بيروت - لبنان 2020/04/05 م الموافق 1441/08/11 هـ

شعراؤنا اليوم!..

حجم الخط

لا نزال في شغف إلى مطالعة النثر القديم، والشعر القديم وكل ما وضعته الأيام على أنف الزمان، كأننا كأولئك المؤرّخين الذين يجيئون من أقاصي البلاد، لرؤية حجر في متحف، أو قراءة سطر على جدار متهدّم.

ويرافق شغفنا بهذا الأدب، شغفٌ أشدّ بالتجدٌد. وهكذا تتجاذبنا نزعتان، أولاهما حب القديم، بتأثير المحافظة على التراث، وثانيهما حب التجدّد، بتأثير مسايرة التطوّر الإنساني.

وكم أحبُّ إيجاد مركز وسط بين النزعتين، أي انني أُحبّ أن أجد أدباً، فيه من القديم، ما نقرأ القديم من أجله، وفيه من الجديد ما يتطلبه عصرنا الحديث.

فكما يحاول الشاعر في زمننا هذا، ان يقرأ القديم ليقتبس منه اللغة والبيان، وجب على ابن هذا العصر، أن يقرأ أدب معاصريه كشيء راقٍ، ليشعر بأنه في القرن العشرين وما بعده، وانه لم يرجع في ما يقرأ، إلى ما قبل آلاف أو مئات السنين..

ومَن يجد الحاجة إلى مثل هذا الأدب، لا بدّ من أن يدرس حال أدبائنا دراسة دقيقة، وأن يسأل عن كيفية تفكيرهم، وعن أسباب عدم رواج أدبهم، وعن اعراضهم كما نطلبه في أدبنا الجديد.

ومما لا شك فيه، ان عدداً من كتّاب العصر الحديث عندنا شباب يركنون غالباً إلى «عفوية» اللهجات ومحدودية انتشارها في محيطنا العربي. لذا، جاء أدبنا الحديث، أدب لهو ومجون وابتذال، حتى ليندر أن نجد الأدب المميّز أو الشعر الاجتماعي في آثارنا القلمية الجديدة.

ويخطئ مَن يحسب القراء - على تراجع عددهم وعديدهم - لاهين عن استقراء هذا الأدب. فالراعي يحبّ كل غنمة من أغنامه، ولكنه يعتني بالغنمة التي تقدّم له الخيرات، أكثر مما يعتني بسواها. وكذلك، ان المصلّي، يؤخَذ بكلام الواعظ أو الخطيب الذي يغوص على نفسه ليستخرج آلامه، وليشفي أوجاعه النفسية.

والأدب، ان لم يكن صورة حقيقية للتفكير الصحيح، والتأثير الصادق، لا ينفذ إلى القلب ولا يُستطاع أن يُكتَب عليه نصيب الخلود، بل يظل جميلاً لمناسبة ما، حتى إذا زالت تلك المناسبة، زال بزوالها. أما الأدب الحي فهو الذي يخرج من الوجدان، ويوزن بالعقل، ويسبك في المنطق، ويحلّى بالألفاظ.

مردّ إخفاق بعض شعرائنا الشباب وحتى المتقدمين بالعمر، أمراض الأنا والتهافت البغيض. ابتعدوا عن نبض النّاس فلم يخبروا ذهنية النّاس ولم يدركوا شؤونه وشجونه ولا ما تتطلبه حياتنا الاجتماعية والسياسية من إصلاح دقيق فهم إنْ تحدّثوا عن شعبهم، فكما يتحدّث الغني بالجوع، أو كما يتحدّث الملك عن اللقيط..

ما لم يستطع هؤلاء أن يتجرَّدوا من نفسيتهم المريضة وثقافتهم الهزيلة، فانني أتمنى أن تعرض المطابع، عن إصدار ما ينتجونه لنا من ارث مسروق، وأفكار وصور أدبية واجتماعية لا تتفق مع الواقع في شيء!


أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه


أخبار ذات صلة

عدد الوفيات بكوفيد-19 يبلغ أدنى مستوى في إيطاليا منذ أسبوعين
حمد حسن: كل مسافر سيخرج من الفندق عليه التزام الحجر [...]
تعميم لقوى الأمن حول قرار تقييد حركة السير