بيروت - لبنان 2019/10/15 م الموافق 1441/02/15 هـ

«شامِل ومِرعي» (الحلقة الثالثة) قصَّة نجاح وحكاية عن «مسكوت عنه» من التاريخ الثقافي في لبنان

محمد شامل في أحد أدواره
حجم الخط

ظهر «محمَّد شامل» و«عبد الرَّحمن مرعي»، قرابة اختتام العقد الرَّابع من القرن العشرين، على مسرح «الوست هول»، في «الجامعة الأميركيَّة في بيروت»، ثنائيَّاً كوميديَّاً، باسم «شامل ومرعي». لفت، هذا الثُّنائيُّ الصَّاعد، إليه الأنظار؛ وحاز دهشة جميع من شاهده وكلَّ من سمع بحواراته ونال إعجابهم. كان جمهور قاعة «الوست هول»، في غالبيَّته من المثقَّفين وأهل النُّخب الفكريَّة والاجتماعيَّة والسِّياسيَّة؛ وقد ساهم هذا في ازديادِ إعجاب كلِّ من سمع بهذا الظُّهور؛ وصار النَّاسُ في شوقٍ إلى مشاهدات جديدة ومتكرِّرة لـ «شامل ومرعي»؛ فكان أن فتحت «إذاعة الشَّرق الأدنى»، أبواب استديوهاتها في بيروت لهما؛ كما كانت قد شرَّعتها، كذلك، أمام نخبٍ من أهل الفن والثقافة في ذلك الزَّمن.

بدأت «إذاعة الشَّرق الأدنى»، Near East Broadcasting Station، البثَّ، بإدارة تابعةٍ لوزارة الخارجيَّة البريطانيَّة، سنة 1941، من مدينة «جِنين»، في فلسطين؛ ثمَّ عمد البريطانيُّون إلى نقل مكاتب هذه الإذاعة، لاحقاً، إلى مدينة «يافا»؛ التي كانت مركزاً ثقافيَّاً شديد النَّشاط والفعاليَّة في ذلك الوقت. وصار مقرُّ الإذاعة، إبَّان تصاعد الحملات الصهيونيَّة على العرب، سنة 1947، في «القدس»؛ كما جرى افتتاح استوديو تسجيل خاص بها في بيروت. ورغم كون «إذاعة الشَّرق الأدنى»، هذه، محطَّة إذاعةٍ سياسيَّة موجَّهة من قبل السُّلطات الإنكليزيِّة، فإنَّ قسم البرامج الفنيَّة فيها، حظي بحريَّة مطلقة في نشاطاته؛ وهنا يتمثَّل الدَّهاء السِّياسيُّ للإدارة البريطانيَّة في مساعيها لِجَذْبِ انتباهِ المستمعِ العربي العام إلى الإذاعة.

استقطبت «إذاعة الشَّرق الأدنى»، وقتذاك، كباراً من روَّاد من أهل الفن والثَّقافة، في أربعينات القرن العشرين وخمسيناته؛ منهم الشَّاعر الانتقادي «عمر الزِّعنِّي»، وكذلك الأدباء والكتَّاب والصحافيين أمثال «سميرة عزَّام» و«نبيل خوري» و«غانم الدَّجاني»، فضلاً عن روَّد الإخراج والإدارة الفنيَّة، أمثال «صبحي أبو لغد» و«صبري الشَّريف» و«محمَّد كريِّم» و«كامل قسطندي» و«عبد المجيد أبو لبن»، والملحنين والمغنين، أمثال «حليم الرٌّومي» و«الأخوين رحباني» و«محمد عبد الكريم» و«محمد غازي»؛ إضافة إلى الموسيقيين، أمثال «عبًّود عبد العال» و«قريد وحنَّا السَّلفيتي» و«عبد الكريم قزموز» و«إحسان الفاخوري»؛ « وقد ترك كلُّ واحدٍ من هؤلاء وزملائهم، الذين تعاونوا مع «إذاعة الشرق الأدنى»، بصمة خاصة له في مجال اختصاصه، مُذَّاك الحين، مروراً بستينات القرن العشرين وسبعيناته وربما حتَّى ما هو أبعد زمناً!

كان «محمَّد شامل»، إن جاز التَّعبير، مُهندِّس الثُّنائيّ، «شامل ومِرعي»؛ إذ انفرد برسم شخصيَّاته ووضع حواراته؛ وكانت الشَّخصية المحوريَّة للثُّنائي، والتي تفرَّد «عبد الرَّحمن مرعي» بأدائها، هي شخصيَّة «عبد العَفو الإنكشاري»، الإنسان السَّاذج الذي يواجه أحداث الحياة وأمورها وقضاياها ببساطة تقارب الغباء؛ لكنها بساطة شديدة الصدق والعفويَّة. أما الشَّخصية المواجهة لـ «عبد العفو الانكشاري»، ضمن بناية الثُّنائيّ، فلم يضعها «محمَّد شامل» ضمن اسم محدَّد، بل هي حضور قد يتجلَّى بشخص مدير مسؤول أو أب شفوق أو معلِّم مدرسة حريص أو شرطيٍّ زمِّيت؛ وكان «محمَّد شامل» من يؤدِّي هذا التَّجلِّي لشخصيَّة الثُّنائيّ الآخر. وغنيٌّ عن التَّفصيل، أنَّ دراميَّة النَّص الكوميدي كانت تنهض، ههنا، على خلفيَّات سوء الفهم أو خطأ التَّقدير، النَّاجمين عن تلاقي «عبد العفو الإنكشاري»، بسذاجته وغبائه وصدقه معاً، مع رصانة الثُّنائيّ المواجِه له، بذكائه وحصافته وطيبته في الوقت عينه. 

ثمَّة إمكانيَّةٌ لعاملين آخرين، لن يمكن إهمال البحث فيهما على الإطلاق، ضمن عناصر تشكيل «محمَّد شامل» للثُّنائي «شامل ومرعي». يتجلَّى أوَّل هذين العاملين في الحضور الشَّخصي والذَّاتي لكلٍّ من «محمَّد شامل» و«عبد الرَّحمن مرعي». «شامل» الذي عركته الحياة بهمومها ومشاكلها وتحدياتها حتَّى الثُّمالة، و«مرعي» الذي لم يجد من الحياة إلاَّ البحبوحة واليسار والإقبال الفرح على وجودها. «شامل»، حامل الهم، و«مرعي»، الهازئ بالهموم. «شامل»، المتمكِّن من وضع النُّصوص التَّمثيليَّة والتَّحكُّم بمساراتها، و«مرعي»، المهتم بالأداء التَّمثيلي الذي كان يضعه «شامل». أما العامل الآخر، فقد يعود إلى ما نشأ عليهِ «محمَّد شامل» من أجواء الثَّقافة الشَّعبيَّة عبر عيشه في أجواءٍ فيها جدِّه لأمه، منشد «الموَّال البغدادي»، وجدّه لأبيه، راوي قصص عنترة وسواه في المقاهي الشعبيَّة؛ وبينهما ما يتجاذبه الناس، عهد ذاك، من مرويَّات شعبيَّة من حكايات عروض «خيال الظِّل»، وقد اشتهرت منها شخصيتان متناقضتان ومتكاملتان، في الوقت عينه، هما «كركوز»، الساذج والغبي والعفوي غير المبالي بل والمُتَبالِد؛ و«عيواظ»، الذَّكي والرَّصين والحريص والواعي وحامل المسؤوليَّة.

انطلق ثنائي «شامل ومرعي» بنجاح مذهلٍ سريعٍ وصامدٍ ومتصاعِدٍ في آن، عبر سلسلة متلاحقةٍ من الحفلات على مسرح قاعة «الوست هول»؛ وصار خلال ذلك يلبِّي دعواتٍ إلى تقديم عروضٍ له في حفلات خاصَّة في بيوت عائلاتٍ راقيةٍ، ضمن المحيط الجغرافيِّ لناس الجامعة الأميركيَّة في بيروت وأصدقائهم وبعض ناس السِّياسة والوجاهة الاجتماعيَّة. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحدِّ على الإطلاق؛ إزداد الإقبال على الثُّنائيّ «شامل ومرعي»؛ حتَّى استقطبته «إذاعة الشرق الأدنى»، ذات الانتشار الإذاعي الواسع، زمنئذٍ، في حلقات خاصَّة، وعبر مشاركات ضمن برنامجها الثَّقافي والكوميدي الرَّائد، في تلك الحقبة، «إِنْسَ همومك»، الذي كان يٌخرجه الأستاذ محمَّد كريِّم. وكان، عند توقُّف «إذاعة الشرق الأدنى»، سنة 1965، احتجاجاً من العاملين فيها على «العدوان الثُّلاثي» على مصر، أن انتقل عمل الثُّنائيّ إلى «دار الإذاعة اللُّبنانيَّة من بيروت»، وتابع الأستاذ محمَّد كريِّم إخراج حلقات «شامل ومرعي»، التي بلغت أكثر من مئتي نصٍّ مسرحيٍّ وإذاعي، كما روى الأستاذ «محمَّد شامل» لاحقاً. 

لعلَّ بالإمكان التَّأكيد، بعد هذا العرض المقتضب لجوانب من مسيرة الثُّنائيّ «شامل ومرعي»، على أمور عديدة مسكوت عنها، من واقع الحياة الثَّقافيَّة والاجتماعيَّة والفنيَّة في النّصف الأوّل من القرن العشرين في لبنان. إنَّها أمور أساسيَّة وتأسيسيَّة في آن؛ وقد بات من الواجب الوطني ومن حق الثَّقافة الوطنيَّة والوفاء لجهود ناسها، العودة إليها؛ والعمل على الإضاءة على جوانبها ودراستها؛ بل والإفادة من تجاربها وخفاياها في المراحل المقبلة من الزَّمن. 

من هذه الأمور أنَّ الحياة الثقافيَّة في بيروت، ولبنان تالياً، شهدت مساعٍ كبرى من ناس البلد في مجالات عصرنة الفعل الثَّقافي والنُّهوض به. وأنَّ ثمَّة جهوداً جبَّارة وتضحيَّات جمَّة وريادات بارزة وقائدة، قامت بها نخب من شباب بيروت الرَّاقي؛ أمثال «محمَّد شامل الغول» و«عبد الرَّحمن مرعي» وصحبهما، لنشر فنٍّ مسرحيٍّ معاصر، يُراعي ما في الموروث التُّراثي لناس الوطن، من أصالة، ولا يتخلَّف عن ركب المعاصرة والعالميَّة. وأنَّ الفاعليَّة الثقافيَّة في ذلك الزَّمن تمكَّنت من توحيد جهودٍ من أبناء البيئة الشعبيَّة مع جهودٍ لأبناء الارستقراطيَّة، كما كان الحال بين «محمَّد شامل» و«عبد الرَّحمن مرعي»، في سبيل تعزيز حركة ثقافيَّة ومسرحيَّة ناشطة.

إنَّ أبناء العائلات كافَّة من بيروت، كما حال أعضاء «جمعية ترقية التَّمـثيل الأدبي» و«أسرة بيروت»، لم يتأخروا على الإطلاق عن بذل جهودهم، المعطاء والمضحية، للمشاركة في هذا التَّوجُّه الثَّقافي. وإنَّ الحركة المسرحيَّة، في النّصف الأوّل من القرن العشرين في لبنان، وجدت في مدينة بيروت أرضاً خصبةً ومجتمعاً مرحِّباً ومتعاوناً وساحةً أساساً ومنطلقاً فسيحاً لانتشارها؛ أكان ذلك بالجهود الخاصَّة والشَّخصية، أو كان عبر المؤسَّسات الجامعيَّة. وأنَّ ثمَّة روَّاد ثقافةٍ كُثر، وتحديداً من بيروت ومن أبناء أبرز عائلاتها، مثل آل «العويني» و«القاطرجي» و«اللّاز» و«مرعي» و«الغول» و«العيتاني» و«تميم» و«العريس» و« عبُّوشي» و«النقَّاش» و«أياس» و«الحبّال» و«ربيز»، قدَّموا جهودهم، بعيداً عن أيِّ مكسب مادي، في سبيل تعزيز النُّهوض الثَّقافي ورفع راية الوجود المسرحي في لبنان.

وإلى اللِّقاء، في الأسبوع المقبل، مع الحلقة الرَّابعة، من هذه السِّلسلة.

 (رئيس المركز الثَّقافي الإسلامي)



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 15-10-2019
أبو فاعور وحمادة وشهيب ومشاركون في مسيرة «التقدمي» تصوير: ( طلال سلمان )
باسيل يُفجِّر مجلس الوزراء.. و«المزايدة المسيحية» تصيب الموازنة!
أهداف مواقف باسيل التصعيدية بعد لقائه المطوّل مع نصر الله