بيروت - لبنان 2020/10/29 م الموافق 1442/03/12 هـ

بيروت وحيفا... الصراع بين مرفأين

مرفأ بيروت (الأربعينات)
حجم الخط

شكّل الموقع المميّز لمدينة بيروت في وسط الساحل الشرقي للبحر المتوسط، نقطة جذب للاستثمارات الأجنبية والمحلية، وجعل من هذه المدينة في طليعة مدن الشرق العربي تطوّراً، مما جعلها تلعب الدور المتقدّم على كافة الأصعدة منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر.

وقد احتلت بيروت مكانة مميّزة في عالم التجارة، وقد كانت المركز المالي والمصرفي، لتشكّل بعد أحداث العام 1860، نقطة إنطلاق للمصالح الفرنسية في الشرق، كما استفادت بيروت أيضاً من مسارات التحديث العثمانية، ليتم إعلانها مركزاً لولاية عثمانية، ليتنامى دور المدينة الإقتصادي الأقليمي، ليحصل حينها نوع من إحتدام المنافسة بين المصالح الفرنسية والبريطانية، خاصة أن هذه الأخيرة، قد فرضت سيطرتها على مصر، لتأمين تجارتها الدولية عبر قناة السويس، فكان مرفأ حيفا هو نقطة الثقل البريطانية، حيث عمل البريطانيون على توسيع المرفأ، وبنوا سكة حديد بين حيفا ودمشق، ليبدأ التنافس بين مرفأي حيفا وبيروت للقيام بدور البوابة البحرية للواجهة الشرقية للبحر المتوسط، علماً بأن مرفأ بيروت قد كان متفوّقاً بإستحواذه على 75% من التجارة مع الداخل الشامي.

بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، بدأ تنفيذ مضمون إتفاقية سايكس - بيكو، فقام الفرنسيون بتوسيع مرفأ بيروت وتحديثه، وتكرّس بالتالي المرفأ الرئيسي للداخل السوري، لتشهد ثلاثينيات القرن العشرين تحوّلات عدة ناتجة عن إضطرابات إقتصادية وإجتماعية وسياسية في لبنان، ليحدث تراجع لمرفأ بيروت في المنافسة القائمة مع مرفأ حيفا الواقع تحت السلطة البريطانية، حيث قامت هذه الأخيرة بتحديثه وتوسعته لتبلغ مساحة الرصيف الرئيسي فيه 35 هكتاراً مقارنة بـ 23 هكتاراً للرصيف الرئيسي لمرفأ بيروت، لتحوّل فلسطين الى صلة الوصل بين أوروبا والشرق. وبحلول العام 1934، كان مرفأ حيفا قد تفوّق على مرفأ بيروت رغم توسعته وإنشاء سوق حرة فيه.


مرفأ حيفا (الخمسينات)

شهد العام 1948 حدوث نكبة العرب الكبرى، وكان لهذه النكبة تأثيرات بالغة الأهمية، وكان قطاع الخدمات في لبنان من أكثر المستفيدين من تلك النكبة نتيجة المقاطعة الإقتصادية العربية للكيان الصهيوني، فأصبحت بيروت هي صلة الوصل بين أوروبا وآسيا وأفريقيا عبر مرفأ بيروت، الذي حلّ بدلاً من مرفأ حيفا، كما استفادت بيروت أيضاً من الطفرة التي حدثت في الخليج العربي، نتيجة إرتفاع عائدات النفط ونمو الإقتصاديات النفطية العربية، وفي فترة ما بعد خمسينيات القرن الماضي، استفادت بيروت من موجة الإنقلابات التي حدثت في عدد من الدول العربية، لتنتقل إليها رؤوس الأموال العربية هرباً من عدم الإستقرار في دولها، وأصبحت بيروت أحد المراكز الرئيسية لتجارة الذهب العالمية.

كانت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين وبالاً على اللبنانيين، فقد وقعت الحرب، وأخذت معها كل مقوّمات الدولة وتلاشت الحقبة المزدهرة في فترة الستينيات، وكان لافتاً التدمير الممنهج الذي قام به الصهاينة، وما تعرّض له مرفأ بيروت لأهداف إقتصادية في معرض التنافس الإقتصادي بين بيروت وحيفا، ونتج عن الحرب التي عصفت بلبنان في كافة أشكالها أن خسرت بيروت دورها المركزي في المجالات الإقتصادية والسياسية، خاصة بعد حجم الدمار الذي لحق بمرفـأ بيروت، نتيجة الضربات الإسرائيلية والصراعات الداخلية.

بعد إنتهاء الحرب، قامت في بيروت أكبر عملية إعادة إعمار، منذ الحرب العالمية الثانية، وكان مرفأ بيروت قد عاد ليلعب دوره الريادي في المنطقة، رغم إختلاف الظروف وظهور مدن كبرى كدبي، إلا أن مرفأ بيروت تابع تطوّره رغم ما شهده لبنان من إعتداءات إسرائيلية طاولته كغيره من البنى التحتية اللبنانية.

مؤخراً، برز مصطلح طرق الحرير أو ما يعرف بطرق التجارة الدولية القديمة، وقد قامت الصين بإعادة إستنساخ لتلك الطرق القديمة، عبر مد شبكة من سكك الحديد في عدد من الدول، إضافة للقيام بعدد من الاستثمارات الخارجية في دول الشرق الأوسط، مما أعاد الى الأذهان ذلك الصراع الدائم بين مرفأي بيروت وحيفا، خاصة بعد قيام الإستثمارات الصينية بالبحث حول الإستفادة من ميناء حيفا، مما يحتم على لبنان القيام بخطوات للحفاظ على دور بيروت الريادي خاصة مرفأ بيروت، في ظل أخطر أزمة وجودية يمرُّ بها لبنان كهوية إقتصادية.



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 29-10-2020
وسام الأرز الوطني للبروفسور ناجي الصغير
29-10-2020