بيروت - لبنان 2021/01/18 م الموافق 1442/06/04 هـ

بيروت.. الامتداد الثقافيّ الأعظم

حجم الخط

المُحاولات التي تحدُث لتدمير لبنان، وبيروت على وجه الخصوص منذ منتصف عقد السبعينيّات من القرن الماضي، والتي ما تكاد تهدأ، حتّى تعمل مرّة أخرى، لا تستهدف لبنان ولا عاصمته فقط، بل سائر الأوطان والعواصم المُحيطة به. وبالطبع فالذرائع التي تتزاحم لتفسير هذا الاقتتال أو التفجير أو الهجوم الخارجيّ، كلّها مجرّد ذرائع مُفتعَلة للابتعاد عن الأسباب الحقيقيّة التي تختفي خلف أكداسٍ من التحليلات والتفسيرات والتأويلات التي تقدِّمها مُختلف الأطراف المَعنيّة والمنكوبة التي تشمل الجاني والمَجني عليه، فالكلّ ضحايا، وإن لم يكُن الكلّ جُناة.

ولا يستطيع الباحث أن يدرج الأهميّة التي شغلها لبنان وبيروته على وجه الخصوص فى بضعة سطور، ولكنْ كلّ ما يُكتب، لن يملك سوى الإشارات السريعة واللّافتة لما قدَّمه لبنان الشعب والنّخبة على مدى عقود في القرنَين التاسع عشر والعشرين، وما زال مرشَّحاً للعطاء إلى مدىً غير مُدرَك، فكَم من كوارث تكاثرت في لبنان، ولكنّنا نستيقظ كلّ صباح على أنّ هذا البلد قادر على أن يتنفَّس، ويُبدع، ويَنهض واقفاً على قدمَيه.

وعلى المستوى الثقافيّ، وهذا ما يعنينا في الأساس، قدَّم لبنان منذ القرن التاسع عشر عدداً لا حصر له من المُبدعين والكُتّاب والمفكّرين والصحافيّين، وذلك في مجالات الشعر والمسرح والسينما والغناء والصحافة وصناعة الكِتاب، ولم تقتصر هذه الطاقات على العمل في لبنان فحسب، بل تنوّعت أماكن العطاء التي كانت تعمل فيها، وإن كانت الظروف التي أدّت إلى ذلك، ظروفاً غير طبيعيّة، لما كان يعاني منه هؤلاء الكتّاب والشعراء من اضطّهاد وقمع أقلام واعتقال وما شابه.

وبالنسبة إلى بعض اللّبنانيّين الذين أثّروا وقدَّموا إنجازاتٍ فكريّة وأدبيّة ذات شأن في مصر، لن ننسى جرجي زيدان الذي أسّس وأنشأ وأدار مجلّة «الهلال» منذ مطلع تسعينيّات القرن التاسع عشر، والتي صارت على مدى عقود عديدة مؤسّسة ثقافيّة وصحافيّة وداراً كبرى للنشر، وهي ما زالت تعمل حتّى الآن، ونَشَرت آلاف الكُتب منذ تأسيسها. وقد تميَّزت منشورات «الهلال» بالتقدُّم والتنوير والمُعاصَرة، فكانت الكُتب تحمل أسماء أعلام من طراز جبران خليل جبران، وسلامة موسى، وميّ زيادة، وإبراهيم المصري، وميخائيل نعيمة، وغيرهم.. وغيرهم ممَّن أثروا المَكتبة العربيّة بكلّ ما هو جميل ومُفيد في الوقت عَينه.

ولن ننسى يعقوب صروف ومجلّته العظيمة «المُقتطف»، التي ظلّت تصدر في مصر منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وحتّى منتصف القرن العشرين، وعرّفت الحياة الثقافيّة العربيّة بأقلامٍ جبّارة من أقطار عربيّة مُختلفة. كما اهتمّت المجلّة ذات الإدارة اللّبنانيّة بالجوانب العِلميّة. وتُعتبر مجلّة «المُقتطف» رائدة في هذا المجال، فكانت تُتابِع أحدث المُكتشفات العالَميّة في الفلك والفضاء وكانت أوّل مَن تناولَ نظريّة داروين بالدرس والشرح التفصيلي.

وتواترت الإسهامات اللّبنانيّة الكثيرة، ما أحدثَ حركة ثقافيّة وفكريّة عظيمة في الصحافة الفكريّة والأدبيّة والثقافيّة المصريّة والعربيّة، فها هو فرح أنطون يصدر مجلّة «الجامعة» منذ العام 1910 من القرن الماضي، وتُشاركه شقيقته روز أنطون في إصدار مجلّة نسائيّة طليعيّة, كما أنّها تزوّجت من الأديب والمفكّر اللّبناني نقولا حدّاد الذي شاركَ باقتدار في مدّ الحركة الطليعيّة بكُتب فكريّة وأدبيّة وثقافيّة، كما أنّه ترأَّس تحرير مجلّة «المُقتطف» في آخر عهدها.

وفي هذا السياق، لا بدّ أن نذكر «أديبة الشرق»، كما كان يُلقّبها أبناء عصرها: ميّ زيادة، التي عاشت في مصر، وكَتبت في صُحفها ومجلّاتها، وأنشأت أهمّ صالون أدبي في القرن العشرين، ومن خلال هذا الصالون، كانت تُدار الحياة الثقافيّة، إذ كان يحضره أساطين الكُتّاب والمُفكّرين والصحافيّين من طراز د. طه حسين وعبّاس محمود العقّاد وأحمد لطفي السيّد وشبلي شميّل ومصطفى صادق الرافعي وإسماعيل صبري وغيرهم.. وغيرهم. وشاركت ميّ كثيراً في ندوات أدبيّة، وتُعتبر رائدة الأدب النسائي في مصر والعالَم العربي؛ وفي هذا المجال ترأَّست القسم النسائي في أهمّ صحيفة في ذلك الوقت، وهي صحيفة «السياسة الأسبوعيّة»، وقدَّمها الدكتور محمّد حسين هيكل، رئيس التحرير، تقديماً رصيناً عام 1926، ولها كِتابات في الجريدة لم تُنشر في كِتاب حتّى الآن، ولكنّها تَركت بالغ الأثر في قرّاء ذلك العصر وقارئاته.

روحٌ جديدة لعَصرٍ جديد

هذه نماذج من إسهامات اللّبنانيّين في مجالات الثقافة والصحافة والأدب والفكر والمسرح، والتي تحتاج إلى رصد تاريخي دقيق، ودرْسٍ نقدي عميق، حتّى تكتمل الصورة عن تاريخ الفنون والآداب في بلادنا، ولا يسعنا هنا إلّا أن نشير إلى بعض الأسماء التي لعبت أدواراً تاريخيّة في تلك المجالات سالفة الذكر، مثل عائلة تقلا التي أسَّست جريدة «الأهرام» في الإسكندريّة، ثمّ انتقلت إلى القاهرة، وخليل مطران الذي لُقِّب بـ «شاعر القطرَين»، وعمل في بداياته مُحرِّراً ومُترجِماً في جريدة «الأهرام»، وكان أوّل مدير للمسرح القومي في مصر. كما لا ننسى أنطون الجميّل الذي أنشأ وأسّس وأدار مجلّة ثقافيّة عام 1914، تُعتبر من أبرز المجلّات فى ذلك الوقت، وهي مجلّة «الزهور»، التي شهدت صفحاتها أهمّ السجالات الثقافيّة. كذلك يُعتبر إبراهيم المصري، وهو لبناني، أحد روّاد القصّة في مصر والعالَم العربي، وكان مؤسِّساً للقصّة النفسيّة كما دَرَجَ الباحثون على وصفه.

كان هذا الزخم حاضراً بقوّة منذ نهايات القرن التاسع عشر حتّى منتصف القرن العشرين، وكان أَثَرُ اللّبنانيّين في المجالات كافّة بارزاً ومؤسِّساً وتاريخيّاً حتّى قامت ثورة 23 يوليو (تمّوز) عام 1952 لتُكتَب صفحة جديدة في مصر والعالَم العربي، وتقوم علاقات ذات وشائج أكثر تماسُكاً ووعياً، ولكنْ على أرض لبنان.

ففي العام 1953، توقّفت مجلّتا «الرسالة» و«الثقافة»، وهُما المجلّتان اللّتان كانتا من أهمّ المَنابر الثقافيّة في الوطن العربي؛ ولكن بتغيُّر الأحداث التاريخيّة، وصعود خطابٍ ثقافي وفكري آخر، خطاب يعبّر عن روح جديدة لعصر جديد، جاء البديل العربي الثقافي والفكري من لبنان، إذ تأسَّست مجلّة «الآداب»، والتي ترأَّس تحريرها الناقد والأديب سهيل إدريس، الذي ظلّ يُخطِّط للمجلّة منذ فترة سابقة، واستعان فى تفكيره وتخطيطه بنخبة من الكتّاب والمثقّفين المصريّين والعرب. وتُشكِّل الرسائل التي أرسلها إدريس للناقد أنور المعداوي خيرَ دليل على هذا التخطيط المُشترَك، وكان المعداوي هو الذي يدير مجلّة «الرسالة» قبل أفولها وتوقّفها تماماً.

لم يكُن التعاوُن بين المثقّفين والكتّاب المصريّين على صفحات المجلّة تعاوناً بالمعنى المألوف، بل كان يصل إلى حدّ الشراكة، فقرأنا أهمّ المَعارك والدراسات والمقالات التي كتبها المصريّون: محمود أمين العالِم ورجاء النقّاش وأنور المعداوي وسليمان فيّاض ومحي الدّين محمّد ونجيب سرور وغيرهم.. وغيرهم، وظلّت هذه الشراكة قائمة وفاعلة حتّى توقُّف المجلّة في بدايات القرن الحالي، وأثبتت مجلّة «الآداب» أنّها ليست مجلّة، بل أنّها تيّار قوميّ عروبيّ يقود الثقافة العربيّة باقتدار، وعلى أرض الواقع، بعيداً من التنظير المتقعِّر، والبعيد عن أشكال التطبيق كافّة.

وعلى غرار مجلّة «الهلال» التي تحوّلت إلى مؤسّسة، صارت مجلّة «الآداب» مؤسّسة للنشر أيضاً. وعن هذه المؤسّسة، صدرت أهمّ الدواوين الشعريّة التي كانت علامات في تاريخ الشعر العربي، وأخصّ بالذكر هنا ديوانَي «الناس في بلادي» للشاعر صلاح عبد الصبور، والذي قدَّمه الناقد بدر الديب في العام 1957، ثمّ «مدينة بلا قلب» للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، والذي قدَّمه الناقد رجاء النقّاش في العام 1959، والديوانان كَتَبا للشاعرَين مَجداً لم ينلْه شعراء آخرون.

كما صدر عن دار الفكر الجديد اللّبنانيّة أوّل كِتاب نقدي للكاتبَين محمود أمين العالِم، وعبد العظيم أنيس، وهو «في الثقافة المصريّة» في العام 1955، وكَتب له الناقد حسين مروّة مقدّمة عظيمة، وأَحدث الكِتاب دويّاً واسعاً في الحياة الثقافيّة العربيّة، ما زالت أصداؤه تتردَّد حتّى الآن في كِتاباتٍ نقديّة كثيرة، لأنّ الكِتاب كان مُعبِّراً بدقّة عن ذائقة الأدباء الجُدد في ذلك الوقت، واعتبره هؤلاء الأدباء بمثابة دستورهم المُنتظَر. كما نَشرت دار الفكر المصريّة كِتاباً مُهمّاً للناقد حسين مروّة عنوانه «قضايا أدبيّة»، وأَخذ هذا الكِتاب مساحة واسعة أيضاً من مُحاورات الكُتّاب والنُقّاد والمُفكّرين ومناقشاتهم.

وصارت بيروت هي القبلة الأولى التي ينطلق منها الكُتّاب والمُبدعون العرب والمصريّون، فعلى سبيل المثال، صدر ديوان «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» لأمل دنقل من بيروت. كما تصدَّرت دار الآداب نشْر أكثر الروايات إشكاليّة، وهى رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، والتي مُنعت من النشر في القاهرة، فكانت بيروت هي الحاضنة والناشرة والتي أنقذت الرواية من تبدُّد مفعولها في تلك السنوات العصيبة.

ولا بدّ أن نوضح أنّ هذا الدور الذي كانت تقوم به بيروت، كان دَوراً حضاريّاً يُدرك صنّاعه ماذا يفعلون، وماذا يُقدّمون للثقافة العربيّة. ومن المعروف أنّ أهمّ الكِتابات السياسيّة، والتي كانت ممنوعة في بلادها، كانت تصدر في بيروت، حتّى صارت بيروت تضمّ وتحتضن سائر المثقّفين والكتّاب العرب الذين قدَّموا لبلادهم أهمّ الثمار في الشعر والقصّة والرواية والصحافة، إذ كانت تحتضن محمود درويش وأدونيس وغالي شكري ومحمود أمين العالِم وميشال كامل وسعدي يوسف، وغيرهم، ومن خلال بيروت خرجت أهمّ الأصوات والمجلّات والتيّارات الثقافيّة، مثل مجلّة «شعر»، و«الثقافة الوطنيّة» و«مَواقف» وغيرها.. وغيرها من مجلّات.

لذلك كانت بيروت دوماً هي العقدة الكئود لكلّ حاملي الحقْد والتطرُّف والرجعيّة، وبيروت كانت تستعصي على الانتهاء، أو على التقليل من دَورها، في كلّ مرّة تصيب بيروت الكارثة، ولكنّها كانت تقوم وتنهض وتقف على أقدامها حتّى تُواصِل الدَّور الذي يليق بها على المستويات التي اضطَّلعت بها في الماضي.

لذلك كانت بيروت هدفاً حيّاً لكلّ هؤلاء الخارجين من كهوف التاريخ والماضي، لكي يحاولوا تدمير البلد الذي أصبح رمزاً للاستنارة والتقدُّم على الرّغم من كلّ ما يكبِّل جسده من صراعات محليّة ذات طوابع طائفيّة أو إثنيّة وخلافه، هؤلاء الخارجون من كهوف التاريخ، ومن أشدّ مَساحاته إظلاماً، لا يساعدون لبنان على النهوض، بل يُفاقمون الضربات حتّى يُخمِدوا تلك الشعلة، حتّى يُوقِفوا ذلك النبض الذي كان يُحرِّك تيّارات وثقافات وعقولاً في سائر عواصم المنطقة، وهو البلد الصغير جغرافيّاً، ولكنّه صار الامتداد الأعظم لكلّ العواصم التي حوله. ومن هنا جاء الحقد، وانبثقت الكراهيّة لتدميره، وفي اعتقادي أنّه بلد يستعصي على التدمير. هذا ليس أملاً ولكنّه عقيدة.

شعبان يوسف

شاعر وناقد مصري

(بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي) ونشرة (أفق)


أخبار ذات صلة

بيان من لجنة "أهالي مهجري المدور والكرنتينا".. عاد الجميع وما [...]
أ.ف.ب.: محكمة روسية تأمر بسجن المعارض نافالني حتى 15 شباط
مندوب إيران في الأمم المتحدة: لم نحدد نسبة التخصيب عند [...]