بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

عن ذاكرة بيروت الثّقافيّة - الفنيّة التي مزّقها تفجير 4 آب

شخصيات وفنانون تأثّروا وتفاعلوا لتبقى سيدة العواصم نابضة

أثار الإنفجار على المبنى
حجم الخط

«فكيف صار طعمُها، طعمَ نارٍ ودخانِ؟»، هكذا كتب الرّاحل الشّاعر جوزيف حرب «بيروت»، وهكذا غنّتها فيروز... وكأنّهما يصفانها بأمِّ العين بعد ذاك التّاريخ المشؤوم. الرّابع من آب، التاريخٌ الذي حُفرَ بوجعٍ وألم في ذاكرة بيروت وأهلها وفي كلّ زاويةٍ منها. حتّى الفنّ والثّقافة لم يسلما من دمار ذاك الإنفجار - «الغريب من نوعه»، بل على العكس، كانت لهما حصّة كبيرة من الدّمار وللفنّانين أيضاً حصصٌ كثيرةٌ من الجراح إثر ما رأوه من خرابٍ أصاب ذاكرة بيروت، الثّقافية والفنيّة على وجه الخصوص.

«اللِّواء» تابعت في تحقيق استقصائي حكايات مؤلمة عن أماكنٍ تمثّل تراث بيروت الثّقافي والفنيّ، تضرّرت جرّاء ما خلّفه ذاك النّهار الأسود فيها وفي نفوس بعض فنّاني ومثقفي العاصمة.

عبير نعمة لـ «اللّواء»: رنّمتُ مدينةتحت الرّكام وكأنّنا في عزاءٍ كبير

عبير نعمة: ٤ آب الغراب الأسود

تغنّي وترنّم على الرغم من الدّمار والرُّكام علَّ جراح تلك المدينة تطيب بعض الشّيء، هذا ما فعلته الفنّانة عبير نعمة يوم الثّامن من آب، أيّ بعد أيّامٍ من الكارثة، من خلال أمسيةٍ أقيمت في كنيسة مار مارون الّتي تضرّرت جرّاء الإنفجار، لتصف تجربتها وشعورها لـ «اللّواء» حينها إذ أنّ «الذّهول والصّمت العام كان سائداً في أرجاء الكنيسة، ذهولٌ بسبب كميّة الدّمار والألم الموجودان». وتؤكّد نعمة أنّ «الحالة حينها كانت تتطلّب التّوحدّ والصّلاة فقط، عدا عن إحساس الإختناق الّذي شَعرت به والصّعوبة الكبرى لتتمالك نفسها ومشاعرها المترنّحة ما بين الصّلاة، الرّجاء، الحزن والغضب». وتضيف: «كان ذلك أصعب حفلٍ أحييته طوال حياتي، كنتُ حاضرةً وغير حاضرة وكأنّني في عزاءٍ أو دفنٍ كبير!».


عبير نعمة ترنم لبيروت

وبعد سؤالها عن الأثر الّذي تركه فيها إنفجار بيروت، تلفت نعمة إلى أنّ «إنفجار الرّابع من آب لم ينتهِ وقعه، بل إنّها تشعر به في كيانها وقلبها ونفسها يومياً. وبات من الصّعب أن تذهب آثار آلام ذاك الإنفجار من ذاكرتنا الجماعية في لبنان، حتّى بعد أن يمرّ أمدٌ طويلٌ عليه». وتعتبر نعمة أنّ «بناء الحجر وعلى الرغم من صعوبته هو أسهلُ بكثيرٍ من إعادة بناء أو ترميم النّفس والطاقة لإسترداد العافية النّفسية ما بعد كارثةٍ مثل إنفجار بيروت».

وتعبّر نعمة بحزنٍ وأسفٍ شديدين لتضيف: «ما شعرت به يومها هو أنّنا أشخاصٌ منسيّون ومهجورون، أيتامٌ، لا دولة لنا، حتّى لو هبّت كلّ الدّول لنجدتنا، فدولتنا غائبة». وتفسّرُ واصفةً شعورها، «بالتّناقض وقتها، ما بين الغضب، الهزيمة ورفض الإستسلام، لتعاود الإيمان بأنّه من الممكن الولادة مجدّداً، حتّى لو من الرّماد».

وتختم نعمة: «مساءُ الرّابع من آب، شعرت كم أحبُّ بيروت، تلك المدينة الغالية، الّتي حلّق فوقها ذاك الغراب الأسود، تلك المدينة العريقة والقديمة الّتي تشبه سيّدةً معمّرةً جميلةً، تلبسُ يوميّاً أجملَ حُلَلِها ولباسها إستعداداً لمواجهة الموت، ولكنّها لا تموت ولن تموت!».

غانم: الشبابيك «طارت» أمّا أنا باقية!

قصّةٌ وأثرٌ آخر، من بين كُثُر. عن الفنّانة السّوبرانو والأستاذة غادة غانم الّتي تسكنُ في الأشرفيّة أي في مكانٍ قريبٍ لموقع الإنفجار، وخلال حديثٍ لها لـ «اللوّاء»، تعتبر غانم أنّ «ما حصل في الرّابع من آب ليس إنفجاراً بسيطاً ولا تقاعس أو مشكلة تلحيم ومفرقعات، بل هو مشهدٌ كارثيٌّ من فيلم رعبٍ لبنانيٍّ يعيشه الجميع منذ سنواتٍ عدّة، هدف أبطاله هو إلغاء هيبة الدّولة ليبقى لكلٍّ منهم دورٌ في هذا الفيلم». وتضيف متأسّفةً: «تخيّلوا وبعد كارثةٍ كهذه، أن تقول لنا دولتنا قوموا بترميم منازلكم من الرّدم بأنفسكم. دولتنا، لم تستطِع أن تحمينا، ومن سرقها وأفلسها معروفٌ، لكن يبدو أنّنا سنبقى محكومين هكذا!».

وبعد سؤالها عن دور الفنّان اليوم في ظلّ كارثةِ إنفجار بيروت والأزمات كافّة، تشدّد غانم أنّه «من أكبر الأخطاء أن يسأَم ويهاجر الفنّانون والموسيقيّون من بلدهم، إلاّ أنّ مسارحهم اليوم تُغلَقُ أمامهم، واحداً تلو الآخر لتحلّ محلّها مسارح الجرائم».

وتؤكّد غانم: «الآن هو الوقت الضّروري الّذي يتطلّب الفنّ الملتزم والحقيقي، والّذي يُفترَضُ أن يضيءَ عتمة اللّيل الّتي تهاجم الجميع، كي يكون له دور في بناء دولةٍ مدنيةٍ عادلةٍ ليصبح الجميع مواطنون ومواطناتٍ في دولةٍ تحترم وتدافع عن الجميع دون إستثناء».

وتابعت بحزن: «الخراب الّذي حصلَ يجب أن يوعّي كلّ ضميرٍ نائمٍ، لكن للأسف يبدو أنّ الضّمير غائبٌ منذ زمن! في الرّابع من آب، ارتدى كلّ لبنان السواد، على بيروت، على حالنا، على المستقبل ومن استشهدوا في صدفة الوقت والزمان يومها! أمّا أنا، فشبابيكُ منزلي في الأشرفيّة قد طاروا ولكنّني باقية!».
بعد الإنفجار

مسرح الجمّيزة، معلمٌ ثقافيٌّ ضحيّة الإنفجار

«قصر سرسق، دار الأوبرا في وسط بيروت، مسرح الجمّيزة...»..

أسماء لبعض المعالم الثقافية الّتي تضررت جرّاء إنفجار بيروت، وفي مقابلةٍ خاصّة لـ «اللِّواء» مع مديرة مسرح الجمّيزة الممثلة صولانج تراك، تلفت تراك إلى أن «الجهات الّتي ساعدت في ترميم المسرح اقتصرت على الممارسات الفردية، مثلاً صديقٌ لفريق عمل المسرح، ساعد من خلال إرسال مهندس خاصّ. وقدّمت أيضاً جمعيّة هولندية يد العون، لتوفير المساعدة في إعادة البناء والترميم». ولفتت إلى أنّهم «قاموا بنشاطٍ خاصٍّ لجمع التبرعات، فتبرّع العديد من الأصدقاء لدعم أعمال إعادة إعمار المسرح، واقتصرت المساعدات على هذه المبادرات مع غيابٍ تامٍّ للدّولة اللّبنانية والجهات المعنيّة كوزارة الثقافة مثلاً». وتضيف تراك: «لم تبدِ أي جهة معنيّة من قبل الدّولة، الأهمية لترميم مسرح الجمّيزة والّذي يعتبر معلماً ثقافيّاً وتاريخيّاً مهمّاً، شهد على ١٢٠ عاما من الفنّ، أيّ أصبح جزءا من تراث هذه المدينة. حتّى أنّ الدّولة لم تقُم بالكشف على المسرح على الأقلّ».

وفي خصوص مسار أعمال ترميم المسرح، توضّح تراك بأنّ «أعمال التّرميم مستمرّة، لكن الأضرار كثيرة، إثر تضرّر سقف المسرح وهبوطه بشكلٍ كامل وخسارة جزءٍ كبير من المقاعد وبعض الجدران، وتضيف: «لقد بدأنا من الصّفر، ومن الصّعب عودة العمل الطّبيعي الآن جرّاء أعمال التّرميم وجائحة كورونا أيضاً».

أمّا عن الأثر الّذي خلّفه دمار المسرح الّذي تديره الممثّلة صولانج، فتروي: «عندما دخلنا إلى المسرح بعد يومٍ على الإنفجار، تأثّرنا كثيراً بالحطام، وكأنّ أحلامنا محطّمة أمام أعيننا، مكان عملنا ومنزلنا الثاني. رحنا نتخيّل حجم الخسارة لو أنّ صفوف مسرح الأطفال كانت قائمةً بذات وقت حدوث الانفجار حينها، لكنّنا كنّا نقوم بتأجيلها دائماً بسبب إنتشار كورونا. أمّا عن دورنا كفنّانين، فنحن ليس لدينا سلاحٌ سوى الفنّ الّذي بين أيدينا، لذلك لن نتوقف وفورَ جهوزيّة المسرح سنعود للعمل الفنّي والمسرحي ولاستقبال الأعمال مجدّداً، كي لا نموت ثقافيّاً أيضاً، فالمسرح هو من أسس الصّورة الثّقافية في البلد».





وزارة الثّقافة: مبادراتٌ قيد التّطوير

وبعد متابعة تصريحات وزارة الثّقافة ومؤتمراتها، تبيّن من خلال مؤتمرها الأخير في قصر الأونيسكو أنها وبعد إطلاق خليّة الأزمة بعد إنفجار بيروت لمتابعة الأضرار والمباشرة بالترميم، تسعى اليوم لجمع تبرّعات خارجية قدر الإمكان. وكذلك، وفق معلوماتٍ لـ «اللِّواء» تبيّن أنّ المرحلة الأولى لأعمال الوزارة اقتصرت على التدعيم الطارئ للمباني المعرّضة للسقوط فقط، في حين تستكمل اليوم المبادرات بالتعاون مع منظمات دولية وطاقات محليّة من متعهّدين وعدد من المهندسين من الجامعة اللّبنانية لاستكمال خطط إعادة الترميم والبناء والمباشرة بالخطط المطروحة.

لبيروت حكاياتٌ مع المجد

تلِدُ بيروت المجد في كلّ حدثٍ تعيشه، محزناً كان أو مفرحاً، فتمجّد حبيبها «لبنان» بأَوجهٍ كثيرة، إلاّ أنّ مجد الرّابع من آب، كان حقّاً مجداً من رمادٍ، ‏كما تغنّي فيروز. ورغم رمادها وركامها اليوم، لا زالت تحملُ به نحو الكثير من الخير والجمال حتى في عزّ حزنها وضعفها. هي تحتاج اليوم إلى من يضمّد جراحها وآلامها، إلى من يحفظ تراثها الجميل على الصّعد كافّة، لتحفظ بذلك ماء وجهها الّذي مهما حاولوا تلوثيه يبقى نقيّاً عصيّاً على المحن... وتبقى، بيروت الّتي اعتادت على المجد ويبقى شعب بيروت الّذي اعتاد أن يُزهر.


أخبار ذات صلة

قرار جديد لفهمي حول التعبئة العامة.. هذا ما تضمنه
التحكم المروري: قتيل إثر انزلاق دراجة نارية على أوتوستراد الأسد [...]
الأمطار في طرابلس تحولت الى نقمة بفعل الاعمال