بيروت - لبنان 2019/07/21 م الموافق 1440/11/18 هـ

الفنانة ريم بنا ترحل في «عيد البشارة» وتُـــزَفّ عروسة «موطني» في الناصرة

حجم الخط

تجسّد الفنانة الفلسطينية ريم بنا (52 عاماً) نموذجاً رائداً منذ ولادتها في الناصرة «عاصمة الجليل» الفلسطيني المحتل، وحتى رحيلها في مسقط رأسها، وما بينهما من محطات نضالية بأوجه متعدّدة.
ربما هي مصادفات أنْ تضع الشاعرة الفلسطينية زهيرة صبّاغ مولودتها بتاريخ (6 كانون الأول 1966)، في شهر ولادة السيد المسيح (ع)، وفي مدينة الناصرة، لتختار لها إسم ريم، التي كان رحيلها عشية «عيد البشارة»، يوم بُشِّرَتْ السيدة مريم العذراء (ع) بالسيد المسيح (ع)، وفي الناصرة، الطفلة التي وُلِدَتْ في بيت ثقافة وفن، أرضعتها والدتها زهيرة حب الوطن الرازح تحت نير الإحتلال الإسرائيلي، الذي عانت عن كثب من ممارساته التعسّفية والقمعية.
تعلمت من والدتها الكلمات الأولى، وبالفطرة كانت ريم تنظم الشعر وتشدو به، ومنذ العاشرة من عمرها كانت تشارك في الاحتفالات التي تُقام في مدرستها المعمدانية في الناصرة، فأبدعت لتقرّر الغوص أكثر في مجال الغناء والموسيقى، فغادرت فلسطين إلى موسكو، ملتحقة بـ»المعهد العالي للموسيقى»، حيث درست على مدى 6 سنوات، الغناء الحديث وقيادة المجموعات الموسيقية، لتتخرّج منه في العام 1991.
قضية وطنية
منذ طفولتها وعت على حمل قضية وطنية، في معركة ضد المحتل الإسرائيلي، تعدّدت أوجهها، وفي طليعتها التصدّي لمحاولة سرقة الحضارة والثقافة الفلسطينية، بعدما سرق الأرض واقتلع أهلها منها.
أصدرت ريم ألبومات أغانٍ للأطفال، تبث فيهم حب الوطن، دامجة الأغاني التراثية والشعبية الفلسطينية بالموسيقى العصرية بأسلوب مميّز، وكان في طليعة ألبوماتها في هذا المجال خلال فترة الدراسة، «جفرا» في العام (1985) و«دموعك يا أمي» (1986).
وبعد التخرّج أصدرت «الحلم» في العام (1993) من كلمات والدتها، وفازت بالمرتبة الأولى في العديد من المسابقات.
ولأنّها عشقت فلسطين، عادت لتُقيم في مسقط رأسها الناصرة، وتُعيد جمع الأغاني الشعبية الفلسطينية، ممَّنْ كان لا يزال يحفظها قبل رحيله، من أجل المحافظة على هذا التراث، وإعادة تلحين الأغاني وكتابة الجديد منها مع تلحينه، مؤدية لوالدتها الشاعرة زهيرة الصباغ والشعراء الكبار: محمود درويش، سميح القاسم وتوفيق زياد، فكان إنتاج يعبّر عن إحساس صادق يحمل قضية شعبها، ليتجاوز إبداعها حدود فلسطين إلى العالمية.
لم تكتف ريم بإقامة الاحتفالات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948، بل انتقلت إلى الضفة الغربية لتحيي المهرجانات والاحتفالات، لتصل إبداعاتها إلى قطاع غزّة، ومن ثم إلى العالم الذي جالته، حيث أقامت احتفالات في: لبنان، سوريا، الأردن وتونس، كما الدول الأوروبية وأصقاع العالم التي كانت شاهدة على بصمات المقاومة المثقّفة.
واستحوذت أغاني ريم على الاهتمام، فاستخدمت في إنتاج البرامج الوثائقية التي تتناول النضال الفلسطيني وانتفاضات أبناء شعبه، والعديد من الأفلام والمسلسلات.
نحو العالمية
أبدعت ريم، فغنّت ولحّنت بمشاركة زوجها «ليونيد»، قبل الانفصال وبعده، خاصة بعدما أصدرت ألبومها «مرايا الروح» في العام (2005)، الذي غنّت فيه للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وللمناضلين الفلسطينيين والمعتقلين العرب في سجون الإحتلال الإسرائيلي، وللصامدين الفلسطينيين، ومكافحتهم لضنك العيش وجبروت الإحتلال بأسلوب جديد يمزج الغناء الغربي مع الشرقي، بالتعاون مع 5 من المبدعين النروجيين في مجال الموسيقى.
وتمتّعت ريم بشهرة في القارّة الأوروبية، بعد مشاركتها المغني «كارا بريمنس» في ألبوم أنتجه المنتج النروجي إيرك هيلستاد.
وبعدها في رسالة موسيقية إلى الرئيس الأميركي جورج بوش ضد الحرب، قدّمتها مغنيات من فلسطين، سوريا، العراق والنروج، مع مغنيات من كوريا الشمالية، كوبا وأفغانستان، وقدّمت باللغة الإنكليزية ما سهّل وصول الأغاني إلى الجمهور الغربي.
في العام 2009، بدأت رحلة ريم مع مرض «سرطان الثدي»، حيث شبّهت غزوه لجسدها بغزو الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فقاومته وتغلّبت عليه، لكنه عاد وانتشر، فأصاب أحد أوتارها الصوتية، واضطرّها لحلق شعرها بعد تساقطه، فتوقفت عن الغناء في العام 2016.
ثائرة لا تعرف الإستسلام
كانت تعلم بأنّ أيام رحيلها من الدنيا على اقتراب، فحثّت أولادها على حمل الأمانة، وكتبت إليهم في 5 آذار الجاري، على صفحة الـ»فايسبوك» الخاصة بها، قالت فيها: «بالأمس كنتُ أحاول تخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية على أولادي، فكان عليّ أنْ أخترع سيناريو، فقلت: لا تخافوا هذا الجسد كقميص رث.. لا يدوم.. حين أخلعه، سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق، وأترك الجنازة وخراريف العزاء عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام، مراقبة الأخريات الداخلات، والروائح المحتقنة.. سأجري كغزالة إلى بيتي، سأطهو وجبة عشاء طيّبة، سأرتّب البيت وأُشعِل الشموع، وأنتظر عودتكم في الشرفة كالعادة.. أجلس مع فنجان الميرمية، أرقب مرج إبن عامر، وأقول هذه الحياة جميلة.. والموت كالتاريخ فصل مزيّف».
كما نعتها والدتها فوصفتها بـ«الغزالة البيضاء».. 
فيوم ريم بنا الأخير في الدنيا بعد رحيلها فجر السبت (24 الجاري) كان بأنْ سُجّي جثمان «غزالة الجليل» في ساحة العين بكنيسة الروم الأورثوذكس في الناصرة، حيت ألقت الجماهير الغفيرة التي توافدت من داخل الأراضي المحتلة منذ العام 1948 والقدس والضفة الغربية والجولان، نظرة الوداع الأخيرة، ونفّذت وصيتها بأنْ أُلبست الثوب الفلسطيني ولُفّت بالكوفية والعلم الفلسطيني وسط الورود، قبل أنْ تُقام المراسم الجنائزية ظهراً، ويُحمل نعشها على الأكف، وينطلق الموكب وسط شوارع مدينة الناصرة المحتلة، التي كان في كل ركن منها لها محطات وذكريات خلال حياتها.
وعلى أنغام «موطني» التي غنّتها، زُفّت عروسة، وسط ترديد المشاركين لأغانيها للحرية والكرامة والأسرى، قبل أنْ توارى الثرى في مدفن اللاتين.
ترحل ريم بنا جسداً، وتبقى انتصاراتها للمحافظة على إرث وتراث أبناء شعبها بترداد أغانيها وأشعارها التي أصدرتها في 13 ألبوماً، حصلت عنها على جوائز عربية وعالمية، وتغلّبها على المرض مراراً قبل أنْ ترقد في مهد البشارة مع الاحتفال بعيده، بعدما استحقّت أن تكون «سفيرة الصوت الفلسطيني» في أرجاء العالم.



أخبار ذات صلة

إخماد حريق كبير في رشدبين الكورة
قتلى من "الباسيج"و"الحرس الثوري" باشتباكات في إيران
سبوتنيك: إيران لن تفرج عن بحارة روس على متن السفينة [...]