بيروت - لبنان 2020/06/04 م الموافق 1441/10/12 هـ

عن ثورة مبدعةٍ ضد الفساد

التجليات الفنية في انتفاضة الألم من حناجر القيم والحضارة والحياة

مشهدية ثورية (محمد عزيزة - اكليريك على قماش)
حجم الخط

د. عدنان خوجه*

تدخل ثورة الشعب اللبناني أسبوعها الرابع، واللبنانيون يفترشون الطرقات والدروب، ويتظاهرون أمام المؤسسات الرسمية ومنازل رموز السلطة. يطرحون مطالبهم الواضحة والصريحة في وجه السلطة؛ يطالبون بالعيش الكريم ومحاربة البطالة والفساد الإداري والمالي ومحاسبة المسؤولين، وينقلون وجعهم وألمهم وهمومهم الى العلن. يناقشون أوضاعهم على وسائل الاعلام وفي حلقات تفاعلية تحت الخيم، يتداولون في همومهم وما آلت اليه أحوالهم عبر لقاءات وحلقات أكاديمية مفتوحة تشخّص الداء وتستعرض الحلول، وتكشف هزال السلطة الذهني والاداري وعزلتها وتلهيها في أمور الحكم واستنسابية مواقفها وتمترسها خلف حدود التقسيمات الطائفية في الوقت الذي يتلاقى فيه اللبنانيون جميعا خارج حدود الطوائف، يربطون الدروب والطرقات عبر بوصلة الوطن المنشود، ويحولون الساحات الى منصات نابضة بالحياة والحيوية الفكرية والابداع.

ربط الحراك القائم المناطق اللبنانية كافة بأواصر المحبة والمشاركة والتعايش، خرج الثائرون من بيت الطاعة الى بيت الوطن الواحد، والعلم الواحد، والنشيد الواحد، في تظاهرات حضارية لم يشهد لها لبنان مثيلاً في تاريخه الحديث. إنها ظاهرة سياسية اجتماعية فريدة في شكلها وأدائها، في شعاراتها ومسارها النابض بالحيوية. ظاهرة تناولتها وواكبتها وسائل الاعلام المحلية والعربية والدولية بكثير من الجدية والحرفية والاحترام والتقدير، كما أسهمت في ايصال صوتها الى الجهات المعنية من أهل السلطة والمنابر الدولية، ناقلة صورتها وتجلياتها ورقي حراكها ولغة تعبيرها بحيث غدت حالة ثورية حقيقية نابضة بالحياة.

وعي الجماهير يحبط الثورة المضادة 

 في أسبوعها الرابع تزداد الثورة أَلقاً وتصميماً ووضوحاً وعزماً على تحقيق المطالب المحقة التي رفعها المتظاهرون منذ اللحظة الأولى، والتي ألهبت حناجرهم وملأت ساحات لبنان من أقصاه الى أقصاه على وقع الخطى الثابتة لمئات الألوف من الشباب والشابات والكهول من ربات البيوت وطلاب المدارس والجامعات الذين افترشوا الساحات وحولوها الى منصات تعبيرية لافتة في تناسقها وتوازنها وصوتها الواحد وأدائها، حتى الاطفال كان لهم حضورهم الوازن وهم يلوحون بالعلم اللبناني ويرسمون على وجوههم علم بلادهم ورمزه الاخضر الزاهي، ويطلقون البالونات في الفضاء لتواكب أصواتهم وهتفاتهم ويتحلقون في مجموعات يرسمون لوحات تعبر عن حبهم لبلدهم يدونون عليها عبارات ثورية، وأفكاراً تعكس مدى نضج هؤلاء ووعيهم المبكر. 

 السمة الحضارية في انتفاضة الشعب اللبناني لافتة وواضحة في شكل التظاهر وحراك الحشود الشعبية وأداء الافراد في الساحات والشوارع حيث برز الاهتمام الجمعي في الحفاظ على البيئة ونظافة المكان وتحويل الخارج الى داخل يستحق الاهتمام طالما ان الاقامة في الشارع باتت طويلة، بحيث شاهدنا عمليات منظمة للنظافة وجمع النفايات، وقدم المتظاهرون للسلطة العاجزة دروساً في فرز النفايات وتوضيبها عجزت عنها وزارة البيئة، كما عبر المتظاهرون عن سلوكهم في إحترام الأمكنة والساحات والحفاظ عليها، وبالرغم من ذلك فقد عرف الحراك في أيامه ألاولى ظواهر تقليدية في حرق الدوليب وقطع الطرقات، غير أن تلك المظاهر استقامت وغلب الوعي الجماهيري على الانفعال وعاد التظاهر يسلك مسارب جديدة ويخترع وسائل حضارية للتعبير شاهدناها في السلسلة البشرية التي وحدت البلد، فقد تماسكت أيدي المتظاهرين من الشمال الى الجنوب في خطوة لافتة تؤكد على رغبة الشعب في كسر القيد الطائفي، والاغلال التي كبّلته والتي صنعتها الحرب الاهلية واستغلها زعماء الطوائف والميليشات الذين تصدروا المشهد السياسي وحولوها الى مفاتيح يديرون بها زعاماتهم ويمعنون في شَرزمة الشعب الواحد ويحولونه الى قطعان مدجنة ينهبون البلد يإسمها ويديرون سياساته بمنطق العشائر. 

 غير أن هذه الظواهر الحضارية وغيرها من تعابير الحراك قابلها أهل السلطة بمحاولات عديدة من التحدي والعنف اللفظي والجسدي الذي طاول المتظاهرين في بيروت ومختلف المدن اللبنانية والساحات العامرة بالمتظاهرين، عبر عصابات الشبيحة والمتزلمين الذين أمعنوا في تخريب الساحات وبعثرة الخيم وطرد المتظاهرين من الساحات أمام أعين رجال الامن. وقد شارك بعض رجال الأمن المشاغبين في أكثر من موقع في الإعتداء بالضرب والاعتقال دون ذرائع قانونية عكست طبيعة ولاءاتهم السياسية لا الحرفية، وتجاوزوا حدود مهامهم في الحفاظ على الامن وقبول فكرة حرية التعبير التي يصونها ويحميها الدستور. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد فقد تطور أسلوب السلطة والاحزاب الحاكمة مع تطور أسلوب التظاهر اليومي فاعتمدوا أساليب جديدة لشق الصف واصطناع وسائل لتفرقة الحشود وضربها فيما بينها، ومنها الاندساس بين صفوف المتظاهرين ورفع شعارات مناهضة للحراك، والتظاهر امام كاميرات التلفزة لرمي افكار تشكك بالحراك. غير ان الوعي العام كان أكبر من تلك المحاولات الفاشلة فقد عمد المتظاهرون الى مراقبة الساحات وحماية المنصات من الاختراق من قبل شبيحة النظام. 

مشهدية بين السياسة والفن 

وقد لعب الاعلام ولا يزال دورا مهما في نقل المشهد الثوري على الشاشات، وأفرد له الهواء بشكل متواصل، كما أسهمت الصحف والمواقع الالكترونية في الاضاءة على الحدث أيضاً، وكان لوسائل التواصل الاجتماعي الدور الاول في نقل الخبر والصورة وتداولها بين المتظاهرين، مما أمّن للحراك منابر عديدة وضعت المشهد الثوري بتصرف اللبنانيين كافة ونقلت صورة الحراك السلمية والحضارية الى العالم أجمع. وباتت السمة الحضارية في هذا المشهد سمة انسانية شاملة في شفافيتها وانتظامها ووضوح رؤيتها من خلال وضوح تعبيرها وصدق وبلاغة رسالتها.

 وبالانتقال من مشهدية التعبير السياسي في الساحات الى مشهدية التعبير الفني للحراك، تبرز أمامنا ظاهرة من أرقى الظواهر التي أفرزها الحراك، والتي شكلت احدى السمات الحيوية للشعب اللبناني في حيويته الثقافية بحيث تحولت الميادين الى مسارح مكشوفة تجلت فيها ابهى أشكال الديمقراطية في التعبير الفني فكان لساحة النور في طرابلس وهجها الساطع يوم اعتلى المنصة كورال الفيحاء لبنشد النشيد الوطني بأصوات البراعم الشابة من ابناء المدينة المهمشة من قبل النظام والتي كثرت محاولات شيطنتها فأذا بها تسفر عن وجهها الحضاري الناصع وتعلن انتماءها للوطن الغائب عن ساحتها وتستقطب تاليا العديد من فناني لبنان لتقديم وصلات غنائية واناشيد وطنية بصوت الجماهير الهادر فوق منصتها فكان لمارسيل خليفة حضورة المتجدد ولاحمد قعبور اطلالته الحميمة ولفنانيين محليين وهواة. واستمر التعبير الفني في وتيرته التصاعدية ما منح الساحة سمعة مميزة في المشهد اللبناني العريض وحولها الى مركز استقطاب ثوري إذا جاز التعبير فاستحقت طرابلس لقبها المستحدث -عروس الثورة- وتصدرت المشهد الثوري في لبنان مما جعلها عرضة للكثير من محاولات التشويه والشغب من قبل المتزلمين والمتضررين وازلام السلطة. 

الغرافيتي كتعبير سياسي 

 وقد شهدت الساحة نشاطات فنية أخرى لفنانين وطلاب وناشطين حيث أقيمت مراسم عديدة حول الساحة عبر من خلالها الفنانون والهواة وطلاب معهد الفنون عن انتمائهم لهذا المشهد الابداعي المميز. ولا يمكننا أن ننسى مشاهد الرقص التعبيري وحلقات الدبكة في مختلف الساحات اللبنانية والتي عكست طبيعة الشعب اللبناني المرح والمحب للحياة، تلك الصور التي لقيت رواجا اعلاميا ونوهت بها العديد من محطات التلفزة العربية والعالمية.

كما كان لفناني الغرافيتي اسهامات عديدة في بيروت وطرابلس حيث سجلوا على الجدران والمباني المهجورة جداريات ضخمة تتغنى بالثورة وترفع شعاراتها فوق الجدران. وفي السياق نفسه لم يغب الفنان التشكيلي المحترف عن الساحة الفنية بل حمل العديد من الفنانيين مؤثرات الحدث السياسي الى محترفاتهم وتذكرنا معهم «أوجين دولاكروا» في رائعته «الحرية تقود الشعوب» ومحاولاته رصد نبض الثورة الفرنسية، وتجارب «رودان» وغيرهم من فناني مراحل الاضطراب السياسي في اوروبا، قفد تنسم بعضهم ناصية التعبير ونفذوا أعمالا فنية عديدة ترصد نبض الحراك الشعبي في الساحات اللبنانية، فكان لـ «عادل قديح» إسهامه في أعمال تصور الحشد الجماهيري في استعراضية لونية مؤسلبة، وكان لـ «جميل ملاعب» أيضا تكوينات خطية ولونية من مشاهد الساحة، ولـ «شوقي شمعون» حضوره في التعبير عن الحراك الشعبي والحشود البشرية، وعمد «عدنان خوجة» الى وضع تخطيطات بالحبر ترصد مواقف معينة للحراك أدت الى ولادة منحونة معدنية من الفولاذ المعالج بالحواض تمثل صورة اللبناني الذي اخترق جدار الصمت وكسر الأسر الذي كان يعيشه. كما اعتمد «محمد عزيزة» مشهديات الحشود الشعبية مادة لتكوينات فنية. ولا يمكننا هنا إلا التنويه بعمل الفنان البريطاني «توم يونغ» على استلهام الانتفاضة الشعبية في ساحة الشهداء في مشهدية زيتية للحشد الجماهيري على خلفية التناغم المعماري البصري بين مسجد الامين وكاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت خلفه من خلال مشهد يعيد الى الذاكرة تجارب فن الاستشراق. 

المرأة ثورة 

ولا بدّ من الاشارة الى ظاهرة صحية جديدة ميزت هذه الانتفاضة، وهي ظاهرة الحضور الأنثوي الواعي والوازن في هذا الحراك، فقد أثبتت المراْة اللبنانية حضورها المميز في التعبير السياسي وبرزت قدرتها على رفد الثورة بالقوة الناعمة التي مكنتها من تحقيق سلميتها وفرضها على السلطة القمعية وتجنيب الحراك معارك جانبية مع المتزلمين، وقد أظهرت الشاشات مواقف جريئة معارضة لنساء وقفن بقوة امام محاولات التعدي على المتظاهرين في بيروت وطرابلس وصور والنبطية وجل الديب. وأسهم الحضور النسائي في التظاهرات في تظهير صورة راقية في الاداء والتعبير والمشاركة الواعية للمرأة في المجال السياسي وقدم للعالم صورة أخلاقية راقية أغاظت عديدين من أتباع السلطة والمندسين الذين حاولوا جاهدين تشويه صورة التظاهر الراقية للشعب اللبناني. 

 لا تستطيع وأنت تراقب هذا الحراك النبيل بعين الفنان إلا أن تستدعي من رفيف الذاكرة تجارب فنية مهمة كان لها دورها في رسم الخط البياني لتجربة الفن في لبنان في زمن ما فتجارب مصطفى فروخ ورفيق شرف وعارف الريس وبول غيراغوسيان وغيرهم لا تزال منارات ومعالم على طريق التعبير السياسي في مجال الفن اللبناني. 

 *فنان تشكيلي وأستاذ جامعي 


منحوتة معدنية معالجة بالحوامض، 65*35سم (عدنان خوجة)


أخبار ذات صلة

وزير الصحة من برجا: سنتجاوز هذا القطوع كما تجاوزناه في [...]
وزير الصحة: الوزارة قدّمت وستقدّم المستلزمات الطبية المطلوبة لمواجهة كورونا [...]
كنعان لـ "رويترز": أيّ اتفاق مع صندوق النقد الدولي يجب [...]