بيروت - لبنان 2018/08/18 م الموافق 1439/12/05 هـ

العميد الركن د. رؤوف داود الصيّاح في كتابه

«القبعات الزرق في جنوب لبنان من القرار 425 حتى القرار 1701»* توثيق دقيق لمرحلة تاريخية دقيقة

حجم الخط


يدرك المتتبع للأوضاع الأمنية والسياسية أنّ لبنان معرّض بشكل دائم للاعتداءات من العدو الإسرائيلي الذي يطمع بالأراضي اللبنانية سعيًا الى السيطرة عليها والاستفادة منها؛ أمنيًا واستراتيجيًا واقتصاديًا. ولسنا هنا في وارد الحديث عن الصراع اللبناني – الإسرائيلي الذي يمتدّ لعقود عديدة إلى الوراء، وما زال مستمرًا حتى الوقت الراهن، وإنما سنتطرق الى الحديث عن دور الأمم المتحدة في حفظ السلام داخل جنوب لبنان، انطلاقًا من الكتاب الأكاديمي الذي وضعه الباحث والمؤلف العميد الركن الدكتور رؤوف داود الصيّاح بعنوان «القبعات الزّرق في جنوب لبنان من القرار 425 حتى القرار 1701». وهذان القراران حددا الحقبة الزمنية للدراسة، منذ العام 1978 تاريخ صدور القرار 425 الى العام 2006 تاريخ صدور القرار 1701. والدراسة هي في الأساس أطروحة أعدّت لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الرؤوف سنّو. 
يأتي الكتاب في مقدّمة وأربعة فصول، اعتمد فيه الباحث على مصادر متنوعة من المعلومات ارتكزت على قرارات صادرة عن مجلس الأمن، وأخرى صادرة عن مجلس الوزراء اللبناني، بالإضافة الى مقابلات عديدة أجراها مع رؤساء لبنانيين، وقادة عسكريين في الجيش اللبناني، وقادة البعثات العسكرية التابعين للأمم المتحدة. ولتدعيم معلومات بحثه، استند الباحث العميد رؤوف الصيّاح إلى الصحافة اللبنانية، وإلى دوريات صادرة عن الأمم المتحدة. كما استخدم العديد من المراجع والكتب العلمية التي أغنت ثنايا الفصول بمعلومات جديدة وقيّمة ساهمت في الإضاءة على جانب في غاية الأهمية من تاريخ لبنان المعاصر.
تطرّق الباحث الصيّاح في مقدّمة الكتاب الى الحديث عن دور الأمم المتحدة في سعيها الى معالجة الأزمات الكبرى، وأشار الى اعتمادها سياسة ازدواجية المعايير، وبخاصة في ما يتعلّق بالصراع العربي – الإسرائيلي، بالمقارنة مع أزمات دولية أخرى. وطرح الدكتور الصيّاح أسئلة عن الدور الإنساني الذي لعبته الأمم المتحدة، عبر جنودها «القبعات الزرق» في إرساء الأمن والاستقرار ومدى نجاح مهمتهم؟ 
تناول الفصل الأول من الكتاب أهم الأحداث السياسية والأمنية التي شهدها لبنان قبل اندلاع حربه الداخلية، مرورًا بعدوان إسرائيل عليه العام 1978،  لتأمين ما عُرف بـ«الحزام الأمني». وأسهب في الحديث عن هذا الاعتداء الذي أوصل في نهاية الأمر الى تبنّي مجلس الأمن الدولي القرار رقم 425 الذي دعا الى الاحترام التام لسلامة لبنان، وناشد إسرائيل أن توقف أعمالها العسكرية ضده وتنسحب من أراضيه بشكلٍ فوري. وبالإضافة الى ذلك، نصّ القرار على أن يتمّ تشكيل قوّة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة لمراقبة انسحاب قوّات إسرائيل العسكرية من لبنان، ومساعدة الحكومة اللبنانية على تأمين عودة سيادتها وسلطتها على الأراضي التي تنسحب منها إسرائيل.
ومع تشكيل هذه القوّة الأممية، تطرّق الجنرال الصيّاح الى عوائق كثيرة واجهت عملية انتشارها؛ كان أبرزها الاصطدام بالموقف الإسرائيلي الذي رفض وجود قوّات تخرجه من أراضٍ سيطر عليها بالقوة العسكرية، وعن سقوط العديد من عناصر اليونيفيل ضحايا التطورات الأمنية الميدانية في جنوب لبنان منذ عملية الليطاني العام 1978، وصولًا الى عملية «سلام الجليل» العام 1982 وعملية «تصفية الحساب» العام 1993 و«عناقيد الغضب» العام 1996. ويضيء الباحث، بشكلٍ خاصّ، على العملية الأخيرة؛ حيث ارتكبت إسرائيل مجزرة كبرى في بلدة قانا الجنوبية داخل مركز الكتيبة الفيدجية أسفرت عن سقوط العديد من الضحايا اللبنانيين بنيران الاعتداءات الإسرائيلية، كما عن العديد من عناصر «اليونيفيل». واستفاض الباحث بتوضيح الدور الذي أدّته قوات «اليونيفيل» لمساعدة اللبنانيين على الاحتماء من القصف الإسرائيلي، والجهود التي بُذلت لاحتواء النزاع في جنوب لبنان، عن طريق شبكة نقاط تفتيش ومراكز مراقبة أقامتها واتبعتها بسياسة «الاتصالات المتواصلة» مع الأطراف المتنازعة لمنع استعمال مناطق انتشارها في العمليات الحربية.
 وتحدث العميد الدكتور الصيّاح عن دور «اليونيفيل» في مراقبة عملية انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000، معتبرًا أنّ هذا الانسحاب فرض على القوّات الأممية زيادة عديدها في جنوب لبنان، نتيجة اتّساع مناطق عملياتها، كما تعزيز نوعية الفرق العسكرية التي استجلبتها الى لبنان، وبخاصّة على الصعيد اللوجستي، كما تفعيل أنشطتها الإنمائية؛ حيث باتت العناصر الأممية، منذ ذلك الحين، أكثر اتصالًا والتصاقًا بالمواطنين اللبنانيين. وقد اعتبرت قوات «اليونيفيل» أن الوسيلة الأكثر نجاحًا للتعامل مع اللبنانيين الجنوبيين تكون عبر تقديم المساعدات الاجتماعية والتنموية لهم، وأنْ تؤدي دورًا انسانياً في مناطق عملياتها؛ فتساعد بذلك الدولة اللبنانية، ولا تظهر بشكل قوّات احتلال (النظرة الأولية للسكان الجنوبيين)، وبالتحديد بعد القرار 1701 الذي أتى بعد انتهاء العدوان الاسرائيلي على لبنان العام 2006. كما تمّ إجراء مقارنة حول تأثير العمليات العسكرية في صياغة القرارين 425 و1701.
وفي الفصل الأخير من دراسته، اعتبر الباحث الدكتور رؤوف صياح أنّ «القوّات الأممية أدخلت الطمأنينة الى نفوس سكّان عشرات القرى والبلدات الجنوبية الواقعة ضمن نطاق عملها..».  وتحدّث عن دورها في تعطيل الكثير من حقول الألغام المزروعة من قبل العدو الإسرائيلي، والقذائف غير المنفجرة، بالإضافة إلى تأسيس مراكز اجتماعية وطبّية وتأمين رعاية صحية للعديد من اللبنانيين، وقيامها بعملية اصلاح البنى التحتية في المنطقة. ولم يتأخر الباحث رؤوف الصيّاح في أن يشرح بالتفصيل دور العناصر الأممية في تقديم الرعاية البيطرية للمواشي والحيوانات التابعة للمزارعين اللبنانيين، وبخاصة من قبل عناصر الكتيبة الاندونيسية والكتيبة الهندية. وأضح، بشكل لا لبس فيه، السياسة التي اتبعتها «اليونيفيل» عبر التقرّب إلى جميع الفئات المجتمعية والعمرية في جنوب لبنان؛ من خلال تنظيم نشاطات مختلفة للأولاد من كافة الأعمار، وإقامة مهرجانات واحتفالات ودورات تدريبية على تعلّم اللغات والكمبيوتر والاسعافات الأوّلية وغيرها من النشاطات الترفيهية. 
ومن الأمور المهمة التي يُضيء عليها هذا الكتاب المهم، هي تسليط الضوء على الزواج والمصاهرة بين العناصر الأممية والمواطنين اللبنانيين، حيث رصد أكثر من 50 عقد زواج تمّ بين جنود للأمم المتحدة وفتيات لبنانيات جنوبيّات، وقال الدكتور الصيّاح إنه لم يعد مستغربًا، بالنسبة الى الجنوبيين، أنْ يدخل أفراد القوّات الدولية الى بيوت الجنوبيين المضيافين ليتقدم عدد منهم بطلب يد فتاة. كما لا يهمل الباحث الحديث عن دور المرأة الأجنبية العاملة في «اليونيفيل»، حيث قدِم الى لبنان العديد من النساء للعمل مع قوّات بلادهم، وبالتحديد في القطاعات الطبّية والتمريض. صحيح أنّ الباحث تناول في ثنايا كتابه أنشطة أخرى لكلّ كتيبة بشكل مفصّل، إلا أنّه ليس هناك متسع في هذه المراجعة القصيرة  للحديث عن كامل نشاطات قوّات الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان، ودورها الاجتماعي. 
في خلاصة الحديث، يبقى من الضروري الإشارة الى نتائج ما توصل إليه هذا البحث الأكاديمي المعمّق. فأبرز ما قامت به «اليونيفيل» في جنوب لبنان، هو تأدية دور إيجابي في حفظ السلام، الى حدّ ما، من دون الوصول الى النتائج المرجوّة، وذلك لاختلاط عوامل السياسة الدولية بدور عناصر «اليونيفيل» ومهامهم، بالإضافة الى أنّ بعض الدول التي إرسلت جنودها الى جنوب لبنان كانت غير مقتدرة اقتصاديًا، ما حال دون تأديتها أدوارًا إنمائية كبيرة، في مقابل العديد من البعثات التي أسهمت في إنعاش اقتصاد المناطق التي انحصرت مهامها فيها. إنَّ تحول نظرة الجنوبيين إلى قوات «اليونفيل» يُستدل عليه من خلال الزيجات المختلطة بين عناصر الأخيرة والفتيات الجنوبيات، كما تأثير اقتصاد «اليونيفيل» في انعاش اقتصاد الجنوبيين، وبالتالي مجتمعهم.

خليل عيتاني
 * توزيع مكتبة انطوان



أخبار ذات صلة

وزير الثقافة ينعي سحر طه: غنت للإنسان والحياة رغم معانتها!
الكشف عن "الوصفة الأصلية" للتحنيط عند قدماء المصريين
رحيل سحر طه يؤلم القلوب