقوتة على لسان الشارع، والمعتمد عليها مذموم، والمتعصب لها ملوم». (الأفغاني:35).

يُمكن فهم بعض المبادئ الأساس التي انتظمت حركيَّة الوجود السياسي للسيد جمال الدِّين في مجال دعوته الإسلامية التوحيدية. وأول هذه المبادئ، كما جاء في بحث نشر للسيد في «العروة الوثقى»، أن «لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم». (الأفغاني:26) فالجنسية الأساس عنده، هي تلك التي تنتظم الناس في مجال الوحدة الإسلامية؛ وهي، تالياً، الجنسية الإسلامية من غير ما لَبْس. وهي، أيضاً، جنسيةٌ تمنع أي تعصب للعرق، أو للجنس، بل حتى لما يمكن اعتباره ميزات تاريخية أو حضارية خاصة. فكل الناس، ها هنا، مسلمون يجمعهم «الاتفاق والتضافر على تعزيز الولاية الإسلامية»؛ وهذا الاتفاق على ما يمكن تسميته من حديث عن الجنسية، إلى تركيز وتأكيد لما يمكن أن يكون حديثاً عن الهويَّة، هو، عند السيِّد، «من أشد أركان الديانة المحمدية»، والعمل به «من أوَّلِيَّاتِ العقائد عند المسلمين». (الأفغاني: 27).

 مكتبة:

> Hourani. Albert, Arabic Thought In The Liberal Age 1798-1939,Oxford,

U.K.,1970.

< الأفغاني. جمال الدِّين، الأعمال الكاملة، دراسة وتحقيق الدكتور محمد عمارة، الجزء الثاني، الكتابات السياسية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1981.

-------------------

 رئيس المركز الثقافي الإسلامي


أخبار ذات صلة

علوش ردًا على جنبلاط: عندما ينتقد ملك المحاصصة المحاصصة
وزير خارجية إيران: العقوبات الاقتصادية الأميركية جريمة ضد الإنسانية ويجب [...]
آخر الاوضاع بين الحريري وكليفرلي