بيروت - لبنان 2020/05/28 م الموافق 1441/10/05 هـ

صلاح ستيتية .. 1929-2020 حياة مضيئة بين جنون الشعر ورزانة الدبلوماسية.. حالة قد لا تتكرّر

حجم الخط

في رحلته الطويلة مع الشعر منذ نعومة أظفاره وحتى غيابه كان صلاح ستيتية مسكوناً بهاجس الوجود فاكتسب نتاجه مزيجاً من تأثيرات عدّة لم يبتعد عن تراثه العربي الذي ظلّت ملامحه واضحة في محطات كثيرة، وكان لانفتاحه البانورامي على الأدب العالمي والفن بصورة عامة ولعلاقاته الوطيدة بأدباء وفناني زمنه منح عطاءاته ميزة قد لا تتوفّر لغيره خصوصاً بعد خوضه غمار العمل الثقافي من خلال موقعه في اليونسكو.

صلاح ستيتية حالة خاصة وإستثنائية قد لا تتكرّر، فالصبي الذي عاش طفولته البيروتية في منزل مسكون بالشعر ويفوعته مع الأدب الفرنسي في دراسته ثم إنطلاقه إلى المقلب الآخر من العالم منحه فرصة نادرة لرواية إنسانية باتت واضحة في مجمل نتاجه.

هنا كلمات لبعض من عرفه وشهادات فيها الكثير من السباحة في يمِّه.

«اللواء الثقافي»

الرئيس عون نعى صلاح ستيتية ومنحه وسام الاستحقاق الوطني المذهّب: حضوره سيبقى ناصعاً وفكره سيبقى ذخراً مؤثّراً لأجيال مقبلة


أعرب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن ألمه لغياب المفكّر والدبلوماسي صلاح ستيتية في فرنسا التي احتضنت فكره، وبعيدا عن لبنان الذي حمله إلى عالم الفرانكوفونية متوّجا بالتلاقي بين الشرق والغرب.

وقال الرئيس عون: «لقد شكّل ستيتية أحد أبرز وجوه الريادة اللبنانية المتميّزة بتعلّقها بلبنان وطنا للتلاقي بين التنوّع والاختلاف، وفي الوقت عينه المنفتحة على أكثر التجارب الشعرية الفرانكوفونية حداثة، إلى حد ان برز مرجعية فكرية شاملة يعتدّ بها وبات موضع دراسات أدبية وأكاديمية عديدة، وتكلّل عطاؤه بجوائز هامة لعل أبرزها تقديرا من الأكاديمية الفرنسية».

أضاف الرئيس عون: «لقد بقي ستيتية طوال حياته المديدة التي شارفت القرن صورة مشعّة للبنان، متباهيا بالكلمة التي تزاوج النار بدفق المياه لتسمو بالحياة إلى قمم عطاء لم يتوقف. ولكم فاجأ عالم الفكر بإصدار كتاب جديد له كلما أصدرت دار نشر مجموعة كاملة من مؤلفاته».

وختم الرئيس عون بالقول: «اليوم إذ يغيب بحسرة بعيدا عن وطنه وفي ظل أوضاع عالمية صعبة وفريدة نتيجة تفشي وباء كورونا ما يمنع من تكريمه بالطريقة التي تليق بكبارنا، فإن حضوره سيبقى ناصعا وقويا وفاعلا كما لبنان الذي منه انتماؤه على مدى العالم. وسيبقى فكره ذخرا مؤثرا لأجيال ستأتي لتجد فيه مصدر إلهام ومنهل ارتقاء».

وقرّر رئيس الجمهورية منح الراحل الكبير وسام الاستحقاق الوطني المذهّب تقديرا لعطاءاته الفكرية ولعمله الدبلوماسي في خدمة لبنان، وكلّف سفير لبنان في فرنسا رامي عدوان تمثيله في الوداع الذي سيقام للراحل في باريس.


الحريري ينعى الشاعر صلاح ستيتية


نعى رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الشاعر صلاح ستيتية في تغريدة عبر «تويتر» قائلا: «برحيل ابن بيروت الشاعر صلاح ستيتية، يخسر لبنان صوتا عالميا برع في الدبلوماسية والشعر وتخسر اللغة الفرنسية أديبا مبدعا وتخسر الفرانكفونية رائدا لحيويتها المجدّدة على امتداد المعمورة. رحم الله صلاح ستيتية وأسكنه فسيح جنانه».


شربل داغر»: هو ممّن يرافقون العمر في امتداده

شاعر حامل لتطلّعات عليا للقصيدة، في سويّة شعراء الفرنسية الكبار بين نهايات التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.

الثقافة اللبنانية بالفرنسية افتقدته، بعد شارل قرم وجورج شحادة ونادية تويني وغيرهم..

فيما لا زالت تتعزز بأسماء غيره بعده.

أنا حزين لفقدانه، ولا تكفيني ذكرياتي العديدة معه، في مكتبه في الأونيسكو، وفي مقاهٍ، وفي رحلات مشتركة.

لا تكفيني ذكريات الكتابة عنه ولا مقالته عن شعري المترجم إلى الفرنسية في مجلة «أوروبا» ولا الطعم اللذيذ لصحن «الكبة» الطيبة في بيته.

لا تكفيني، لا هي ولا كتاباته المتوهجة والعميقة (لا سيما في جمالية الفن الإسلامي)، فهو ممن يرافقون العمر في امتداده وعذوبته وحزنه.

محبّتك ترافقني ومحبّتي تتفقدّك في حزنها.

كابي لطيف: في ابتسامته رائحة صنوبر بيروت


رحيل صلاح ستيتية: مبدع خارج الزمن ودبلوماسي في ترويض الجنون.

صلاح ستيتية اقتطع لنفسه مكانة عبر الإبداع خارج الزمن. من شيوخ الشعر والفلسفة والدبلوماسية في عصرنا الحالي الذين عرفتهم عن كثب. في شخصيته جاذبية الأطفال وحكمة الكبار. في ابتسامته رائحة صنوبر بيروت. يحمل عيناً على لبنان وأخرى على فرنسا حيث يقيم منذ سنين. كان لمسيرته الصدى الإيجابي على نفسي لأني في بحث دائم عن ملهم يدفعني الى متابعة الطريق.. وأي طريق سلك ابن بيروت خلال حياته.

من يتعرّف إلى صلاح ستيتية بالصدفة يهتدي بسرعة إلى أنه مثقف كبير وأن لديه علاقة خاصة مع لغة موليير. ويلاحظ أنه بقدر ما بلغت علاقته بالشعر واللغة مرحلة الجنون، بقدر ما هو دبلوماسي بارع في ترويض الجنون في مفهومه المطلق وفتح جسور حقيقية بين ضفتي المتوسط وبين الشرق والغرب والشمال والجنوب برغم الفجوات والتناقضات والكسور والجروح.

كنت أعرفه وأحب استضافته كلما قام بإصدار كتاب أو ساهم في تظاهرة ثقافية. لكني لم أكن أملك مفاتيح شخصيته الدفينة بعيدا عن كتاباته ومناصبه التي تولّاها في فرنسا والعالم. عندما اطّلعت على مذكراته تحت عنوان «حفلة جنون: نصف قرن من الحياة الأدبية والسياسية»، اكتشفت صلابة هذا الرجل ونضاله من أجل الثقافة والحق والإبداع. نعم الإبداع نضال وتمرّس. وهو ممن واكبوا موهبتهم وصقلوها وعملوا على تشعّبها ونشرها في أوساط المثقفين الفرنسيين والعرب عبر سنين عمره. مدافع عن الحق وعن لبنان وتفرّده. في فرنسا هو صوت الاعتدال والمنبر الحقيقي للحوار بين الثقافات. أنا المهمومة دوما في حلّي وترحالي وفي أحلامي بشجرة الأرز أحببت أن أطمئن عنده على مستقبل لبنان فاسرَّ لي بهذه الكلمات: «لا أعرف ما الذي سيكون عليه مستقبل لبنان، لأن لبنان ليس لديه مستقبل ذاتي، فمستقبله مرتبط بكل ما يجري على أرض الشرق الأوسط. وما يجري على أرض الشرق الأوسط هو من أصعب وأفظع ما عرفته هذه المنطقة في تاريخها الذي يعود إلى آلاف السنين».

بعض المبدعين الذين يتعاطون مع الكلمة يجد نفسه وهو يعركها في حالة المصارع الذي يحلو له الكرّ والفرّ عندما يكون في حالة مخاض. والبعض الآخر ينجح في أن يضطلع بدور المروّض. ولكني لاحظت من خلال أحاديثي مع صلاح ستيتية أنه يقيم مع الحرف والجملة والنص علاقة غرامية تستمر فيها فترات الانتشاء إلى حد طويل ممتع يختلط الحلم فيه بالواقع ويصبح الفضاء الصغير في زخم النشوة كونا بكليّته. خلال لقاءاتي به باح لي بالكثير دون أن يقع في العاطفي. وكانت اللقاءات على أثير إذاعة «مونت كارلو» الدولية من أروع المحطات الإذاعية التي أبحرت فيها داخل أعماق قبطان السفينة أو بالأحرى المسافر العتيق.. حاولت ان أقوم برحلة في عمق روحه وهويته.. وتبقى المقتطفات من بوح الشاعر الذي لا يأبه بالزمن ويتحدّى السنين بالإبداع الدائم وهنا سرّه.


الشاعر حسن نجمي:  أفقه الشعري والجمالي كونياً




شاعر عربي ومثقف كبير، عميق وحقيقي بخلفية فكرية ومعرفية قوية، خصوصا في كل ما يتعلق بجذور الثقافة الشرقية وضمنها الحضارة العربية الإسلامية، شعراً وآداباً وتاريخاً وثقافةً وتصوّفاً. وكان أفقه الشعري والجمالي كونيا. وللأسف، لم تترجم أعماله الشعرية والفكرية كاملة إلى العربية. كما أن شعره ترجم في مختارات ثلاث لعل أهمّها ما أنجزه الأخ الصديق كاظم جهاد أساساً. ولعل رحيل صلاح ستيتية يفتح الشهية من جديد لإستعادة تجربته وإعادة النص إلى أهله ومائه وحاضنته العربية.

صلاح ستيتية، الشاعر، وداعاً.

وستبقى هنا، نصّاً وروحاً وذكرى حيّة على الدوام.

سيرة


- 1929 وُلد في بيروت من والد شاعر.

- درس الأدب الفرنسي في المدرسة العليا للآداب.

- 1951 نال منحة للدراسة في السوربون.

- 1955 عاد إلى بيروت حيث درس في الـ «البا» والجامعة اللبنانية.

- أسّس ملحق جريدة «الأوريان» الأدبي والاسبوعي وأشرف عليه.

- 1961 انتقل إلى السلك الدبلوماسي.

- نال جوائز عديدة (جائزة الصداقة الفرنسية - العربية 1972), جائزة ماكس جاكوب 1982، الجائزة الكبرى للفرانكوفونية 2006، الجائزة الكبرى للشعر 2007.

- ترجم العديد من الشعراء العرب إلى الفرنسية بدر شاكر السياب/ جبران خليل جبران.

- استقرّ في فرنسا منذ تقاعده 1992 حتى وفاته.



أخبار ذات صلة

رسالة من ترزيان الى كل من يتكابر على وجع «أولاد [...]
إيران تعزّز قوّتها البحريّة وتتوعّد «العدوّ» بـ «ساحة جحيم»
مقتل فلويد يهز أميركا ويعيد مسلسل «العنف ضد السود».. وترامب [...]