بيروت - لبنان 2018/08/17 م الموافق 1439/12/04 هـ

«مؤسّسة الفكر العربي» تختتم فعاليّات مؤتمر «فكر16» في دبي

الأمير خالد الفيصل: اليوم يستعمرون الفكر والثقافة ولن نقبل أن نكون أتباعاً

الأمير خالد الفيصل متوسّطاً د. العويط ود. العيسى ود. دسوقي في الجلسة الختامية
حجم الخط

دبي – «اللـواء»:

اختتمت مؤسّسة الفكر العربي فعاليات مؤتمرها السنوي «فكر16»، الذي انعقد في دبي على مدى ثلاثة أيام، برعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بجلسة بعنوان «نحو إنسان عربي جديد»، شارك فيها رئيس مؤسّسة الفكر العربي الامير خالد الفيصل، والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، وزير الشباب المصري الأسبق وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور علي الدين هلال دسوقي، وأدار الجلسة المدير العام لمؤسّسة الفكر العربي البروفسور هنري العَويط. 
تحدّث الشيخ العيسى عن أهمّية التعليم باعتباره المُكمّل الذي يأتي بعد الأسرة، وأشار إلى وجود منصّات التأثير وهي عديدة، وفي طليعتها الإعلام الذي يقود الرأي العام، ويشمل الثقافة والعادات والإعلام الذي لديه تأثير كبير وقدرة على قلب المعادلات، معتبراً أنّ هذه الأمور هي منظومة مُجتمعة. ورأى أن التغيير يبدأ من الداخل، حيث لا بدّ من صياغة مشروع وطني يبتغي المصلحة العامّة في صياغة المنظومة الثقافية واستشراف مستقبل واعد للنهوض، ويضع خططاً استراتيجية واضحة وشفّافة بناءً على مقاييس تُحاكي التقدّم وتأخذ الاخفاقات في الاعتبار. 
وأوضحَ أنّه لا بدّ لتحقيق هذه المنظومة من ثلاثة أمور: أوّلاً تجريد المصلحة أي الإخلاص التامّ للهدف بعيداً عن أيّ أجندة خاصّة أو مصالح اعتراضية. ثم لا بدّ من النزاهة والشفافية أمام الجميع من دون استثناء، وثالثاً لا بدّ للخطط من أن تحمل رؤية وأهدافاً وجداول زمنيّة يراقبها الجميع ويقوّمونها.  
وأكّد الشيخ العيسى أنّ الإنسان العربي يشترك مع غيره في الفكر والطموح، ولكنّه مرّ بمنعطفات عوّقت طموحه، وهي تبدأ بالحكومات القائدة، وهي منعطفات دفعت العقل العربي إلى الهجرة، وفي أحيان أخرى إلى أن يكون حبيس بحثه وإبداعه. 
بدوره، تحدّث الدكتور علي الدين هلال عن دولة القانون، وحكم القانون، والمؤسّسات، والدولة الوطنية، والمواطنة، وقال إنّ المؤسّسات هي مجموعة أفراد، والدولة هي حكّام ونُخب ومحكومون. وأكّد أنّ أيّ إصلاح وأيّ تقدّم لا يتحقّق إلّا من خلال البشر. فالإنسان هو هدف التقدّم ووسيلته، والدول تتمايز فيما بينها ليس فقط بما تمتلكه من موارد، ولكن برأس مالها البشري والاجتماعي، وبما تمتلكه من مهارات وقدرات وذكاء لدى المواطنين. 
واعتبر أنّ هذا الإنسان العربي الجديد يتأسّس على ثلاثة مقوّمات، هي الخيال والعلم والتوافق. أولاً الخيال أي الابتكار، وروح الفضول والتساؤل، بمعنى الرغبة في التجديد والتحديث، والبحث عن حلول جديدة له ولأسرته ومجتمعه ووطنه. ليس على الإنسان أن يبقى ضمن قوالب صنعها له الآباء والأجداد، بل أن يسعى إلى الانفتاح على العالم الفسيح، وألّا يكون مُستهلكاً بل مشاركاً. ثانياً العلم، إذ لا يتحقّق أيّ تقدّم إلّا بالاستناد إلى العلم والبحث العلمي، ولا يتحقّق طالما أنّ ثقافتنا العاّمة لا تحترم العلم، وحكوماتنا لا تحترم العلم والعلماء، فقيمة العلم هي في المجتمع نفسه. وأكّد أن العلم يؤسّس للحرية والتعدّدية والنهج الأفضل لتحقيق النتائج، والعلم بمعناه الشامل هو العلوم الطبيعية والاجتماعية. ثالثاً أن يكون الإنسان العربي إنساناً توافقياً يُدرك أنّ الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يجعل الناس على دين أو لون أو عرق أو قالب واحد لفعل. 
الأمير خالد الفيصل
وألقى الأمير خالد الفيصل كلمة قال فيها: سأتحدّث عن الإنسان العربي بصفة عامّة وليس بصفة خاصّة، الإنسان العربي المتجدّد. وأُعطي مثالاً عن بداية الرسالة الإسلامية، حيث ترك رسول الله ما تعوّد عليه آباؤنا من عبادة الأصنام، وذهب إلى عبادة الله وكتابه. وبذلك برهن الإنسان العربي أنّه يستطيع التجدّد والتكيّف بما فيه فائدة له. وانتقل الإنسان العربي إلى إنسانٍ مشارك في العالم. وأعطى مثالاً عن التجديد، هو فترة خلافة أبي بكر الصدّيق الذي عيّن عمر بن الخطاب قاضياً للناس ومنذ ذلك الوقت بدأ فصل القضاء عن الولاية. 
وأضاف: إنّ أبا بكر عمل على تطوير الإدارة واستحضر نظام الدواوين من الدولة الفارسية، وهكذا بدأ الإنسان العربي يتطوّر إلى أن أصبحت الأمّة الإٍسلامية من أقوى الدول والجيوش، فنشرت ثقافتها ونقلت حضارتها إلى الغرب، وترجمت الكتب، معتبرا أنّ هذا هو الإنسان العربي المتجدّد، الذي انتقل من بدويّ إلى مؤثّر ومثقّف أثّر في الغرب حتى تغيّرت حياة الغربيين. 
وتطرّق إلى الوضع الحالي، فقال: منذ الحرب العالمية الثانية والدول العربية تُقَسّم من قبل الغرب إلى دويلات، وتُحكم من قبل الآخرين، ثم ظهر ما يُسمّى بالتحرّر العربي على يد بعض الضبّاط العرب، فحدثت انقلابات عسكرية استولت على الدول العربية وتحوّلت بفضل رغبات القيادات العسكرية إلى ثورات شعبية ليس للشعوب أيّ يد فيها. من هنا أحبط العرب، وبدأوا بالخنوع والمسيرة التي لا تسأل بل تُلبّي، وهكذا انتشر الركود الفكري والثقافي والعقلي للإنسان العربي، وأصبح ينفّذ ولا يفكّر. وفي السنوات الأخيرة، تغيّرت هذه الثقافة، وتغيّر الفكر، والوعي، من التبعية إلى التفكير، لهذا الغرض ولهذا السبب أنشئت المؤسّسات والجمعيات الثقافية والفكرية في الوطن العربي، ومنها مؤسّسة الفكر العربي، التي أتاحت المجال للمفكّر العربي كي يتحدّث بحرية.
وتابع: الحال اليوم في الوطن العربي ليس كالسابق، وخير مثال هو وضع التجدّد في الثقافة والفكر والأسلوب في الإدارة. هناك نماذج حيّة استطاعت العناصر الانقلابية ألا تتحدّث عنها، وأن تهملها وتهمّشها، بل وتوصمها بالرّجعية والتبعية والجاهلية. وأذكر نموذجين ناجحين. لدينا وحدة عربية واحدة نجحت سُمّيت المملكة العربية السعودية، وحّدت القبائل وطوّرت المجتمع، فتغيّر من مجتمع لا يقراً ولا يكتب، إلى شعب يحصد الجوائز العالمية في العلوم والتقنية. وحين يتحدّثون عن الأمن والاستقرار يذكرون السعودية مثالاً.  
المثال الثاني هو الإمارات العربية المتّحدة والتي نعتبرها الاتّحاد الوحيد الناجح، وقال: شاهدوا اليوم إلى أين وصلت، العرب يتهافتون للزيارة والعمل في الإمارات، وهي تُجسّد قوة الإنسان العربي وقدرته على التطوّر. والمثالان يعطيان الأمل بأنّ الإنسان العربي بخير والفكر بخير والإدارة العربية بخير. 
وختم: نحن لها، ونستطيع الوصول ِإلى أرقى المراكز في العالم. فالسعودية من بين الدول العشرين صاحبة أكبر اقتصادات في العالم، وهو إنجاز لم تحقّقه العديد من الدول، وقد حقّقه الإنسان العربي. واليوم، الإمارات العربية المتّحدة هي من البلدان المتقدّمة في كثيرٍ من النواحي. لا ينقصنا شيء إلّا الإدارة والتركيز والثقة بالنفس. لقد هزّوا ثقتنا بأنفسنا في الماضي بالجيوش، واليوم يستعمرون الفكر والثقافة. هم يريدون أن نؤمن بأنّنا لن نتطوّر إلّا إذا تبعناهم في كلّ شيء. لكنّ التبعية ليست تقدّماً وإنما هي عيْن التأخّر. فالتقدّم هو في الإبداع والابتكار. وسأل: لدينا مبادئنا ولدينا تقاليدنا، لماذا لا نبني عليها؟ لماذا لا نجدِّد حياتنا وأساليبنا وعصرنا، ونستفيد من العلم والتجارب الدنيوية؟ لن نقبل أن نكون أتباعاً. 
جلسات العمل
{ وتحت عنوان «صناعة الاستقرار: مساهمات القطاعات المؤثّرة» تواصلت أعمال مؤتمر «فكر16» لليوم الثالث على التوالي، وعُقدت ثلاث جلسات متزامنة حملت عناوين مختلفة، شارك فيها 17 متخصّصاً من أرجاء الوطن العربي، وتناولت القطاعات المؤثّرة  في العقل العربيّ ووجدانه، وكذلك في تكوين القِيَم والاتّجاهات المجتمعية. 
ناقشت جلسة «الإعلام» أدوار الإعلام المرئيّ والمكتوب، والتي تتراوح بين السلبيّة كترويج أخبار كاذبة والتحريض على الانقسام والفوضى والتطرّف، والإيجابيّة كتصحيح المفاهيم وغرس قيم التكامل الوطني وتنميتها. شارك في الجلسة كلّ من مدير عامّ أبو ظبي للإعلام الدكتور علي بن تميم، وزير الإعلام  اللبناني ملحم رياشي، رئيس الهيئة العامّة للاستعلامات في مصر الدكتور ضياء رشوان، رئيس مجلس إدارة شركة هيكل للإعلام عبدالسلام هيكل. وأدارتها رئيسة تحرير صحيفة ذا ناشيونال أبو ظبي السيدة مينا العريبي.
فتحدّث الوزير رياشي عن المتغيّرات الحاصلة في قطاع الإعلام، وأكّد أنّ الإعلام اليوم أصبح إعلاماً أفقيّاً وحادّاًلا يتعامل مع الأحداث بدقّة وعمق، وأصبح إعلام النتيجة من دون قراءة مُعمّقة للأسباب، وهو إعلام خاضع لتوتاليتارية وسائل التواصل الاجتماعي، الذي تملكه شريحة كبرى لا تهتمّ بالدقة، وذلك يعود لسببين: ضيق الوقت بسبب الطبيعة الاستهلاكية للحياة، وفقدان قيمة ولذّة الجدل بطبيعته الفلسفية والثقافية والاجتماعية، إذ لم يعد هناك مكان لهذا الجدل وصولاً إلى تبسيط الأمور وتسطيحها.
ورأى أنّ صحافة اليوم في أغلبها نمطية تخدم مجتمعاً ينفعل الانفعالات نفسها ويخضع للمؤثّرات نفسها، ويسعى إلى تعليب العقول الذي يتمّ وفق آلية خطرة، عبر حشرجة صالونات السياسة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. وأكّد أنّ الحلّ يكون بإعادة المشهد إلى أصله، إلى القيم المشرقية التي يمكن تصديرها إلى العالم. داعياً إلى وضع خطّة تنفيذية برسم المسؤولين في دولة الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية والدول المسؤولة، تقوم باستنهاض العقل العربي من جديد.
وتحدّث الدكتور علي بن تميم عن دور الإعلام الثقافي في أربع مجالات هي: محاربة التطرّف والإرهاب، وتشكيل الوعي المجتمعي، وبناء القِيم، وبناء الهويّة. وأكّد أنّ الإعلام في أبسط تعريفاته هو النقل الموضوعي للأخبار والوقائع، وقد يسعى هذا الإعلام إلى تزويد المتلقّي بأكبر قدر من المعلومات الدقيقة والوقائع الواضحة لغايات التثقيف والتنوير، وقد يقوم على التزييف والأكاذيب التي تُسهم في بثّ الفتن وإحياء عوامل التفرقة داخل المجتمع.
من جانبه، اعتبر عبد السلام هيكل أنّه من غير المُنصف الاستمرار في تحميل وسائل الإعلام وزر ما ليست مسؤولة عنه أصلاً. وأكّد أنّ الأمانة الإعلامية كلمة مطاطة، وإذا كان مطلوباً من وسائل الإعلام أن تكون موضوعية وحيادية، فعلينا قبل ذلك أنّ نعرّف الموضوعية والحيادية لأنّهما مفهومان خلافيان، كما أنّه لا وجود لحقيقة كاملة في الإعلام. وأشار إلى أنّ الإعلام عموماً ينشغل بالأخبار والأحداث، لافتاً إلى أنه لا بدّ من الحديث عن الاتّجاهات والمسارات، ولا بدّ للإعلام من المساعدة في تشكيل الرؤى والخيارات في منطقتنا الزّاخرة بالأحداث، وذلك لمساعدة الناس على مواءمة حياتهم مع ما سيأتي من تغيير. وأكّد أنّ عصر الإعلام الموجّه انتهى، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي سمحت لأيّ شخص مشاركة أفكاره مع الناس في كلّ مكان، والانتقال من العالم الحقيقي إلى العالم الافتراضي. 
{ وتناولت جلسة الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي الواقع الجديد الذي أوجدته وسائل التواصل الاجتماعية والطريقة المثلى للتعامل معه بشكل إيجابي، يضمن عدم تحويل المستخدمين من مجرّد تلقّي المعلومات إلى إعادة إنتاجها، وتعزيز الوعي كنوع من التحصين ضد الأفكار السلبية التي تنتشر على هذه الشبكات. 
شارك في الجلسة كلّ من أستاذ الألسنية المعلوماتية والإعلام الرقمي في لبنان الدكتور غسّان مراد، والأكاديمية في جامعة الملك محمد الخامس الدكتورة زهور كرّام، والرئيس التنفيذي للابتكار في مختبرات الدبلوماسية في الأردن الأستاذ أشرف زيتون، ومؤسّس شبكة نخوة للتطوّع والتنمية الأستاذ كامل الأسمر، والأستاذ عبد الله النعيمي مدير مشاريع مكتب الدبلوماسية العامة في وزارة شؤون مجلس الوزراء والمستقبل. وأدارت الجلسة رئيسة تحرير صحيفة البيان الأستاذة منى بوسمره. 



أخبار ذات صلة

تدمر تستعد لاستقبال السياح من جديد!
الكتاب "الفضيحة".. ميلانيا تعد الدقائق للحصول على الطلاق وأكثر!
بين الحب والكتابة!