بيروت - لبنان 2021/01/15 م الموافق 1442/06/01 هـ

قاعة الدرس

حجم الخط

أول ما عرفت المدرسة، كانت بقاعة واحدة وثلاثة صفوف ومدرّس واحد.

كانت السواتر العازلة، من القماش الخام، أو من الشوادر، حسبما كان يتيسر للأهالي في ذلك الزمان.

كان المعلم يوزع الدروس على الجميع في قاعة الدرس الواحدة؛ فصف يراجع بصمت درس القراءة، وصف يحضّر بصمت درس الإملاء، وأما الصف الثالث، فكان ذا جلبة، يقف المعلم عليه، ويشرح الدرس، ويتقاسم والصغار الضجة. ينتدب أحد التلاميذ ليسمع منه ما حفظ، من دروس الجغرافيا والتاريخ والأشياء والإستظهار.

كنا نخرج من الصف إلى الباحة الأمامية، وننتشر في نواحيها على الحجارة، وقرب جذوع شجيرات السرو والصنوبر، ونختبئ من بعضنا تحت شجيرات الدفلى، نتباعد عن بعضنا قليلا، حتى لا نتلهّى عن الواجب المدرسي. والمدرّس، يراقبنا من داخل قاعة التدريس، وربما كان يتمشّى بيننا في الملعب، ويسمّي أحدنا سرا ليساعده في المراقبة، حتى لا تكون هناك، فوضى بيننا.

كان المدرّس بعد إنصراف التلاميذ، يتأخّر عن الخروج من القاعة لساعة أو أكثر، بعدنا. يحضّر خلالها دروس الصفوف الثلاثة لليوم التالي.

وكان الكبار من بيننا، يعودون إلى قاعة التدريس في الليل، من النافذة التي لا يحكمون إغلاقها قصدا، حتى يتمكنوا من الولوج، إذا ما خيّم الليل وإنقطعت السابلة.

كانوا يبحثون عن دفتر التحضير، ليحضّروا الدروس أيضا، فيتمايزون عن زملائهم، وينالون رضى المدرّس، وينالون أيضا العلامات العالية.

وكانت المدرسة تنمو عاما بعد عام، لتصبح بخمسة صفوف وملعب واسع وحمامات ومظلات وعمود لكرة السلة.

وكانت أقسام المدرسة، ما بين إبتدائية أو تكميلية، ثم نشأت الثانويات في عواصم المحافظات أو النواحي. وفي أيامنا كانت لعكار كلها ثانوية واحدة في وسط بلدة حلبا على الطريق العام، تماما مثلما كانت لطرابلس ثانوية واحدة للصبيان في طلعة الرفاعية، وثانوية أخرى للبنات في محلة الزاهرية، حيث ينتهي الشارع بجنائن وبساتين الليمون.

ثم حدث أن توسّعت المدارس وانتشرت في البلدات والنواحي، ودخل التعليم الرسمي في منافسة قوية مع التعليم الخاص.

وكانت المدارس الخاصة تغري المدرّسين الأكفّاء على التدريس فيها، بحيث لم تلبث أن تقدّمت على المدرسة الرسمية.

وعاما بعد عام، كانت تفرغ المدرسة الرسمية من طلابها، بسبب الإهمال، وتخلّي المسؤولين عن مسؤولياتهم. بينما كانت المدارس الخاصة تقوى، ويشتدّ عودها، وتتسع للطلاب مهما عظموا في طرق أبوابها. وكان التنافس، هو الذي يحرّك دينامية التعليم فيها.

في مطلع العام 2020، اجتاحتنا الجائحة، حلّ الفيروس كورونا في البلاد، وسارعت القطاعات الصحية للمناداة بالتباعد الإجتماعي، والحجر في البيوت والمنازل، وفرضت التعبئة العامة على الناس عدم الخروج، وشلّت القطاعات العامة ومن بينها قطاعات التعليم كلها.

لزم الطلاب والتلاميذ والمدرّسون والأساتذة الثانويون وأساتذة الجامعات كافة، منازلهم وبيوتهم. 

عدنا جميعا إلى قاعة الدرس الواحدة.

صار الصغير مع مربيته على الـ «لابتوب»، وصار التلميذ على الـ «لابتوب»، وصار تلميذ الثانوية وطالب الجامعة على الـ «لابتوب» أيضا..

 صار المدرّسون جميعا مع أبنائهم، ينفردون تحت سقف واحد، وربما في قاعة درس واحدة، لمتابعة تحصيلهم العلمي.

في العام 2020، عادت الأجيال تبدع نفسها بنفسها، وصارت الملاعب والمدارس من الذكرى، وصارت الصفوف التعليمية من الذاكرة.

د. قصي الحسين

أستاذ في الجامعة اللبنانية


أخبار ذات صلة

وول ستريت جورنال: ترامب يسعى لتحفيز التعاون العربي ـ الإسرائيلي [...]
د. عبد الرحمن البزري لـ mtv: اللقاحات ستعطى في لبنان [...]
وفاة النائب الثالث لرئيس حزب الكتائب بمضاعفات كورونا