بيروت - لبنان 2020/10/29 م الموافق 1442/03/12 هـ

سلسلة خَواطِر في النَّقد: الفَنِّيُّ (5)

حجم الخط

لِكُلِّ إنسانٍ قصَّة؛ قصَّةُ حياته، على الأقل. وفي كلِّ قصَّة أحداث وقضايا، منها ما يُفرِح ومنها ما يُحزن، منها ما يحكي عن الوفاء ومنها ما يحكي عن الخيانة، منها ما يدور حول الحُبِّ ومنها ما يدور حول البغض. هيَ قصص، مثل كثير من تلك التي يمكن للمرء مشاهدتها في الأفلام السِّينمائيَّة أو التِّلفزيُّونية، أو على خشبة المسرح أو أن يقرأها في كتب الرِّوايات. كثيرةٌ هي المرَّات التي يجد فيها الإنسان أن يقرأ أو يشاهد، تشبه في بعض خطوطها العامة أو في بعض تفاصيلها أمورة من قصصه أو قصته الشخصية.

إنها قصص تنهل نبع الحياة الثر، تنطلق منه لتعبّر عنه،، ثم لتسعى إلى إغنائه بما حققته عبر القصة، التي أدبية وجودها. وقد يتساءل المرء: «إذا ما كان معين قصص الحياة بمجمله واحدة، فلم لا يكون كل الناس من كاتبي القصص ومؤلفي الروايات؟». ولعل السؤال في محلة حقا لكن سؤالا آخر لا بد وأن يليه: «لم لا ينجح كل الناس في أن يكونوا قصاصين وروائيين؟». وكذلك الحال إذا ما تناول الحديث مستوى الفن، «فلماذا لا ينجح كل الناس في أن يكونوا شعراء أو ملحنين أو ممثلين أو مخرجين؟». وتكرّ سبحة التساؤلات. كل هذه التساؤلات يمكن أن تصاغ بتعبير آخر: «كيف يتحوّل الحدث الحياتي إلى حدّث فني؟». والمقصود بالفني، ههنا، كل ما يمكن أن يقع في خانة الفن، بأبعاده التشكيلية والتعبيرية والإيقاعية والتوصيلية.

يعيش أناس، أحيانا، في بيئة واحدة، في مجتمع واحد، بل في بيت واحد، وفي غرفة واحدة. لكن هذا لا يعني، على الإطلاق، أن هؤلاء الناس يعيشون حقا مع بعضهم البعض، وأن الواحد منهم استطاع أن يصل بالفعل إلى قلب الآخر وإلى عواطفه وأحاسيسه. كثر هم زملاء العمل أو الدراسة، لكن قلّة قليلة من هؤلاء تستطيع أن تعيش في ضمير بعضها البعض. الأشقاء والأخوة كثيرة ما يكونون على تباعد فيما أكثر مما هم على تقارب؛ والزوج وزوجته قد يعيشون، في بعض المرات، وكأن جدرانه عالية تفصل بينهما ! فالعيش المشترك لا يؤدي وحده إلى دخول الإنسان عالم الإنسان الآخر الذي يشاركه هذا العيش. وكأن كثيرا من الناس يعيشون في علب زجاجية، كل علبة على حجم صاحبها ومداه؟ يرى من خلالها زجاج علب الآخرين بوضوح، لكن الاتصال مع هؤلاء الآخرين صعب، بل هو في أحيان كثيرة مستحيل. وقد يكون هذا الاتصال فعل توهم خادع أكثر منه فعل حقيقة. قد يعتقد المرء أن رؤيته للآخرين تعني اتصالا وهي في الواقع تعني معرفة فقط. والمعرفة، ههنا، بداية إرهاصات الاتصال وليست أبدأ نهايته. لذلك لا بد من أمر آخر يحقق تقارب الناس وتفاعلهم.

يسمع المرء عن قضية أو عقيدة، ويعتقد أنه بمعرفته لها قد تمكن من التفاعل معها؛ لكن شتان بين ما يعتقده وبين الواقع في كثير من الأحيان! إن هذا الفرق بين الواقع وبين الاعتقاد قد يشبه، في بعض حالاته، رؤية عملية قتل أو إعدام على جهاز التلفزيون. إن الرؤية عبر بلورة هذا الجهاز قد تؤمّن معظم، إن لم يكن كل، التفاصيل الظاهرة؛ لكن عيش الإنسان الذي ينقذ حكم الموت فيه فأمر آخر، أمر يختلف كثيرا وكثيرا جدا عن مجرد المعرفة. فلاكتمال فعل التواصل مع الحدث لا المعرفة من المعايشة، ولا بد مع المعايشة من التفاعل، ولا بد بعد التفاعل من الانفعال المبني عليه، ولا بد بعد الانفعال من الفعل إنسانية وأدبية انطلاقا من كل هذه المحصلة. عملية معقدة، أليس كذلك؟ ولكنها عملية.

الحاجز الزجاجي الذي يفصله عن الاخرين ويعمل على خداعه أبدا بأنه هو قدرة الإنسان على الولوج إلى أعماق حقيقية وواقعية، وهي ما يفصل الحادث الحياتي عن التعبير الفني عن هذا الحادث. المطلوب قدرة على اختراق حواجز الغرف أو العلب الزجاجية التي تفصل عن بعضهم البعض. إن هذا الاختراق هو مهمة الأدب، وهو ما يشكّل الشعري في الحياة الإنسانية. إن الإنسان موجود في كل واحد من الناس، لكن الصعوبة هي في وصول إنسان كل فرد إلى الآخر. 

وصعوبة العمل الفني الحقيقية هي في قدرة الفنان على توصيل إنسانه إلى الآخرين، وقدرته على استقبال إنسان الآخرين في ذاته. والسؤال الذي برح يطرح نفسه شكلا هو «كيف يكون هذا الأمر حتى يتم تحقق الشعري في الأعمال الإنسانية؟»؛ أما في المجال الأدبي فهو السؤال عن كيفية تحقق الفعل الأدبي في أروع وجود له. الحزن، كما القرح، موجودان في كل إنسان مهما اختلفت سیل التعبير عنهما باختلاف البيئة الزمانية والمكانية. فالإنسان، في أعمق أعماق وجوده، واحد في أحاسيسه، واحد في تفاعلاته، لكن المشكلة تكمن في مستويات التعبير عن هذا الإحساس. وهنا تبدأ لعبة الفني، أو ما يمكن تسميته بالمنهج إلى الشعري. إذا ما استطاع المرء الوصول إلى جوهر الوجود الإنساني، فالموضوع واحد والجوهر واحد بينه وبين كل الناس، مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة والأشخاص والظروف. لكن هل كل إنسان قادر على الوصول إلى هذا العمق، وهو عمق سحيق وسحيق جدا؟ لا بد من جهد للوصول إلى هذا العمق؛ ولا بد، مع الجهد، من مقدرة شخصية تقوم على حساسية وجدانية وطاقة عقلية معينتين؛ ولا بد، ذلك، هكذا يتحقق الفني وبه يكون الأدبي أو الشعري. هكذا يكسر المرء من مقدرة تعبيرية محيّرة. قد وصل إليهم. الفني الإنسان الذي فيه، والذي في جوهره هو عمق كل إنسان آخر؛ ثم إن الفني هو في قدرة هذا الإنسان الواصل، إلى هذه الأعماق، على التعبير عن العمق الذي استطاع أن يصل إليه. هذا هو سر الأدب العظيم؛ ولعله سر شكسبير ومسرحياته، الذي ما زالت أعماله، في تعبيرها عن أحداث خاصة بناس وأزمنة محددة، تمثل عمق العصور الإنسانية كلها، وتظل قادرة على الوصول إلى كل الناس والتجاوب معهم. ولعله، كذلك، السر الخاص بكتاب مثل «كليلة ودمنة» يقبل عليه الصغار كما الكبار، ويعجب به المثقفون والعامة، ويطرب له أهل كل زمان ومكان. وهو هذا السر الذي يفرق بين الأدب الذي لا يعبّر إلا لصاحبه عما فيه، ويبقی مع صاحبه ضمن تلك العلبة الزجاجية الخادعة!

 ---------------

* دكتوراه في النقد الأدبي من جامعة أكسفورد

(رئيس المركز الثَّقافي الإسلامي)


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 29-10-2020
وسام الأرز الوطني للبروفسور ناجي الصغير
29-10-2020