بيروت - لبنان 2020/02/26 م الموافق 1441/07/02 هـ

تحية إلى «ألبرت حوراني» في الذكرى السنوية الـ27 لوفاته (1)

أربع لوحات عشتها مع «ألبرت حوراني»

مدخل كلية سانت أنتوني
حجم الخط

«ألبرت حوراني»، هو ابن «فضلو حوراني» و«سميَّة الرَّاسي»، شقيقة «سلام الرَّاسي»، شيخ الأدب الشَّعبي في لبنان، اللذين هاجرا من «مرجعيون»، في «لبنان»، إلى «مانشستر»، في «إنكلترة»، حيث ولد هو في 31 آذار من سنة 1915. يعتبر «ألبرت حوراني»، في الدَّوائر الأكَّاديميَّة العالميَّة، أحد المرجعيَّات العِلميَّة المرموقة في موضوعات التَّاريخ الثَّقافي للشَّرق الأوسط المعاصر؛ وهو، أيضاً، أحد أبرز الباحثين الأكَّاديميين، الذين ضمَّتهم «جامعة أكسفورد» (University of Oxford) العريقة، في بريطانيا، إلى رحاب «زمالتها» (fellowship) الأكَّاديميَّة، منذ سنة 1948؛ كما أنَّه مَن أسَّس، سنة 1957، «مركز الشَّرق الأوسط» (The Middle East Centre)، في «كليَّة سانت أنتوني» (St. Antony`s College)، في تلك الجامعة، واحداً من أبرز المراكز العالميَّة للبحث الأكاديمي في الشُّؤون السيِّاسية والثَّقافية للشَّرق الأوسط. تخرَّجت، بإشراف «ألبرت حوراني»، في «جامعة أكسفورد»، نُخَبٌ من أهل البحث والأكاديميَّا من أرجاء العالم قاطبةً، ومنهم أعلامٌ من أكَّاديميٍّ العالم العربي. توفيَّ «ألبرت حوراني» يوم الأحد الواقع فيه السَّابع عشر من شهر كانون الَّثاني من سنة 1993.

اللَّوحة الأولى: الزَّمان: تشرين الأوَّل 1974؛ المكان: مدينة «أكسفورد» – إنكلترا

كنتُ، في شهر تشرين الأوَّل من سنة 1974، في حالين معاً: أقصى الفرح وأقصى الارتباك. الفرحُ، لأنِّي كنتُ في رحاب «جامعة أوكسفورد»، في إنكلترة؛ وقد قُبلتُ هناك لإعداد أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه في «المعهد الشرقي» فيها، (The Oriental Institute)؛ أمَّا الارتباك، فلأنِّي كنتُ، وقتذاك، غريباً ووحيداً، وقلقاُ إلى حدٍّ كبير؛ إذ كان عليَّ أن أتعامل، دفعةً واحدةً، ولأوَّلِ مرَّةٍ في حياتي، مع أناسٍ ما كنتُ أعرفهم؛ وأن أفهم لكنة كلامهم، التي ما كنتُ قد ألفتها من اللُّغة الإنكليزيَّة؛ كما كان لا بدَّ لي مِن حُسنِ تصرُّفٍ من خلالِ أنظمةٍ ومفاهيم وأعرافٍ، ما كان لي أيَّة درايةٍ بها مِن قبل.

زاد من كلِّ هذا الارتباك، ما قيلَ لي، لحظة مقابلتي للقيِّمة الإداريِّةِ على «المعهد»، أنَّ قبولي في «المعهد الشَّرقيِّ» في جامعة «أوكسفورد»، لن يصبح نافِذاً ما لم يكن ثمَّة انتساب لي إلى إحدى كليَّات الجامعة! وما كان منيِّ، عندها، إلاَّ أن سألتُ القيِّمة الإداريَّة على المعهد، وبذهولٍ واستغرابٍ لفَّا كياني وأشعلا غيظي، طالما أنَي مقبولٌ لدراسة الدكتوراه في «المعهد»؛ فما حاجتي، تالياً، إلى الانتساب الى كلية؟! وكان الجواب الحاسم، أنَّه لا بد للملتحق بأيِّ معهد أكاديميٍّ في «جامعة أوكسفورد»، من أن يكون منتسباً إلى إحدى كليَّاتها! ووقتها لم أستوعب، أو لم أعِ، ما عليَّ فهمه من الموضوع؛ كلُّ ما كنت مُدْرِكاً له، أنَّ في الجامعات، كما كنتُ أعرف من تجربتي الجامعيَّة في لبنان، «كليَّاتٌ» كما فيها «معاهدٌ»؛ وأنَّ الطَّالب يلتحقُ بكليَّةٍ أو معهدٍ وفاقاً لما ينوي دراسته في الجامعة! 

أحسّت مُحَدِّثتي بحرجي؛ فقالت، وابتسامة إنكليزيَّة الصُّنع، شديدة التَّهذيب ترتسمُ على وجهها الخمسينيِّ الممتلئ، إنهم، في «المعهد» يرشِّحوني للانتساب إلى كليَّة «سانت أنتوني» (St. Antony’s College) ؛ ولا بدَّ لي من أن أتوجَّه، في أسرع وقتٍ ممكن، إلى تلك الكليَّة، لإجراء مقابلة الدَّخول. وأفهمتني محدثتي أنَّ تلك المقابلة هي بمثابة امتحان؛ فإذا ما نجحت في المقابلة، فإنِّي أصبح مقبولاً، بشكل نافِذ، في «المعهد»، وإلاَّ فَعَليَّ أن أبحث لنفسي عن انتساب إلى كليَّة أخرى تقبل بي، أو أعود أدراجي خائباً إلى بلدي.


ألبرت حوراني

كان حديث القيِّمة الإداريَّةِ صاعقةً آلمتني، وإن لم أفهم من منطق هذا الحديث شيئاً. وضحكت محدِّثتي برصانةٍ حاسمةٍ؛ وجلجلت ضحكتها ضبابَ رؤيةٍ أرخي سدوله فوق تفكيري المشدوه، حين قالت لي، سوف تفهم لاحقاً، هذه «أوكسفورد»؛ أسرع وقدِّم أوراقك إلى «كليَّة سانت أنتوني»، إنَّها الأفضل بالنِّسبة إلى اختصاصك. اذهب إلى شارع «وود ستوك رود» (Woodstock Road)، وستجد مبنى «الكلية» هناك. وحاولت ان أسأل عن العلاقة بين دراستي في «المعهد الشَّرقي» وملاءمة اختصاصي مع «كليَّة سانت أنتوني»؛ فما كان من السيِّدة القَيِّمة إلا أن أسكتتني قائلةً لي «أسرع الآن إلى الكليَّة؛ وبعد ذلك سوف تفهم؛ لا مجال لديك لهدر مزيد من الوقت؛ لا عليك، إنَّها «أوكسفورد»؛ وجلجلت ضحكتها الرَّصينة، من جديد، في أذني!

حملت ذهولي وهمومي، وقد تسربلت بهم أفراحي، إلى مبنى تلك الكلية. هناك قالت لي الموظَّفة التي استقبلتني، إنَّها استلمت ترشيحاً لانتسابي إلى الكليَّة من «المعهد الشَّرقي»، وقد عُيِّنت السَّاعة الحادية عشرة صباحاً، من يوم بعد غدٍ، موعداً لمقابلة الدُّخول، التي سيجريها لي نائب القَيِّم الأكَّاديميِّ على الكليَّة (the sub-warden)، الأستاذ «ألبرت حوراني». وبرق الأمل فرحاً مدراراً؛ هو «ألبرت حوراني»، إذاً؛ وهو اسم طالما سمعت به أثناء دراستي في «الجامعة اللُّبنانيَّة»؛ وكتابه «الفكر العربيُّ في عصر النَّهضة»، كان قد نقل مؤخَّراً إلى العربيَّة بواسطة الأستاذ «كريم عزقول»، الذي كان يعطي محاضرات عندنا في الجامعة؛ وفوق كلِّ هذا، هو لبناني الأصل؛ فهل ستنفتَّح مغاليق جَميعِ هذه المعمَّيات عند مقابلتي له؟! وبدأت أعدُّ السَّاعات انتظاراً، في غربة شاملةٍ ماحِقَةٍ، للقائي مع «ألبرت حوراني»؛ إذ في هذا اللِّقاء يكمن مصير حياتي في جامعة «أكسفورد».

وقفتُ قبالة مكتب تلك الموظَّفة الإداريَّةِ، في «كليَّةِ سانت أنتوني»، عند الموعد المحدَّد لي، أسألها عن مكتب «الدكتور حوراني»، لإجراء المقابلة. ابتسمت، ثم قالت لي إنَّ «السيِّد حوراني» (Mr. Hourani) سيقابلني في قاعة تناول القهوة في الكليَّة، وليس في مكتبه؛ وأرشدتني، بابتسامة إنكليزيَّة شديدة التَّهذيب والإيجاز، إلى طريقي إلى تلك القاعة. توجَّهتُ إلى هناك مذهولاً، أُسائل نفسي لمَ لا يقابلني «الدكتور» في مكتبه؛ ولِمَ تشيرُ إليه الموظَّفة بلقب «السيِّد»، وهو «الدكتور» العظيم والمؤرِّخ البحَّاثة المشهور؛ فخطأٌ مثل هذا، فيما لو ارتكبته حماقةُ احدى موظَّفات «الجامعة اللُّبنانيِّة» بحقِّ أيِّ أستاذ عندنا، لكفيل بأن يقيم الدُّنيا ولا يقعدها. للّهِ درّكِ يا «أكسفورد»!!

دخلتُ القاعة، وكانت قاعة كبيرة جداً، انتشرت فيها مجموعات من المقاعد الوثيرة الأنيقة؛ ولا أحد فيها سوى رجل أشيب الشِّعر رقيق البنية. بادرني الرَّجل بِذِكْرِ اسمي، ثمَّ تقدَّم منِّي مرحِّباً ومعرِّفًا عن نفسه، بتهذيبٍ بالغ، بأنَّه «ألبرت حوراني». كان يحدِّثني بلغة عربيَّةٍ عذبة، بَلْسَمَت كثيراً جداً من أوجاعِ غربة أسبوعي الأوَّل.

قال لي، «اخترتُ أن نلتقي هنا، وليس في المكتب؛ فالمكان هنا أكثر الفَةً، ولا حاجة لنا إلى المكتب، خاصَّة وأنِّي أحضرتُ ملفَّ تسجيلك، معي؛ وفيه كلُّ ما قد نحتاج إليه من وثائق أكاديميَّة وشخصيَّة؛ لا عليك، أخبرني، مِن أين أتيت مِن لبنان؟» قُلْتُ، «مِن بيروت»؛ فسألني، «ومِن اين في بيروت؟»، فأجبته، «مِن «برج أبي حيدر»؛ فقال، «آه، أعرف هذه المنطقة، إنَّها بالقرب مِن «المُصَيْطِبَة»؛ لقد أقمتُ في منطقة «المصيطبة» مدَّة عند شقيقي، كان بيته بالقرب من مَسْكَنِ «آل سلام»». وهنا، لم يعد ثمَّة غربة ولا وحدة، أحسست أنِّي مع ابن وطني ومع من يعرف بلدي وناسها؛ بل ها أنا أتحدَّث معه بلغة أهلي. وهنا أردف «ألبرت حوراني»: «هيه، حدثني ماذا يفعل «آل سلام» هذه الأيَّام»؟

ودار الحديث بيننا، من السِّياسة المحليَّة في لبنان، إلى موضوع الطَّائرات التي كانت قصفت مخيَّمات الفلسطينيين قبل سنة، إلى الوضع العربي ثم إلى موضوع أطروحة الدكتوراه. ووجدت، من دون أن اشعر، أنَّ «البرت حوراني» قد نقل لغة الحديث بيننا من العربيَّة إلى الإنكليزيَّة. وكانت لنا جولة، باللغة الإنكليزيَّة، في رحاب أدباء النَّهضة العربيَّة، ودور «بطرس البستاني»، وعلاقة الكّتاب اللُّبنانيين بمصر في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين. وكان ان انتهى اللِّقاء، بالعودة بنا، وبمبادرةٍ من «ألبرت حوراني»، إلى الكلام باللُّغة العربيَّة؛ إذ أخبرني عن موافقته على انتسابي إلى الكليَّة، وبأنَّه سيقدِّم تقريراً ايجابيَّاُ عن هذا الأمر إلى مجلسها. ثم شرح لي أنَّ «الكليَّة» في «جامعة أكسفورد» هي بمثابة الأسرة التي أنتمي إليها، فيها أقيم وآكل، وألتقي النَّاس؛ أمَّا «المعهد»، فهو الجزء الأكَّاديميّ من «الجامعة»، وهو المؤسسة التي تَهْتَمُّ بالإشراف على دراساتي وأبحاثي في مجال تخصصي لنيل الدكتوراه. وعلمت منه أنَّ كثيراً من المنتسبين إلى «كلية سانت أنتوني» تنصبُّ أبحاثهم ودراساتهم على موضوعات الشَّرق الأوسط؛ الأمر الذي سيؤمِّن لي جوَّاً مريحاً ومفيداً، وممارسة ثقافية تقوم على التَّبادل المتخصِّص والمعمَّق، مع ناس الكليَّة، من أساتذة وطلاَّب، في المعارف والمناهج. ثم أخبرني أنَّه فضلاً عن تعيين المشرف الأكَّاديمي على عملي، فإنَّ تقاليد «الجامعة» تقضي بأن يكون لي مرشدٌ جامعيٌ يرعى شؤوني العامَّة بل وحتَّى تلكَ الخاصَّة، إذا ما أردت. وقال لي إنَه سيكون هو هذا المرشد الجامعيِّ لي في الكليَّة.

هكذا أخرجني «ألبرت حوراني»، في لقائي الأوَّل معه، مِن صقيع الغربة وبهيم ليل الوحشة، إلى دفء المودَّة وزهو أعماق الألفة الباسمة، بلطفٍ لم اعهده مع أحد من قبل، وبلباقة ما حلمت أنَّ استاذاً جامعيَّاً كبيراً، بمقامه الذي طالما سمعتُ عنه، قد يمارسها مع تلميذٍ، ليست له به سابق معرفة. ومع «ألبرت حوراني» دخلت «كليَّة سانت أنتوني»، فرحاً بانتمائي إلى لبنان؛ وإلى مودَّة هذا الأستاذ، الذي لم ينسَ، ولو للحظة، أصله اللُّبناني، ولم يفقد ابداً رغبته في مساعدة أبناء البلد الذي وُلد فيه آباؤه وأجداده.

أما المفاجأة الكبرى، فكانت لما علمتُ، لاحقاً، أنَّ «ألبرت حوراني» لا يحملُ شهادة الدكتوراه، بل شهادة الماجستير من «أكسفورد (M.A. Oxon)؛ وأدركتُ عندها أنَّ «أوكسفورد» لا تعتمد مجرَّد وثائق الشَّهادات وحدها لتقييم ناس الأكَّاديميا، بل تعتمد الشَّخصيَّة الأكاديميَّة والنِّتاج العلميَّ مقياسين، أكثر أهميَّة وأشدَّ فعاليَّة، من ايَّة شهادة. فكبير من «أوكسفورد»، مثل ألبرت حوراني، كان كبيراً بعلمه وعطائه اللَّذين أغنى بهما جامعته ودنيا اختصاصه؛ ومنح، بوجوده العلميِّ، شهادات الدكتوراه لآخرين مِن أعظم جامعات العالم، لم يكن هو نفسه حاملاً لوريقة كُتِبَ فيها أنَّه «دكتور»!

وإلى اللِّقاء في مع الحلقة الثَّانية.



 رئيس المركز الثَّقافي الإسلامي


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 26-2-2020
الحراك أمام المحكمة العسكرية لإطلاق الموقوفين (تصوير: طلال سلمان)
نصائح الصندوق: كلام بكلام يصدم «حكومة المواجهة»!
تحييد لبنان هو المفتاح لفك طوق العزلة