بيروت - لبنان 2018/11/17 م الموافق 1440/03/09 هـ

في «زند الحَجَر» لضحى المل:قراءة الحاضر في سطور الماضي

حجم الخط

من حارة التنك.. في البيت الحجري القابع على نهرأبي علي البيت الحجري الذي يترنح عند هدير الشتاء تحت أي عاصفة قوية قد تتركه بين طوفان وآخر لنهر أبي علي المنساب كشريان مائي يمنح السويقة عبق التاريخ القديم....صرخت عائشة زوجة عبد الغفور صرخة الولادة وصرخة الموت...لحظة ولدت فيها روح وماتت روح حملت على الأكف جسداً.... وجسداً سيحمل على الأكف من غير روح..
رحلت عائشة وانتهت حكايتها مع زوج يعيش لنفسه لتبدأ حكايته مع  مولودٍ هو «رؤوف» الذي تتشابه  حكايته وحكاية أمه في ذلك الظمأ إلى الحنان...
عبثية هي الحياة...وموجع هو القدر [....] وسؤال... هل  تحرك تلك العبثية وذلك الوجع مكامن الإبداع لدى الروائية, فينطلق ناسجاً بين الواقع والخيال سرديات, يرحل القارئ معها مغترباً عن نفسه, ليعيش الأحداث.. الشخصيات.. إلى حد التماهي.
هي الروائية  ضحى المل في «زند الحجر» وهذا حال قارئها.
وحرمان وتشرد وحرب وموت, ورؤوف, الشخصية المحور, يحكي لإبنته هدى قصة حياته وكواليس أحداث لم تعها... في قصة حب جمعته وعفاف التي غدت وإلى نهاية الرواية طيف هناء وسعادة وحنان بقي يعدو خلفه إلى آخر رمق من حياته.
مشاهد يقفز فيها الزمان متنقلاً بين الماضي البعيد 
والحاضر القريب.... ماضٍ بعيد ومشهد  طرابلس مسرح الأحداث, حين كان الزمن يحتضنها بوداعته فعلى الرغم من الفقر المدقع الذي كانت تغرق فيه السويقة وحارة التنك والمناطق المحيطة, إلاّ أنها كانت تنعم بالأمان.
تنفتح المشاهد على مأساوية وفاة عائشة. وعبد الغفور الزوج اللاهي الذي كان يعتاش من مصبات القهوة وصندوق الفرجة, يمضي, كما في سابق عهده...» لامع الشعر مهترئ الحذاء.. يجرجر بنطلونه وقميصه مفتوح الصدر, وكأنه ربان سفينة يحمله الموج.. بل كأنه يتراقص على أنغام صوته المنادي على القهوة...وكلما شعر بحلاوة امرأة ملفعة بالسواد ازداد بريقاً كأنه عاد إلى مرحلة المراهقة..»... بينما فاطمة ابنته التي لم تبلغ مبلغ النساء والتي غسلت جسد أمها بماء الحزن ستحتضن الوليد رؤوف وأحمد ومحمود وطه بين جدران أدكن متجهم...  بيتٍ يحتاج إلى نفضٍ من غبار الفقر والتقتير[...] 
ٌٌتطل شخصيات تدفع بها الكاتبة...العمتان: نورا وأم ابراهيم.. الجدة سعاد, العم أبو أحمد, وزوجته الثانية, وطيف الأولى بهية.. متوقفة عند هذا الطيف ومفارقة بين عبد الغفور وأبي أحمد,عند استقبال كلٍ لمولوده...فبعد أن اطمأن أبو أحمد على عبلة والمولود, طفق يعدوإلى قبر بهيجة ويناديها بصوت خافت «يا بهيجة ابننا أحمد قد ولد من جديد, فمتى سنجتمع مرة أخرى».. لم يتجمد أبو أحمد بعد أن غفاساعات على قبر بهيجة وهو يحادثها بشغف  ملأ رئتيه من عطرها  وكأنها هي  التي تنفث الهواء,وانتشى من برودة لفحت روحه التي طابت لها الذكريات[...].
لن يكون باستطاعة القارئ عدم الركون إلى تلك التعابير المتناهية شفافيةً... والمنطلقة من عالم طيفي يموج بالمشاعر والأحاسيس عند جميع المنعطفات التي توقفت عندها الروائية في سردياتها, والتي بلغت ذروتها عند تصوير رؤوف في ارتداداته على ذاته..وكأن روحه ناءت بحمل عذاباته, في رحلة عمره, فغدا ومع ابنته هدى يرحل وراء ذكرياته في لحظة انعتاقٍ من أثقالها كلحظة انعتاقه من بيت أبيه.. هرب رؤوف وكان مازال صغيراً باحثاً عن بيت عمته أم ابراهيم في قرية عيدمون «مشى على بولفارشهاب والأرض تأكل من قدميه..»  كان ينام في بيتها على زند الحجر يلفه بقماش بالية.. «هذا الزند الذي أضع عليه رأسي وأشعر بقساوة الأيام التي عشتها»..لينتقل عندها إلى مرحلة جديدة من مراحل حياته, وليعمل كما عمه في صناعة الأحذية.. «لفتني المسن الذي كان يستخدمه عمي لشحذ سكين التفصيل.. كان يشبه زند الحديد الذي أنام عليه, وكنت أتساءل:هل يشبه زند الحديد أحلامي فتتحول إلى كوابيس ترعبني ليلاً..».
هل هي كوابيس شملته وطرابلس عند اشتعال ثورة 1958 ومشاركاته في مظاهراتها «كانت الرؤية غطتها غشاوة سحابة, لكنني كنت سعيداً جداً بالتظاهرات, لشعوري بقوة رجولتي عندما أكون بين المتظاهرين..» وهنا تتوقف الكاتبة عند منعطفات تلك الثورة ونتائجها «في الحروب ما من انتصار ولا خسارة في ظل الدمار الإنساني قبل الحجري..» دون أن تغفل الحديث عن خلفياتها.. على لسان رؤوف «والحقيقةأننا في عمر الشباب نندفع دون الإحساس بقيمة القضايا المحقة فعلاً... لأننا نصبح كزجاجة ينفخها صانعها لتكبر فإما أن تصبح جميلة تلفت الأنظار, وإما أن تنكسر بين يديه» قلم معبر.. وقارئ يقرأ حاضره في سطور الماضي...
كان رؤوف محقاً فقد شحذ زند الحديد أحلامه التي تحولت إلى كوابيس شملت حياته كلها...حتى وبعد زواجه من ابنة عمته التي كانت عمته تعارضه لإختلاف المستويات.. «لكننا... هكذا نحن الفقراء نمارس السلطة على بعضنا البعض..» فقد غدا هذا الزواج كابوساً حيث زوجته خديجة وأم أولاده, لم لتعيره أدنى اهتمام سوى لماله بعد أن سار على دروب الغنى...
في ظل هذه الظروف تطل عفاف الهاربة من سورية التي تكررت على أرضها ويلات الثورات... وكأن القدر ساقها لتملأ على رؤوف حياته ووجدانه.وتحيي أحلامه في أنه مازال هناك متسع جميل للحياة.. «تجاعيد القهر التي أغطيها بعلاقتي بعفاف هي جزء من أسطورة.. أنا نفسي أظنها من ذاكرة الأحداث المختبئة بين شقوق السعادة التي تمر في حياتي كالخيال..».
وكما دخول عفاف في حياة رؤوف دونما استئذان... كان خروجها...لتبقى ذلك الطيف الذي أقض مضجع رؤوف.فرحل دونه... بعد أن جعلها  في ذاكرة ابنته هدى لغزاً طفقت تعدوعبر الأمكنة والأزمنة ولتعيش نبض أبيها.. بكل مااتصل به وعايش معه وله...وفي ذهنها سؤال... لماذا رفضت عفاف الزواج منه؟!!!
فحوى الحياة أنها تشبه كوز الصنوبر, كلما انتشلنا منه حبة بصعوبة... بقيت أخرى عالقة في جوفه لاتريد الخروج إلا بشق الأنفس[....].
ضحى الخطيب


أخبار ذات صلة

مؤتمر صحافي لوزير الثقافة الإثنين
معرض الكتاب العربي.. والتحضيرات...
بشارة الخوري... «الأخطل الصغير» عصر الشعر الذهبي