بيروت - لبنان 2019/08/18 م الموافق 1440/12/16 هـ

الفنان التشكيلي حسن الجوني لـ «اللــــــــواء»: خارجي ينتظر داخلي على ما سيزوّده به.. هنا بلاد التنكُّر لا بلاد التذكُّر

بيروت هي التي سكنتني لست أنا الذي سكنتها

الفنان حسن الجوني
حجم الخط

لا أتخيّل أمَّة من دون مبدعيها

حسن الجوني.. فنان من طراز عالمي، جاء بمبدعي العالم، فنانين وشعراء وفلاسفة وأجلسهم في مرسمه الذي يشبه متحفاً عتيقاً يجوز تخليده. في لوحاته الألوان تتكلم، تتكلم شعراً وفلسفة وتاريخاً وكثيراً من الحب، لوحاته مسرحٌ كامل من المشاعر تدخل إليه ولا تتمكن من الخروج منه. وعيه العميق، إحساسه المتراكم وقلقه الوجودي، كل ذلك واضحٌ في كتل الضوء والظلّ في لوحاته، كان لنا هذا الحديث معه في مرسمه الذي يطلُّ على بحر بيروت:

{ جمعت في لوحاتك بين الرسم والشعر فقد زيّنت لوحاتك بأشعار تشبهها وتتداخل معها مكتوبة من أهم الشعراء، ماذا يريد الفنان حسن الجوني من ذلك؟

- أنا والشعر صديقان منذ زمن طويل وأصبحت أعترف أن الشعر هو خميرة الفنون لأن الشعر في لوحتي مقصود فيه البوادر الأولى للتخيّل، لأن كل ما يشعر فيه الإنسان بالحياة هو شعر سرّي فعندما يظهر هذا الشعر السرّي يظهر عبر أصابع من يكتبه عندما يكون شاعراً يكتبهم بالكلمات، وعندما يكون رساماً يكتبهم بالخطوط والألوان، وعندما يكون موسيقياً يحقّقهم باللحن والأغنية والموسيقى على أنواعها، في حقيقة كل إبداع في الدنيا هناك شعر يتمظهر، عندما أسمع قصيدة شعر للمتنبي لا أستطيع أن أستبعد هذا المتحف الفني في شعر المتنبي، هناك رسوم موجودة بأعماله ولا أستطيع أن أرى أي لوحة دون أن أتعرّف على الكمّ الشعري الموجود فيها، هناك كميّة من مخيّلة مزروعة فيها، كلما عرفنا قراءة ما بداخل العمل الفني نكون قد إقتربنا من الشعر، إذاً الشعر هو حقيقة ومنطلق كل أنواع الفنون، والشعر يجد نقطة الماء والهواء، يجد المكان الذي يتسرّب منه الى الحرية، من التلميح الى التصريح، الشعر موجود بلوحتي وأنا متعاطف جداً مع بعض الشعراء الذين حين أدخل الى قصيدتهم أشعر أني دخلت الى معرض لفنان ويكون هو صاحب القصيدة هو صاحب الديوان. 

{ أسّست لمعادلة حقيقية بين التعبيرية والواقعية والتجريدية والرمزية، فنان قادر على أن يرسم بكل اللغات، لأي لغة يرتاح الفنان حسن الجوني؟ وهل تتفق مع فيكتور هوغو حين يقول «لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن»؟

- بالفن مهما حاول الفنان أن يوضح يبقى هناك أسرار، أقول ذلك عن الفنان وليس عن الذي مهمته أن يرسم الرسوم الإيضاحية التفسيرية البيانية المصاحبة للنصوص، أنا أقول لـ هوغو لا تعتقد أنه في عمق الابداع دائماً هناك سرّ والدليل شهرة هذا المبدع هوغو فقد استطعنا أن نصل لحقيقة الأمر الكامن داخل عمله، لا تخف من الإيضاح لأنه ما من عمل إبداعي إلا وموجود سرّه فيه، وإلا لماذا علينا أن نجعل من الفن كلمات متقاطعة وحالات تعجيزية وأنه يجب أن نفكّ الرمز أو ليس لك دخول أبداً، الفن يا سيدي هوغو هو إفصاح النفس عما يعتلج فيها والنفس عندما تفصح مهما وضّحت يبقى نصف الإيضاح مختبئاً، وهذا تلقائياً موجود في العمل الفني مثلما هي النفس ذات مظهر غامض في داخلنا لا يمكن إلا أن يخرج منها ما يشبهها من هذا الغموض ومهما حاولنا أن نقول أنه عرفنا كل شيء دفعة واحدة خلف ما يسمّى بالإيضاح دائماً هناك سر يشدّنا له، يا سيد هوغو الإيضاح يحرّضنا على الإلماح الموجود في الداخل فلا بأس اذا اعتبرنا أن بوابة القصر تبدأ بفتح البوابة.

{ سكنتك بيروت أكثر مما سكنتها حتى صرت مؤرخاً لتاريخ بيروت في مكان ما، ماذا تعني لك بيروت وهل تغيّرت فنياً برأيك؟

- طبعاً المكان لا قيمة له إذا ما اقترن بزمان وإنسان، هذا المثلّث الفائق القداسة يكمل بعضه إذاً بنظري لا مكان وإنسان من دون زمان، ولا زمان ومكان ولم يشاهده إنسان، هذا ثلاثي واجب الوجوب حتى تتحقق معجزة التوقيت الابداعي، بيروت ليست جغرافيا للجسد ليست تعامل المادة مع المادة، بيروت هي تعامل المكان مع الإنسان عبر الزمان هذه هي بيروت بالنسبة لي، ليست سكناً للجسد والرزق هي سكناً للنفس وإنطلاقاً لها أي إنطلاقاً للنفس فهي تبحر في مجتمع أوسع من مجتمع القرية، في العاصمة هذا الشتات منها وإليها منها وعليها يجعلني دائماً أقف أمام معرض متنوّع الوجوه والحالات، أعني بها هذه النفوس التي تتحرّك كل واحدة باتجاه، بيروت هي التي سكنتني لست أنا الذي سكنتها حتى بيروت موجود فيّ حتى وأنا بعيد عن بيروت، عندما أصعد الى الطائرة لا يعرف الطيّار أني أخذت بيروت معي بدون تذكرة سفر وعندما أعود أنزلها قبلي كي تسبقني الى ذاتها، أما تأريخ بيروت لا شك أنه دائماً الأمكنة بحاجة لمن يسجّلها بحاجة لمن يرى فيها ما لم يره الأخرون بنفس الوقت، عندما رسمت بيروت لم أرسمها كمهندس معماري لم أرسمها توبوغرافيا لم أنقل المشهد العمراني لأقول أنظروا هذه العمارة كم هي جميلة، رسمت بيوت بيروت وكأنها نفوس مجدولة على بعضها البعض، لذلك الرائي للوحة حسن جوني بما يختص بلوحته عن بيروت يشعر أن هذه المنازل هي عبارة عن أناس سكنت بيوتها ولم تغادرها منذ عشرات السنين، كل بيت هو عبارة عن صاحبه لوحة البيوت هي لوحة متحركة ولا تشبه أبداً الأحجار التي بنيت بها، فنياً نعم هناك تغيير فني ولا شك أنه إذا أردنا أن نعتبر أن الضياع لم يصل لعندنا نكون إمّا عميان لا نرى أو متكبّرين ومتجبّرين لا نريد أن نعترف بالذي نراه، بيروت اختلفت، بيروت سكنها الموت والمجازر المجانية، سكنتها الأحقاد وسكنتها المذاهب وسكنتها الكوابيس المجهولة الشكل واللون لكنها ليست مجهولة المصدر، أعرف كوابيس بيروت القاتلة من أين جاءت، بيروت تمّ اغتيال الضوء فيها وتمّ اغتيال الزمان فيها وتمّ اغتيال الإنسان والتاريخ، بيروت اغتيلت، لا زلت أرى وأنا أسير، واعذريني وليعذرني القرّاء، لا زلت أرى موتى يتحرّكون في شوارعها وقلّة قليلة من الأحياء جديرين بالحياة بقيوا على قيد الحياة لأنه مطلوب منهم أن يروا بيروت التي احترقت، عليهم كأحياء أن يستنهضونها من بين الرماد لعل وعسى أن يستيقظ طائر الفينيق باكراً.

{ قلت في تكريمك مؤخراً «أدين للفنون الجميلة عموماً وللرسم خصوصاً بانتشالي من الضياع في متاهة التساؤل المرتبك الى فهمي الدقيق للوجود»، هل كان للرسم دور في تغيير فهمك للوجود؟ 

- أنا رجل مسكون بالألم وقد كتبت على باب مرسمي «الوعي العظيم يؤدي الى قلق أعظم» ما هي قيمة العقل إذا كان لا يستطيع أن يحلّ لي مشكلة وجودي بين موتين، هنا أقول أني مسكون بالألم وأدرك تماماً أني جئت من الموت وذاهب الى الموت، يكفي أن أستذكر هذه الفرضيّة لأقول أنا حيّ بين موتين وأقول من أنا ولماذا أنا، هذه الأسئلة تبيّن لي أن كل المتاهات الفلسفية تعرّضت لفهم هذا الأمر والرد بأجوبة، من أجل هذا الفلاسفة إستطاعوا أن يمسكوا بعض الإجابات، الموجوع عضوياً يتناول العلاج حتى يشفى، أنا عليّ أن أفتش عن علاج لروحي لنفسي من ألم هذا التساؤل الدائم عن الوجود وعلاقتي بالوجود وعلاقة الوجود بي وعلاقتي بالزوجة والأولاد والأحفاد، بالأخوة، بالأب والأم، بالحي والعائلة، هذه الأسئلة كلها تنتهي بخاتمة واحدة أن الموجود اليوم غداً غير موجود، هذا السؤال يتكرّر دائماً، علاجه ما هو، إذا كانت حبة الدواء علاج للأعضاء فاللوحة هي علاج لي من أجل تخديري المؤقت من ألم النفس الذي أعيشه، ألم الوجود الذي أعيشه لأن اللوحة هي الإجابة المعمّقة الموهومة كعلاج للنفس، والدليل على ذلك أني لو اعتبرت أن لوحتي هي العلاج لما كنت رسمت لوحة ثانية، فدائماً السؤال المتوتر الذي يلقي نفسه عليّ أنه يجب أن أرسم دائماً لأجيب عليه. لوحتي هي الرد على عدمية هذا الوجود هو رد تخديري قيمي، نعم، لكنه تخديري ولا أريد أن أبالغ، اللوحة ليست عملاً ترفيهياً، بحقيقة الأمر كل إبداع إنساني هو عبارة عن ملامسة هذا الألم الوجودي في داخل الفنان لأنه لا يمكن أن يكون فناناً إذا لم يعاني هذا القلق الوجودي وإلا فإنه يعيش خارج الحياة.

{ هل من تحدّيات تواجه الفنان حسن الجوني خصوصاً والفن التشكيلي عموماً في عصرنا الحالي حيث تتضاءل قيمة الأشياء الثمينة معنوياً؟ هل تخاف على الفن التشكيلي من الهبوط كما حدث للأسف لفنون أخرى في مكان ما؟ وهل تنتظر شيئاً من وزارة الثقافة؟ 

- ليست تحدّيات، يوجد نكبات، أنا أعرف كل وطن كل أمة لا تحتفظ بآثار مبدعيها هي أمة قاصرة ومتخلّفة ومتردّية وممحوقة وممحية من التاريخ، لا يمكن أن أتخيّل أمة من دون شعرائها من دون كتّابها من دون فلاسفتها من دون مكتباتها من دون متاحفها من دون مسارحها، ولكن أين ذلك؟ أنا لا يمكن أن أصدق أنه قد يصار الى إقامة متحف في لبنان ترعاه الدولة، هنالك متاحف خاصة ولكن الدولة هي أم المبدع وأبوه، هي التي يجب أن تتعاطى بحقيقة الاعتراف المؤكد بمبدعيها، هذا التحدّي بالنسبة لي أنني أدرك تمام الإدراك أنه لن يكون لنا متحف للفن التشكيلي في لبنان ترعاه الدولة بكل أسف وهذا يعود قبل كل شيء للحسّ الشعبوي العام عند الناس، ثانياً بكل أسف المُطالب بهذا هو وزير الثقافة والمطالبين به هم مستشاريه ولكنهم لا يشورون عليه لأنهم ليسوا بهذا الوارد ولا هو يستشيرهم لأنه أيضاً ليس بهذا الوارد، وأنا أتمنى أن يصل وزير ثقافة في لبنان يقف ويقول هو ومستشاريه أنه يجب إنشاء متحف أو نستقيل من أماكننا، لأن مبرّر وجود وزير ثقافة ومبرّر مستشار وزير ثقافة هو مكتبة وطنية رسمية لا تكون مستودعاً للكتب ومتحفاً وطنياً وليس متحف يقوم به الآخرون ومشكورين على الذي فعلوه، هذا ليس إعتراف رسمي هذا إعتراف شخصي وللأسف أقول أمة لا تحترم مبدعيها هي أمة خاسرة، خاسرة حضارتها وخاسرة مدنيّتها وخاسرة وجدانها وذوقها أمة متردية وذاهبة باتجاه الفناء، اليوم مسيرة الفن التشكيلي فيها القليل من الفنانين يجاهدون صعوداً ولكن هنالك مجموعة من مدّعي وأدعياء الفن ومن دون أن أذكر أسماء، كل إنسان في حقيقة نفسه يوجد رأيين، له رأي يعرفه بحقيقة أمره ورأي معاكس يجاهر به للناس مع العلم أنه بداخله ليس كذلك، يعني الإنسان ونقيضه، نعم هنالك تردّي لأن الفن التشكيلي أمر نصل له بعد دراسات وإطلاعات واسعة ولا يكفي أن نمسك فرشاة وألوان ونرسم ونأخذ الأعمال ونعرضها ليست بهذه البساطة، الإبداع يصوّغ أو يصاغ، الإبداع هو فعل صياغة فعلية، وأنا أتمنى أن يعرف من يرسم أن ميزان بائع الذهب يختلف عن ميزان بائع الحديد، والفنان يجب أن يكون لديه ميزان الذهب وليس ميزان الحديد، أخيراً أملي كبير أن يُصار الى سعي من رأس الهرم الى آخر إنسان في أسفل الهرم حتى يكون هناك تسليم شامل أنه نحن الذاهبون والمبدعون هم الخالدون هم الباقون، لسنا نحن الذين حرقنا وخزقنا وقتلنا ونهبنا وسرقنا، يجب أن نطهّر وجداننا، الإبداع هو تطهير لوجدان الحاكم بالبلد.

حاورته: دارين حوماني


أخبار ذات صلة

معلومات أولية عن سقوط صاروخ في باحة بيت في سديروت [...]
سكاي نيوزا: إطلاق قذائف صاروخية من قطاع غزة على جنوب [...]
سامي الجميل: يدفع اللبناني يومياً ثمن حسابات قادته الخاطئة فتنتهك [...]