تكثر في هذه الأيام على مواقع التواصل الإجتماعي خاصة في «الفايسبوك» المواقع التي تعرض مشكورة التراث البيروتي بنشر صور لبنايات قديمة في بيروت أو صور لمساجد ومآذن, مع العلم أن المُشاهد يكون قد شاهدها عدّة مرات على تلك المواقع نفسها أو على صفحات الكتب التي نشرتها لأول مرة، وقد تزاحم هؤلاء ليثبتوا إنتماءهم ومحبتهم للعاصمة بأسلوب مبتكر عن طريق الإشهار لعل المنفعة على اختلافها سوف تأتي فيما بعد.
وقد دفعني للتطرّق لهذا الموضوع رغبتي في إيضاح الصورة والمفهوم عن تراث بيروت، ذلك لما كنت كتبته سابقا وعندما وقعتُ على كتاب قيِّم يتحدث حقيقة عن تاريخ بيروت وتراثها الذي عايشناه، فعادت الذكرى إلى قلوبنا لتنعشها، وإلى ذاكرتنا لتحييها فشممنا رائحة الياسمين، والفتنة تلك الزهرة الجميلة الصغيرة التي كان آباءنا وأجدادنا يتزيّنون بها فوق الأذن وتحت الطربوش، والعويشقة وأشجار التوت والزلزلخت والبرتقال (حين يزهر) (النارنج) الذي اقتبس الغرب إسمه وسمّوه (الأورنج).
والكتاب هو موسوعة على ضآلة حجمه (رأس بيروت كما عرفته) للمربّية الفاضلة التي عبق أريجها بحب بيروت بوصفها لدقائق الحياة فيها، وهي إبنة رأس بيروت السيدة (حياة لبَّان النويري) التي مارست التعليم لمدة 38 سنة وكانت مديرة لمدرسة المنارة في رأس بيروت لتجعل من تلك المدرسة تكميلية ناجحة للبنات، والدها هو عبد الله سليم اللبَّان (مفوض مركز بيروت الممتاز الأسبق والأشهر)، بعد مقدّمتين قصيرتين ولكن جامعتين للأستاذة (نور سلمان) والأستاذ (محمد كاظم مكي) تبدأ الأستاذة (حياة) بتعريفنا على رأس بيروت في تلك الأيام، فتبدأ شمالاً من المنارة (البقبيقة، الحمام العسكري، مقهى عروس البحر، مقهى الروضة، البحصاص، بركة القاضي، اللسان، الخندق، مغارة الشونه، لونغ بيتش، سبورتنغ كلوب). ثم تصعد بنا إلى الروشة حيث (مغارة الفقم، مغارة النافذة، مغارة الحمام، مغارة الوطاويط، تنورة، مقهى دبيبو، مقهى غلاييني).
المربّية الراحلة حياة لبّان النويري
تبدأ الأستاذة (حياة) سردها عن مسقط رأسها في ما نعرفه اليوم (عين المريسة) حيث كان يوجد دير للراهبات فيه بئر يملأ السكان جرارهم منه وكانت مياهه زلالاً منعشة وكانت رئيسة الراهبة تدعى (الأم الريسة) وكان البئر يدعى (عين الأم الريسة) فاختصرت التسمية إلى (عين المريسة)، ثم تنتقل بنا (الأستاذة) للحديث عن التنوّع الطائفي الموجود هناك وتعدّد لنا أسماء العائلات المسيحية التي سكنت المنطقة (آل ربيز وآل بخغازي) والعيشة الحميمة التي كانوا يعيشونها، فقد اعتاد المسلمون والمسيحيون تبادل الرضاع بينهم حتى أن المسيحي كان له عمٌّ أو خالٌ أو عمةٌ أو خالة مسلمين، كان هذا إبداعا في نقل صورة التآلف بين المسلمين والمسيحيين في منطقة (عين المريسة)، ثم تُحدثنا عن البساتين والحقول الشاسعة التي يكثر فيها شجر التوت وتزرع كل أنواع الخضار، كما تحدّد الأراضي بحجر هنا أو هناك أو بحواجز من أشجار الزلزلخت والعليق والصبير، وفي وسط البساتين تنتشر المنازل والعرازيل التي يتم اللجوء إليها هربا من الحر داخل المنازل وطلبا للهواء العليل في فيء الشجر، ثم تُحدثنا الكاتبة عن هندسة البيوت داخل البساتين، (كانت البيوت في معظمها تتألف من غرفتين ودار صغيرة، من الحجر الرملي، ذات سقف عالٍ، وتتخيتة تحفظ فيها المونة، يخترق أحد جدران الغرف ضويّةً (ضوئية أو قمرية) تُدخل النور والهواء النقي إذا كانت متحركة. ويلتصق بالبناء «شاطح»، ألواح من التوتياء ترتفع منحنية فوق ثلاثة حيطان، وتؤلف المطبخ، وغالبا ما كانت بيوت الخلاء خارج هذا البناء). وتتحفنا «الأستاذة» برسومات لأدوات الإستعمال المنزلي من جرن الكبة والمدقة والدست لغلي الغسيل وكذلك دست لصناعة القاورما والتين المعقود والمفتقة وبابور الكاز «البريموس» وإبريق الفخار (الذي تبرّد فيه مياه الشرب في أيام القيظ) وضوء الكاز الذي تشعل فتيلته وتحجز بزجاجة مستطيلة لتبعث منه النور وتنشره في المكان، و«الكولك» وهو طاسة توضع فيها قطعة ثلج وماء ليشرب منها السكان في لهيب الصيف، أما مطحنة البن ففي كل بيت مطحنة يدوية من النحاس يوضع فيها البن بعد تحميصه في محمصة أسطوانية الشكل لها فتحة تغلق وتركّز على سيبة ولها مسْكَةٌ لتدار عند وضعها فوق نار البابور، والمطحنة ذات طبقتين تدار بمقبض فيطحن الفراش بالداخل البن وعندما ينعم يتسرّب إلى الجزء الأسفل، أما الجاروشة فهي من حجرين دائريين يوضع القمح من خلال ثقب وتدار بذات تقنية مطحنة البن، وتعطينا رسما للملاية الزم «اللف» والفيشه، وعن الشروال والقميص والصدرية، وطائرة الورق بأربعة أيوب، والأركيلة والكانون، وصندوق جهاز العروس، والمسحراتي، والمرجوحة، وصندوق الفرجة، والقرداتي، وصور لواحد وثلاثين شخصية رأس بيروتية لعبت أدوارا مهمة في القانون والأدب واٌلإقتصاد والسياسة، وتحكي لنا الكاتبة قصة انتقال العيتاني إلى بيهم وانتقال قصر الإدلبي إلى الداعوق، كما تحدثنا عن الأمثال التي كان يتداولها السكان وهي مأخوذة من بيئتهم الزراعية.
ذلك عرض ملخص للكتاب على أمل أن ألحقه بعرض آخر لمنطقة أخرى من بيروت.
محمد صالح أبو الحمايل