بيروت - لبنان 2019/12/12 م الموافق 1441/04/14 هـ

«عن الحركة المسرحية في لبنان»:خالدة سعيد والمهمّة العُليا للنّاقِد

غلاف الكتاب
حجم الخط

تأتي خالدة سعيد من قراءاتها النّقدية في الشِّعر والنّثر إلى المسرح اللبناني الحديث عبر كاميرا ذهنيّة ذكيّة التقطتْ المشهدَ المُبعثر والناقص للممارسة النقدية المسرحية في لبنان في فترتها الذهبية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، في محاولة ناجحة لترسيخ الحقيقة المسرحية المحلية نقداً بعدَ أن تكرّستْ عرضاً على خشبات الأنماط والتوجّهات المسرحية المتنوّعة وقتذاك. ففي كتابها القيّم «الحركة المسرحية في لبنان» 1960 – 1975: تجارب وأبعاد «أحاطتْ الكاتبة بكافةِ الاتجاهاتِ النّظرية والفكرية التي صدرتْ عنها الأعمالُ المسرحيّة في تلك الحقبة أعلاه، برؤيةٍ موضوعية متكاملة ومتماسكة للعمل المسرحي نشوءاً وتطوّراً رغم تفاوتِ النّتاجات في النّص والعَرْض، والتي يُشكّل جلُّها بلا ريْب فضاءات جديّة وغنية في تاريخنا الثقافي الحديث، كما تخوضُ التقصّي المُثمر لاتجاهات الحركة المسرحية اللبنانية كنماذج نهضوية لحركية الدراما المحلية في عصرها الذهبي بعيداً من غوايات الكتابة الوجدانية، لتعيد قراءة تلك الدراما المُفكّكة فكرياً وإنتاجها بقيمٍ ومعانٍ جديدة ترومُ تأويلها ضمن منظورٍ نقدي جديد في ديناميكية غير مُربَكة تجاوزت الإضاءة الاستثنائية إلى الظاهرة الجديدة المطلوبة والمنتظرة بانتباهٍ شديد وانفتاحٍ حماسي مبني على حاجة الدارسين والباحثين المُهتمين إلى البدءِ بتمييز وفّرْز الأُسس الناجِزَة لنقدٍ مسرحي أصيل. ذلك لأنَّ فكرة النّقد تُكرّسُ فكرة الانتماء المسرحيّ للواقع الثقافيّ المحليّ، وتُظهر محاسنَ التَّكامل الفكريّ بينَ العملِ المسرحيّ والنَّص النقديّ. وهي حاجة تتّفِقُ مع الانتقال من حالةِ الاستهلاك والتّقليد للمفاهيم الغربيّة إلى حالةِ الخلْقِ والاسهام الابداعيّ. والمسرحُ اللبنانيّ، وإِنْ كانَ قدْ نشأَ أدبياً وليسَ دينياً طقوسيّاً كالمسرح الغربيّ في بداياتهِ، وإنْ كانَ قد عرفَ أيضاً حركةً نقديةً محليةً رصدتهُ وحاولتْ تقديمَ تصوّراتٍ ومفاهيمَ جديدة لهُ سواءً من خلالِ المقالاتِ المتناثرةِ على صفحاتِ الجرائد المحليّة هنا وهناكَ، إلا أنّها لمْ تخرجْ عن كونها آراء مُختصرة عاجلة ومؤقّتة موسميّة في أغلبها، أو من خلالِ بعضِ المؤلّفات التي تعرضَّت للحركة المسرحيّة مِنَ النصّ إلى العَرضِ تعريفاً وتأريخاً وإحصاءً، على دراسةً أكاديميّة نادرة في بعضها، مع الإيمان بتلازم النّقد والمسرح كعنوان لتطويرِ مسرحنا الحديث فكريّا ورؤيوياً وبالتّالي تحفيزه نحوَ الانفتاحِ والقبولِ لدى عامّة النّاس ما أَمْكَن ذلك.
وبناءً عليه وبعيداً من تقييد الافكار في سياقات نظرية معلبّة سلفاً تجشّمتْ خالدة سعيد الغوص إلى منبعين أساسيين للحالة المسرحية هما الكادر المسرحي تأليفاً وعرضاً من جهة، والجمهور من جهة أخرى، مع ما اندرج تحت عباءة كلٍّ منهما من محاور بحثيّة تناولتْ تاريخ المسرح اللبناني كتوجُهات محلية ناتجة عن التقاليد والطقوس الشعبية، وعلاقة ذلك المسرح بالمجتمع من حوله كلُعبةِ مواجهة مع الجمهور! فضلاً عن التفاتتها الواعية إلى دخول الدراسة المسرحية في مسيرته، وصولاً إلى علاقة صانعي المسرح فيما بينهم من جهة، وعلاقتهم بحركات النشاطات الثقافية الأخرى في الشِّعر والفنون عامةً. وفي كل ذلك يحضر كفاحُها النّقدي الذي يشكّل مروحةَ مشروعها الواسعةَ الالتفاتات، والذي تولّدَ من إحساسها الذاتي بضرورة البحث والتمحيص والدرس في مراحل تأسيسِ وبلورةِ ومن ثمّ انطلاقِ المسرح اللبناني في مدة زمنيّة ثرّة الأعمال على جهدٍ متقنٍ غيرَ مُندثر، يصدرُ عن حاسّةٍ فذّة قادرة ودؤوبة، لتضرب لنا مثالاً أعلى يُحتذى في إبراز مسؤولية الناقد العليا تجاه ما يبتدع من أجناس الأدب كافة.
وفي بعض أفكارها المثيرة للجدل تعتبرُ سعيد أنّهُ لا مرجعيّة نصّية في النقد توازي في إبداعها آفاق ودلالات الأعمال المسرحية التي توزّعتْ بين مسارحِ تلكَ الحقبة.
ومن منطلقات نظرية متنوّعة ومتفاوتة بحثتْ خالدة سعيد وتعِبتْ لتصلِ إلى منتهى ما أمكن استحضاره وفرزه وعنونته من تلك المنطلقات على مستويين من مصادر العمل البحثي: الأول أرشيف لجنة مهرجانات بعلبك والثاني الحوارات واللّقاءات مع صانعي المسرح أنفسهم الذين قدّموا خريطةً شاملة بانورامية للنشاط المسرحي سياسياً واجتماعياً وبالطبع ثقافياً، راصدةً آراءهم والنظرية على تنوّعها، ومُوثّقةً ما اعتصر من خبراتهم وجهودهم في تجاربهم على الخشبة عبر سنوات طويلة مضت، مع الإشارة إلى مكامن الابداع التي نهلوا منها، ولتُثبتَ أنّها رائدة التأسيس لتقليد كتابي نقدي جادّ في المسرح اللبناني.
حسام محيي الدين


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 12-12-2019
تظاهرة أمام السفارة الفرنسية احتجاجاً على المساعدات للسلطة القائمة (تصوير: طلال سلمان)
«مجموعة الدعم» تشترط حكومة إصلاحية.. وقنابل دخانية في وسط بيروت
عقلنة الإنتفاضة أم شيطنة الحَراك..؟