بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

قراءة عن بُعد لإنفجار بيروت وتداعياته

حجم الخط

طلبت منّي هيئة تحرير نشرة «أفق» كتابة مقال يكون بمثابة «قراءة عن بُعد لانفجار بيروت وتداعياته». لو تُرك لي اختيار عنوان هذا المقال لاخترتُ له عنواناً آخر ليس فيه «القراءة عن بُعد»، ذلك أنّني واحدة من أولئك الناس الذين لا ينظرون أبداً عن بُعد لأيّ تطوّر يحدث في لبنان. فهذا البلد الصغير الذي يُراد الانقضاض على أنَموذجه التعدّديّ سيظلّ ذا أَلقٍ فريدٍ نحرص على استمراره مهما ضعف أو خبا. ليس صحيحاً ما قاله چوزيف كيشيشيان في مقاله الأخير في الـ «فورين بوليسي» عن أنّ اللّبنانيّين كثيراً ما رفضوا التعايُش المُجتمعيّ، لكنّ الصحيح أنّ الخارج هو الذي وضعَ هذا التعايُش على المحكّ عشرات المرّات عندما فرَضَ على اللّبنانيّين أن يُحاربوا له حروبه منذ العام ١٩٥٨ مروراً بالعام ١٩٧٥ وانتهاء بالعام ٢٠٠٦.

في كلّ انفجار من هذه الانفجارات لم يكُن المكوِّن اللّبناني هو المُتحكِّم في الزناد، حتّى وإنْ أَطلق الطلقة الأولى أو مهَّد السبيل لإطلاقها. ففي الخلفيّة صراعٌ مُحتدِم على الهويّة وتجاذُبٌ عنيف بين مَصالِح تخصّ أطرافاً إقليميّة ودوليّة استمرأت الصراع على أرض لبنان.

كمثلِ تعلُّق قلوب اللّبنانيّين بذلك النبض الضعيف الذي التقطه فريقُ البحث عن أحياء وسط ركام المرفأ بعد شهر من وقوع الانفجار المُدمِّر، تعلَّقنا نحن محبّو لبنان بما بدا لنا أنّه طوق نجاة ألقاه الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون للطبقة السياسيّة اللّبنانيّة، كي ينتشل البلد من قعْر الهاوية. وعلى الرّغم ممّا انطوت عليه زيارتا ماكرون إلى لبنان من تدخُّلٍ غير مقبول في تفاصيل التفاصيل: شَكْل الحكومة وحجْمها، وخارطة الطريق ومَحاوِر الإصلاح المطلوبة، بل وعلى الرّغم من التجاوُز الفجّ لمفهوم سيادة الدولة باشتراط توزيع المُساعدات الدوليّة عن غير الطُّرق الرسميّة، إلّا أنّ إنقاذ لبنان كان هو الهدف الأسمى. فالرئيس الفرنسيّ كان الأَسْرَع في وصوله إلى مكان الانفجار، حتّى من أيّ رئيس عربي، بل حتّى من بعض كِبار المسؤولين اللّبنانيّين. أمّا لائحة التوقيعات من آلاف اللّبنانيّين لطلَب عَودة الانتداب الفرنسي على البلاد، فكانت بمثابة تطبيقٍ حَرْفيّ للقول الشهير: «كمِثل مَن يستجير من الرمضاء بالنار». في العُمق لم يكُن ماكرون والمُجتمع الدولي على خطأ في هذا التشكيك في الطبقة السياسيّة اللّبنانيّة، فملفّات الفساد مُتضخِّمة وبعضها استَدرَج إليه الاتّحاد الأوروبي نفسه، ولو أضفنا إلى ذلك ملفّ الكهرباء ولاحظنا المَصالِح الضخمة التي تُعيق التعاطي بجديّة مع هذا الملفّ لاتَّضحت لنا الصورة كبيرة وقبيحة. ولماذا نذهب بعيداً، أوَليست كارثة المرفأ هي نفسها عنواناً للفساد؟ فحتّى لو تعاملنا مع هذه الكارثة باعتبارها تُمثِّل انفجاراً لا تفجيراً، فإنّ السكوت لسنوات طويلة عن تخزين هذه الشحنة الهائلة من نيترات الأمونيوم بالقرب من التجمّعات السكنيّة وراءه علامات استفهام كبيرة لا نعرف متى تجد إجاباتها، هذا إنْ كانت ستجد أصلاً تلك الإجابات.

ترْك لبنان يعيش

لكنْ كما خدعَنا النبض الخافت الآتي من تحت الأنقاض من دون فائدة، لأنّنا لسنا في زمن المُعجزات، ولأنّ وجود أحياء بعد شهر من الانفجار كان سيغدو بحدّ ذاته معجزة، كذلك خَدعتنا خطّة ماكرون للإصلاح وأَثبتت الطبقة السياسيّة اللّبنانيّة قدرتها على امتصاص صدمة المرفأ والانتقال من مَوقع الدّفاع إلى مَوقع الهجوم، ما أعطى الأمل الزائف في أنّ تغيّراً سياسيّاً قد حَدَثَ، ولا سيّما مع الإسراع في تكليف مصطفى أديب رئيساً للوزراء قبيل يومٍ واحد من زيارة ماكرون الثانية لتفقُّد سَيْر الخطّة وأيضاً للاحتفال بمئويّة لبنان الكبير. ومثل هذا التكليف في العادة يستغرق شهوراً طويلة وأخْذاً وردّاً ومُشاوراتٍ مع عواصم عربيّة وغير عربيّة ومُساوماتٍ بصِيَغٍ مُختلفة كتلك الصيغة التي وصلت بالرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا وبالرئيس بسعد الحريري إلى سراي الحكومة قبل سنوات عدّة.

انعقد التوافُق إذن بسرعة على مصطفى أديب ومرَّ التكليف من دون مشكلات؛ ثمّ ماذا بعد؟ انقضت مهلة الأسبوعَين التي حدَّدها الرئيس ماكرون لتشكيل الحكومة ومرَّ من بعدها أسبوع آخر وتواصَل العدّ، وبدا واضحاً أنّ الطبقة السياسيّة تتصرّف بأريحيّة، وكأنّها ليست في عجلة من أمرها، وكأنّ لا مشكلات في انهيار الاقتصاد والخدمات ولا كارثة يعاني منها مواطنون بلا مأوى والشتاء على الأبواب. البعض يقول إنّ الطبقة السياسيّة تنتظر نتيجة الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، والبعض يقول إنّ الضوء الأخضر لم يأتِ بعد من طهران، لأنّه حتّى لو سقط ترامب، فهذا لا يعني بالضرورة تخفيف الحصار الأميركي على إيران. ومن جانبه صرَّح بايدن أنّه يعتزم تعديل الاتّفاق النووي، لكنّه لم يُفصح عن مضمون التعديل، وبالتالي لا نعرف بالضبط كيف سيكون ردّ فعل إيران على تعديلات بايدن. من كلّ هذه الآجال المُختلفة أين مَوقع لبنان واللّبنانيّين؟ ثمّ بعد ذلك يسأل كيشيشيان لماذا يستمرّ اللبنانيون في العيش في كذبة الدولة ويجد أنّ الحلّ هو التقسيم، بينما لا يخطر على باله أنّ الحلّ يكمن في ترك لبنان يعيش.

في مقالٍ بعنوان «لبنان المنكوب والارتهان الكبير» (الشرق الأوسط 18/9/2020) يقول د. رضوان السيّد إنّ الثنائي الشيعي وافقَ على تكليف مصطفى أديب، لكنّه ليس صاحب مصلحة في التأليف انتظاراً لمَفاعيل المُتغيّرات الخارجيّة التي سبقت الإشارة إليها، وهذا قول صحيح لأنّنا فجأة أصبحنا أمام عقدة تمسُّك حركة «أمل» و»حزب الله» بوزارة الماليّة، بل تحوَّلت هذه المسألة بين عشيّة وضحاها إلى عقدة العقد. قول صحيح، لكنّني أضيف إليه أنّ التمسُّك بالتوقيع الشيعي على التصرّفات الماليّة للحكومة جنباً إلى جنب مع التوقيعَين الماروني والسنّي يُحقِّق هدفاً أبعد، وهو تكريس المُثالَثة في الحُكم التي لا تفتأ تتكرَّر المُطالَبة بها في مناسبات مُختلفة، بحيث إنّه ومن دون تعديل الدستور للنصّ على ربط كلّ وزارة باسم طائفة معيّنة يتمّ تكريس العرف ليفرض نفسه كأمرٍ واقع. ومن المجال السياسي ينتقل السجال إلى المجال الديني، فيتساءل البطريرك الماروني بشارة الراعي: بأيّ صفة تُطالِب طائفة بوزارة معيّنة كأنّها مِلك لها؟ ويردّ عليه المفتي الجعفري أحمد قبلان قائلاً: لن نقبل بإلغاء طائفة بأمّها وأبيها بعصا أميركيّة وجزْرة فرنسيّة. ولا يدري المرء في الحقيقة أين هو الإلغاء الفرنسي للطائفة الشيعيّة إذا كان الرئيس ماكرون قد اجتمع بمُمثّلي هذه الطائفة في بيروت وتلقّى ورقتهم الإصلاحيّة كما تلقّى أوراق الطوائف الأخرى، بل وبدا في لحظة معيّنة مُستعدّاً لتسليم الشيعة حقيبة الماليّة في مقابل أن ترى حكومة مصطفى أديب النور، وهذه نقطة خلاف كبيرة مع الرئيس الأميركي. على أيّة حال فإنّ هذا التلاسن الطائفي الماروني - الشيعي ليس إلّا صورة طبق الأصل من تلاسُنٍ سابق بين قبلان والراعي حول قضيّة المُثالَثة في الحُكم التي هي مَربط الفَرَس. 

في عيد الفطر في شهر أيّار (مايو) الماضي، أثار المفتي الجعفري ضجّة كبيرة عندما اعتبرَ أنّ صيغة الميثاق الوطني التي أسَّست للنظام اللّبناني منذ العام ١٩٤٣ قد انتهى مفعولها. فهي في رأيه صيغة طائفيّة واستبداديّة (يقصد لأنّ الميثاق عُقِد بشكل ثُنائيّ بين الموارنة والسنّة)، فإذا بالبطريرك الماروني يردّ عليه بأنّ تطوير النظام اللّبناني يجب ألّا يكون ذريعة للقضاء عليه. 

ولأنّ التحالُفات السياسيّة اللّبنانيّة بُنيت على مَصالِح ضيّقة ولا علاقة لها بالمبدئيّة، لا ينبغي أن نُفاجأ بأنّ زعيم التيّار الوطني الحرّ يرفض المُثالَثة برفْضه ربْط الماليّة باسم الثنائي الشيعي وإن يكُن حليفه، وذلك أنّ جبران باسيل هو نفسه صاحب مشروع سياسي جوهره الانقلاب على صيغة الطائف في العام ١٩٨٩ لاستعادة بعض صلاحيّات رئيس الجمهوريّة التي ذهبت لرئيس الحكومة، فتكتُّل لبنان القويّ يلزمه رئيس جمهوريّة بالقوّة نفسها.

انفجارٌ هزَّ الأرض لا الطبقة السياسيّة

هكذا يظهر لنا أنّ انفجار المرفأ قتلَ البشر وهزَّ الأرض والحَجَر، لكنّه لم يهزّ الطبقة السياسيّة الحاكِمة، بل إنّها التفّت على هذا الانفجار وحاولت أن تستولد منه فرصة تستفيد منها إلى المدى الأقصى، بل كان مُدهشاً أن تنقّض هذه الطبقة على الحراك الشعبي الغاضب - بدلاً من أن تخجل منه وتستحي - ويُنكِّل زعرانها بالمُتظاهرين الشبّان، تارة لأنّهم سبّوا «السيّد»، وأخرى لأنّهم نزعوا صورة الرئيس، وثالثة لأنّهم اعترضوا طريق «بَيّ السنّة» في لبنان، وأن يُسكِت الحُكم المُفاجئ لمَحكمة الحريري الأصوات المُطالِبة بتحقيقٍ دولي في كارثة المرفأ. فمَن ذا الذي بمقدوره بعد ذلك أن يدعو لإعادة التجربة نفسها ليحصل على النتائج نفسها؟ وطغت قضيّة وزارة الماليّة على أخبار تحقيقات المجلس العدلي، فلا نعرف إلى أين ذهبت بالضبط. وفي الأثناء، وكالعادة، تخطئ التقديرات الأميركيّة في التعاطي مع كلّ ملفّات المنطقة فتشمل وزير الماليّة السابق علي حسن خليل بعقوباتها الاقتصاديّة، وبالتالي تقدِّم أساساً لادّعاء الثنائي الشيعي باستهدافه سياسيّاً وتزيد في تشبّثه بوزارة الماليّة العتيدة رفضاً لسياسات الاستكبار العالَمي.

لا شيء جديداً تحت شمسكَ يا لبنان بعد كلّ ما حدث وعلى الرّغم من كلّ ما حدث. وكما يقولون فإنّ البعض يُحاول حلْحَلة المَوقف المتأزِّم بحلولٍ جزئيّة كمِثل تسليم الحقائب السياديّة للطوائف الصغيرة، أو كمِثل تسليم وزارة الماليّة لشيعي هذه المرّة على سبيل الاستثناء، لكنّ الحلول الجزئيّة هي مُسكّنات تهدّئ الألم ولا تُعالِج المرض، والمرض هو أنّ لبنان في قلب التجاذُبات الإقليميّة والدوليّة وأنّ هذه التجاذُبات تنعكس بقوّة على التوازنات الداخليّة فيه وعلى تفاعُلات القوى السياسيّة والدينيّة. وإذا ما بقي الحال على ما هو عليه، فكلّ احتجاج بنصوص الدستور سيُواجهه العُرف المسنود بقوّة السلاح، وكلّ حديث عن الدولة المدنيّة ستجوّفه الطائفيّة السياسيّة البغيضة، وكل تطلُّع إلى المستقبل ستُكبّله تعقيدات الواقع وتدخّلات الخارج. مُخطئ مَن يظنّ أنّ المُشكلة هي مُشكلة حكومة مصطفى أديب أو أنّ انفجار المرفأ شكّل علامة سياسيّة فارِقة.

د. نيڤين مسعد

أستاذة العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة

/بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي/ 

«نشرة أفق»


أخبار ذات صلة

السلطات الفرنسية أعلنت بعد مواجهات السبت الماضي أنها ستعيد النظر [...]
حيدر يتفقد اعمال ملعب أنصار (شلبعل) ويعزي باللاعب فحص
بن فرحان: هناك تقدم في حل أزمة قطر.. ويجب التشاور [...]