«ليس أمراً ينطبقُ على طبيعةِ الأمورِ أنْ يلتمسَ الربَّانُ من البحَّارةِ أن يأذنوا له في أنْ يديرَهم».
كما خرجت ابنةُ عمِّه (ناقةُ صالح) من الجبل، في منطقة الحِجْرِ، حمراءَ عُشَراءَ، خرج (فرحان صالح) بمعجزةٍ أسطوريَّةٍ مماثلة - بعد آلاف سنواتٍ - من «الشقيفِ» الكائنِ غربيِّ كفرشوبا، قريةِ إله الهواء الحوريِّ «شوب»!، عندما تمثَّل والده (عثمان صالح) لحسناء القرية (مسعدة عبدالله) وهي تتنزّه في أنحاءِ سفوح جبل «حرمون».
إلّا أنَّ المفارقة أنَّ «أرض شوبا» ليست كـ «واحة العلا» في الحجاز، ليتخاصم قاطنوها على شرب يومٍ معلومٍ؛ فـ «أرض شوبا» تفيض عسلاً ولبناً، (هي أرض جبل الأرز حرمون، وهي أرض الخالدين) كما جاء في ملحمة جلجامش، وكجنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، كان يحجُّ الكنعانيُّون إلى المعابد المنتشرة فوق قممها آواخر صيف كلِّ عام بعد حجِّهم إلى معابد بعلبك، فيسكبون على أرضها ماء جرارهم التي ملأوها من البحر، لينالوا رضا الإله حرمون فيجعلُ الموسم خصباً ووافراً في العام القادم ويستمرُّ بتزويد الينابيع بالمياه، ذلك الحجُّ الذي استمرت شعوب المنطقة بأدائه حتى القرن الخامس بعد الميلاد، وفوق قمَّةِ «قصر شبيب»، أحد المعابد الدَّارسة، نُقش على قطعةٍ من حجارته: «بأمرٍ من الإله الأعظم المُقدَّس، قدِّموا النذور في هذا المكان»؛ فأنّى لأهل تلك الأرض الطَّيِّبةِ المباركةِ أن يقعروا «ناقة الله» وفصيلها!!!
وهكذا ابتسمت الحياة لـ «فرحان» الذي ترعرع وشبَّ في ذلك الفضاء العابق بالأساطير والقداسة منذ فجر الوجدان. فليس بعيداً عن القرية «كفرشوبا» لجهة الجنوب هناك «مشهد الطَّير»، الذي يقصده الأهالي للتبرُّك ولإيفاء النذور والتَّوسل بصاحبه لتحقيق الأمنيات، المكان الذي قام فيه نبيُّ الله إبراهيم الخليل بمعجزة الطَّير، فأتى على ذكرها القرآن الكريم بقوله: {وإذْ قال إبراهيمُ ربِّ أَرني كيف تُحيي الموتى، قال أَوَلَمْ تؤمن، قال بَلى ولكِنْ ليطمئنَّ قلبي، قال فخُذْ أربعةً منَ الطَّير فصُرْهنَّ إليك ثمَّ اجعل على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءاً ثمَّ ادعُهُنَّ يأتينك سعياً، واعلم أنَّ الله عزيزٌ حكيم}. (البقرة: ٢٦٠).
وفي أسفل جبل حرمون، في الجهة الجنوبيَّة الغربيَّة، عند ملتقى مثلَّث الحدود الدَّوليَّة اللُّبنانيَّة - الفلسطينيَّة - السُّوريَّة، تقع مدينة «بانياس»، وما أدراكَ ما بانياس!
إنَّها «بعل جاد» إله الحظِّ في اللُّغات السَّاميَّة، والأرض التي اجترح فيها يسوع المعجزات، حيث كانت تُمارس طقوس الفجور والخلاعة في المناسبات والأعياد الدينيَّة ذات الطابع الوثنيِّ حتّى أنَّها وُصفت بـ «سدوم» عصرها.
وليس بعيداً عن كفرشوبا، يقع «سوق الخان»، الذي يُقام، نهار الثلاثاء من كلِّ أسبوع، في الهواء الطَّلق بالقرب من مجرى نهر الحاصباني (أحد روافد نهر الشريعة) الأردن، وقريباً من سفح تلَّة «إيزي» الإلهة المصريَّة (إيزيس)، التي كان جنود الحملة المصريَّة في ذلك التاريخ المبكر يُقيمون عندها مناحتهم السنويَّة على الإله القتيل «أوزيريس»، بعد أن غدر به أخوه الإله «ست»، لعنه الله وجعله في الدرك الأسفل من الجحيم !...
وفي ظلال أشجار الكينا الوارفة كان أبناء العرقوب (ومن بينهم الفتى فرحان)، وأبناء وادي التيم والجولان وجبل عامل وأهل سهل الحولة (قبل الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين)، يتوافدون لتبادل السلع والأفكار كما يقول ول ديورانت في مقدمة مؤلفه الشهير «قصة الحضارة»، وهو يتحدث عن التجارة بين شعوب العالم القديم. فسوق الخان كان ملتقى طرق القوافل من ميناء «عصيون جابر» على خليج العقبة إلى كيليكيا تراخيا (الوعرة) وكليكيا بيدياس (المنخفضة) في آسية الصغرى، مروراً بوادي عربة والمدن التي خسفها الله قرب البحر الميت (سدوم وعمورة) فالأغوار ووادي التَّيم وسهل البقاع إلى وادي نهر العاصي الذي أطلق عليه قدماء المصريين اسم Araunti، وبين مدن ساحل فينيقيا كصيدا وصور وصولاً إلى أرام دمشق.
ولعلَّ صاحبنا «فرحان» يعود ببعض جيناته إلى المصريِّين القدماء، الذين ظلوا يشربون الخمر من خوابي مدينة «جنعم» وسواها من مدن جبل حرمون لمدة ثلاث سنوات على ما تذكر كتب التاريخ التي أرَّخت لتلك الحملات حسب ما ذكر الدكتور نبيل أبو نقّول في مؤلفه (جبل حرمون من آدم إلى المسيح). فلا يستغربنَّ أحدٌ عشقَ ذلك العملاق الحرمونيِّ لأرض الكنانة ومحاولة بعث تلك العلاقات الحميمة من جديدٍ، بين فينيقيا و(Ha- ka -ptah) مقر الـ «كا» الخاصَّة بالإله بتاح، التي نحت الأغريق منها اسم Aigouptos لتعرف به مصر حتى اليوم.
معرفتي بفرحان تعود لأوائل سبعينات القرن الماضي، أي ما يزيد على الخمسة والأربعين عاماً. جمعتنا الآمال المشتركة وهموم الوطن الكبير من محيطه إلى خليجه، وما أعقبها من خيبات أملٍ بدءاً من الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة وصولاً إلى الإجتياح الإسرائيلي وسقوط ثاني عاصمة عربيةٍ (بيروت) تحت براثن الإحتلال الذي ما زالت تداعيات ارتداداته قائمةً حتَّى اليوم.
أهداني فرحان حوالي المئة كتاب، كانت النواة الأولى لتشكيل مكتبتي الخاصَّة، وبداية رحلتي مع الحرف والكلمة.
كان منزل فرحان في قرية «بدغان» قرب صوفر، الملاذ الآمن لكل المعارف والأصحاب عندما تتأزَّم الأوضاع في العاصمة، ليفوق أحياناً عدد الفارين بأرواحهم، إلى ذلك المكان، الأربعين شخصاً، «فالمحلُّ الضِّيق يسع ألف صديق «جرياً على المثل الشعبيِّ الشائع». أمَّا زلفى (زوجته أم كامل)، فكانت كالأمِّ الرؤوم، لم تتذمّر ولو لمرّة واحدة ولا تخاطب أحداً إلّا مبتسمة.
وفي السنوات العجاف التي مررت بها، حين تحكّمت ميليشيات الطوائف وأمراء الحرب بالبلد، وعملت على قتل وطرد كلِّ من يخالفها الرأي، فتح لي فرحان باب بيته رغم ما قد يكلفه ذلك من ثمن. كانت أياماً صعبة وكان فرحان نعم الأخ والصديق الذي يمكن أن تستند إليه، تلك كانت أحداثاً مؤلمةً حقَّاً...
لذلك سأحدِّثكم عن شخصيَّة فرحان المرحة، وسأقصُّ عليكم تلك الطُّرفة المضحكة لنمسح صفحة الحزن التي أتينا على ذكرها من باب الأمانة التاريخيَّة:
كانت عائلتينا ترتطبان بعلاقات حميمة ومميّزة. يقيم فرحان في حيِّ «حارة حريك»، بينما كان أهلي يقيمون في حيِّ «برج البراجنة»، الملاصق لحيِّهم، المسافة بين منزلينا لا تتعدَّى الكيلومترين. قرَّر فرحان زيارتنا ذات يوم، وكانت تربطه بشقيقي «محمد»، الذي يصغرني بأربع أعوامٍ، علاقةً فكريَّةً حميمةً. فرحان كان وما زال لا يحسن قيادة السيّارات؛ طلب من السيدة زلفى (زوجته) أن ترافقه وتوصله إلى برج البراجنة. أدارت أمُّ كامل محرِّك السيارة البيجو ٥٠٤ البيضاء، وفي الطريق حصل حادث اصطدام بين سيارتهم وسيَّارة أخرى. نزل فرحان من السيّارة، وترك أم كامل تنتظر وصول الخبير بحوادث السير، قائلاً لها: «شوفي يا زلفى كيف بدِّك تحلِّي المسألة، أنا سأسبقك لعند محمد ضيا، وعندما تنهي الأمر حصِّليني هناك !!!...
رويت لكم القصَّة بكلِّ أمانة لتعرفوا حقيقة روح هذا الإنسان المرحة...
لفرحان، الذي له الأيادي البيضاء في تأسيس حلقة الحوار الثقافي، كلَّ التقدير والإحترام. لقد نجح في لمِّ شمل المثقفين في لبنان على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم ليتحاوروا ويتثاقفوا بالكلمة والمعرفة، وللخروج بالبلد من مستنقع الحرب الأهليَّة التي غرق الجميع في وحولها.
لم يقتصر دور الرجل على وطنه لبنان، الذي كان على رحبه أضيق من أن يلبِّي طموحاته التي لا حدود لها، فعمل على توسيع دائرة نشاطاته الثقافيَّة على امتداد الوطن العربي، فكان الرئة التي نتنفس بها داخل الوطن وخارجه. يمَّم وجهه شطر مصر كما فعل أسلافه في عصر النهضة وأجداده الكنعانيُّون منذ آلاف السنين، مدركاً بثاقب بصيرته أنَّ مصر هي الأم، «والإمّْ بتلِّمْ» كما يقول المثل الشعبي اللبناني، فانطلقت مراكبه من مرافئ صيدون وصور سيِّدة البحار شطر المحروسة، محمّلةً خوابي خمرة المعرفة والكلم كجدِّه قدموس الذي نقل إشعاع الحرف والمعرفة أينما رست سفنه في شواطئ المتوسط أو على طرفي الأطلسي.
وتمثل بأجداده الذين كانوا ينقلون خشب الأرز إلى مصر، كما نقلوا ثلج حرمون إليها من عكا وحيفا في القرون الخوالي.
مهما كتبت عن فرحان، قد لا تفيه كامل حقِّه، وإن ذكرت عنه شيئاً فقد تغيب عنك أشياء.
يكفيه وساماً على صدره أنَّه وضع المداميك الأولى لتلك المؤتمرات الثقافيَّة، التي شاركنا مؤخَّراً جميعاً فيها، بالمساهمة مع الدكتور محمد غنيم، القامة الثقافيَّة المصريَّة الشامخة، وسواهما من الجنود المجهولين الذين لا أعرف أسماءهم، فلهم منَّا ومن كلِّ المشاركين، من لبنانيين وعرب، أسمى آيات الشكر والإمتنان.
خضر ضيا