بيروت - لبنان 2020/05/28 م الموافق 1441/10/05 هـ

«سرير الغجري» لـ نسرين بلوط لوركا يكتب رواية المعتمد بن عباد

غلاف الرواية
حجم الخط

ربما ألفنا دأب كتّاب عالميين وعرب على إعادة سرد الإرث على لسان رموزه، أشبه ببعث سلبي لجوهر حضارات ضاربة، وتفكيك قيمها مجدداً بلسان أبطال ذاوين، وباتت الكتابة الأيسر والأخصب والأوسع إنتشاراً، لكن تمرّد الفنان هو الفارق بين إستدعاءٍ وإستدعاء.

عبر إيقاع سريع لسرد حكاية ليست كتداعي التائبين ولا تشبه خيبة النابشين لخبايا معركة التهمت نيرانها رفاقاً لهم، تأتي «سرير الغجري»، رواية لا تنطوي إلا على دفعنا للصمت والتلكؤ، سيرة التداعي لأكثر من معبد وأكثر من صفة ضاربة في الزمن، فليس للحب من عاطفة غير بؤس المجاهرة بميول غير مُثلى، وليس للجواري من مطامع غير تفسخ الرغبة كي يصلن إلى سدة الحكم في إمارة إشبيلية بإعلان الجارية إعتماد ملكة وخليلة للمعتمد بن عباد والذي أنتهى حكمه بأسره وإعتقاله على يد المرابطين في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وباتت ملامح الجريرة كتباشير قادمة من معركة محتدمة..

رواية كتُبت لتدخلنا في تيه الخطيئة، تدفعنا للعبور سراً لإقتفاء أثر أبطال موغلين فينا بخلود لم ندرِ به كالعادة، تحوّل جديد في سبر الأشياء وفق جرفها من الجذور ومعاينتها، أشبه برباطة جأش منوط بها وشم جرح متقيّح تغدو بمرور الوقت لحالة من التماهي بعطن الجسد الآدمي.

هكذا تأتي الدهشة عبر تحلل الرؤية وتفتقها في آن واحد، ومن إنقلاب أبيات الشعر على الوزير والشاعر أبي بكر بن عمار حين تتحوّل لضرب من وبال فن ألفناه وبشكل مجرّد.

تمضي نسرين بلوط في سرد حياة مثلييّ الجنس، تسعى في شق غبار كثيف لتصلنا بشخصياته، شعراء وملوك ووكلاء ملوك، فنانين ورسامين، تسوقنا لملامسة المسكوت عنه حين يجيء على شاكلة الحقائق الفظة، لتبق الدهشة حاضرة وسط كل ما يصدمنا، دهشة اليقين بالحقيقة ولو جاء متأخّراً يتجلّي الآن بجمالية الإيمان بالخطيئة كأساس وجودي صادم، وكمرجعية مثقوبة تختفي عندها الحاجة لإستلهامها مجدداً.

تلاشي بلاد الاندلس ألفناه بكاءً إسلامياً على حضارة تهتكت على يد أمير غرّ، لكننا الآن نتفحصها كعظام مسوّسة بالشذوذ قبلاً، إمارة أكتظت برغبات متحوّرة ما تنفك تترسخ في الوجدان كتاريخ جُبلنا على إستيعابه برموز خالية من الشك والريبة.

كتابة لا تتكئ على مثلية لوركا والوزير بن عمار وشذوذ سيلفادور دالي والمعتمد بن عباد وغيرهم بل تنحو في بناء موازٍ للجذور السريّة للحضارة عبر الإيعاز بمعرفة جديدة، فإعطاب الوهم بمثابة خلق جديد للوعي بتفاصيل تدفعنا لملامسته بطريقة مختلفة، إحتضان الإرث كمكنونات إنسان غير سويّ تظل الوسيلة الناجعة لقراءة الصعود الحضاري وإنحداره، ربما لا تبدو ثيمة الرواية كرؤية للعالم من خلال المثلية الجنسية، فالشخصيات تتحرك في زمن لا يسمح حتى للوشاية بذلك.

تُرى، ما جدوى سرد جاء على أنقاض تاريخ انقضى، حكاية تفند إرتقاء الحضارة الأوروبية على خبايا تُعلن للتو، بيد أنها باتت كفلسفة معاصرة للمجتمع الليبرالي الغربي؟!

ليس ثمة من تردّي سوى تحوّل الفن وتبدّله، فحينما تتجلُى تعاسة الإنسان ونكوصه في زمن من الأزمنة يتحتم على الفنان سبر عصب المجتمع وتركيبته، عبر رؤى متباينة، لكن الشيء الأنكأ حين يجيء الإبداع كمفارقة مشينة بين شخص الفنان وريشته، بين قصيدة الشاعر وسلوكه، مفارقة تعيدنا لفلسفة نيتشه المتمحورة حول معدن المبدع وأصوله النقية في وسط مثخن بالفنون والبطولات بيد أنه يفتقر كثيراً للسلالة المنوط بها تغيير جذري للامة والبشرية، رغم أن الفن ما ينفك ينبت ويتفتق على تربة المفارقات، أشبه بغاية لسد نقص الفنان نفسه قبل أن يكون حاجة ليملأ المساحة الرخوة والمريبة لأي حضارة لا سيما غير المتزنة، هكذا تتجلّى قيمة الرواية غير المنظورة، كمحاولة لخلخلة التماسك الصوري لتلك التربة وتركها للعابر، إمّا أن يعيد مواراة الجذور السوداء أو يواصل التمحيص والتدقيق عن المزيد من التفاصيل الباهتة في لوحة نفيسة مهترئة.

الكاتبة ربما سعت لإستقطاب تلصص القارئ عبر نكئ ذاكرة مثقلة بالزلّات لكنها سارعت لمغادرة شرنقة مثلييّ الجنس بملامسة وجدان إنساني خالص عبر تغلغلها في لحظات لا تنشد سوى رتق هوان إنساني متأصل.

أستعانت نسرين بلوط بشخصية لوركا شاعر أسبانيا في القرن العشرين ليكتب رواية وزير وشاعر ملك الطوائف المعتمد بن عباد، وكأن شخصية فرانكو جاءت لتختزل الزمن وتذيبه ضمن توظيف يرتئي تقريب زاوية الرؤية ودمجها في بُعد جنسي واحد، وباتت شخصيتا لوركا وأبو بكر بن عمار كمرآتين متقابلتين تعرّيان بعضاً البعض، بعضاً مما خبا وتألّق بينهما سواء سقوط الحضارة الإسلامية أو بزوغ شمس الحضارة الأوروبية.

أمين غانم


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 28-5-2020
الرئيس دياب وإلى جانبه وزيرة الدفاع عكر، بين العماد عون وقائد اليونيفيل اللواء كول
جلسة «الفيتوات»: إسقاط شمول العملاء بقانون العفو والكابيتال كونترول بقرار [...]
28-5-2020