بيروت - لبنان 2018/10/16 م الموافق 1440/02/06 هـ

ما يجب ان نعرفه عن الفن الأفريقي 1/3 بين الفنون السحرية الموروثة والفن الحديث

قناع الصمت (ساحل العاج)
حجم الخط

ما من فن في الدنيا، حير النقاد وجذب أنظار النّاس، مثل الفن الافريقي.
وما من فن نجح في السيطرة على ألباب ومشاعر المتلقين مثل هذا الفن الطالع من عتمة الغابة الافريقية، والمنتشي برقصة (التام تام).
فهل الفن الافريقي كائن (طوطمي) استولدته ايدي السحرة أطباء الغابة؟ أم هو عفوي حسي مفعم بالانفعالية والانجذاب؟.
يقول (جون فركوتير): ان الكثير من النطاقات الغامضة التي لا تزال تحجب عنا التأريخ الثقافي لأفريقيا، وربما من أشدّ هذه النطاقات غموضاً، اننا حتى الآن لا نعرف عن هؤلاء القوم الزنوح الا أقل من القليل، نعلم (الانتروبولوجيا) لم يحسم اصولهم.
مع ذلك وانطلاقاً من حضارة وادي النيل باعتبارها اقدم حضارة إنسانية شمالي القارة الافريقية، فان الباحثين رصدوا تطوّر الفنون والعمارة والحرف الابداعية. حيث وجدوا ان المصري القديم عبر عن افكاره بأساليب متعددة جداً بما في ذلك النحت والرسم والنقش البارز والعمارة. وقد جمعوا بين الشؤون والنشاطات الدنيوية، وبين آمال ما بعد الحياة، فكان فنهم معبراً لأنه كان يعكس معتقدهم الذي ترسخ في قلوبهم. فهم كانوا يعتقدون بعدم وجود العدم أو الموت حين تتوقف مظاهر الحياة. لأن الإنسان كان يواصل  بحثه الحياتي بكل الطرق. وحتى يكتب لهذا الكائن بالبقاء. كان لا بدّ من مساعدة الجسد على البقاء بواسطة التحنيط. أو عن طريق التصوير أو النحت التشخيصي.
لقد انتقلت هذه الفنون الخاصة باستمرارية الحياة، إلى الساحر الطبيب. الذي ادرك بان المرض ناتج عن قاتل غامض لا يرى بالعين لكنه يحس عبر اثره على جسد الكائن المريض. ولأنه مبهم وغامض لا بدّ من تكوين مبهم وغامض يعاركه أو يفزعه لكي يغادر ويهرب من الجسد العليل.
كانت الدوافع الأساسية للفن قائمة وموجودة بفعل الضرورة الحياتية. وقد ورثتها الفنون الافريقية عن بعضها، ولكن كلما ابتعدنا صوب وسط افريقيا، وتوغلنا في قلب الغابة السوداء ازدادت التفسيرات والتأويلات للأشكال النحتية، حتى ان العبادات الافريقية بقيت وثنية رغم انتماء الكثير من الاجناس إلى المسيحية. لذلك يرى الباحث الاثيوبي (تكلى ميكوريا): «بأنه ما من أمة افريقية اعتنقت المسيحية الا ومرت بعهود وثنية. واثيوبيا التي ليست استثناءً على هذه القاعدة. فهي لم تتمتع بامتياز الاهتداء إلى المسيحية مباشرة دون ان تمارس أولاً أكثر العبادات تنوعاً. وقد نتج عن ذلك عقائد متعددة توارثتها الأجيال عبر ثقافات متباينة».
ان تعدد العقائد معناه تعدد وتنوع الايقاعات الابداعية نحتاً ورسماً ونقشاً وعمارة. كما وان بعض الملل حتى في أكثر المناطق تطوراً. سوف تستمر على معتقداتها القديمة الموروثة. وها هم (الكوشيون) سواء اكانوا من (البجة أو الاجاو) في اثيوبيا المسيحية الأوسع استمروا على وثنيتهم. وذلك بسبب استمرار معتقداتهم الطوطحية. لأنها كانت تعبد الأشجار الضخمة، والانهار الهادرة، والحيوانات الفتاكة. فيما كانت فنونها الوقائية ترسم التعاويذ التي تدرأ خطر هذه الموجودات الخطيرة. اما في افريقيا الوسطى حيث تقع (بانجي) وزائير والكونغو وكاساي وشابا وزامبيا. فان عبادة الاسلاف لم تزل موجودة لدى العديد من القبائل.
وقد أدى ذلك إلى تحويل الأدب الميت إلى جسد متصالب بالمواد الدلغانية (الطينية) ووضعه امام المنزل لكي يحرس الاحياء. فيما استعاضت بعض قبائل (الغابون) عن جسد الميت بتمثال من الحديد. وهنا دخلت افريقيا العصر الحديدي في النحت. لكن أبقت بعض القبائل المنتمية إلى الجنوب الافريقي (كالتشيتولية) على النحت الحجري والخشبي. مع ميل الى التصغير. لذلك ظهرت وللمرة الأولى رؤوس السهام الورقية، كما ظهرت بعض الاشكال التجريدية في النحت المصغر.
ان عصر إنتاج الطعام وتخزينه لدى بعض الشعوب الافريقية كان لا بدّ وان يؤثر على الفنون وبخاصة تلك الفنون المتعلقة بالحرف اليدوية. وقد ترافق هذا العصر مع تطوّر العصر الحديدي في مناطق الجنوب الافريقي خاصة. مناطق (شوندوي) وجوندو، وزيرو، وكوبج ليوبارد، ومنطقة نهر ليمبوبو وغيرها.
ان ثقافة العصر الحديدي كانت الثقافة الأكثر رسوخاً في الوعي الافريقي الحسّاس. فالمسألة تتعلق بصلابة المادة، كما تتعلق بإمكانية تطويرها إذا ما عولجت بالنار، من هنا نجد ان النار والحديد يذهبان سوية لتطوير العمارة التي صارت ارسخ. ولصنع الدروع الوقائية والرماح الثقيلة التي طورت الحرب وزادتها قوة وقساوة.
لكن في مجتمع سحري يؤمن بان الساحر الشرير هو المصدر الأساس لكل الشرور والاوبئة. برزت الصناعة الابداعية الأشهر قوة وخطورة، الا وهي فن أو صناعة الاقنعة.
ما هذه الاقنعة؟ ولماذا يلعب المجتمع البدائي الافريقي الدور الأكبر في تطويرها؟ ثم هل يمكننا ان نرسم خارطة خاصة لهذه الاقنعة السحرية.
في ساحل العاج عثر على القناع الواقي من شرور السحر. وهو مصنوع من الخشب المطعم بالحديد والصدف والشعر الإنساني الطبيعي. وهو يعود إلى قبيلة (البانغو) التي تعيش في مناطق (السافانا).
ما يُميّز هذا القناع هو الصمت الرهيب. لكن مع ذلك الصمت، يندلق سؤال تستطيع ان تسمع تردداته، انه موجه إلى الحاسد الشرير يطالبه بأن يكف عن الأذى ويذهب بعيداً عن الجسد الذي دخله.
ولكن لماذا كشفت غاليري (باولو مورجي) السويسرية عن القناع الصارخ. فهو حسب ما تؤمن به إحدى قبائل (الماساي) يصدر اصواتاً مدوّية تجعل أكثر المخلوقات شراً تهرب لتموت خارج الغابة.
وفي (روتردام) بهولندا يمتليء متحف الفن الافريقي بالمنحوتات والاقنعة. لكنه يكشف عن مجموعة 1909 التي عثر عليها عدد من الصيادين في رحلة (سفاري) على أطراف غابة عذراء. وتمتاز هذه المجموعة من الاقنعة بالمزج بين الشكلين الحيواني والانسي. والاغرب انها كانت مرفوعة على رماح مشكوكة بأجساد الموتى التي تحوّلت إلى هياكل عظمية. فيما ترى الباحثة (باربارا جونسون) بان هذه الاقنعة هي الرؤوس المستخلصة من حالة الصراع بين الحياة والموت. لأن هذا الصراع الذي ينتصر فيه الموت على ما يبدو. ليس موتاً. بل ولادة لشكل (طوطمي) جديد لا بدّ من إدراك أثره العميق على مسألتي الخصب والصيد.
هل يعني ذلك أيضاً ان فكرة القرابين البشرية كانت قائمة عند بعض القبائل الافريقية، اسوة بما كان سائداً لدى حضارة (المايا) التي تبعد عن افريقيا آلاف الكيلو مترات؟.
لا شيء يبدو مستبعداً. فقد عثر على تماثيل خشبية وجلدية لسحرة وشياطين مشكوكة فيها مئات المسامير. لأن هذه المسامير لا تفقأ اعين الشرير فحسب، بل تسمر المكان البعيد، وتجعله وجوداً قصياً عن الاقربين.
إزاء هذا الفن الرمزي الطوطمي، هل في افريقيا فنون تجريدية أو تعبيرية أو واقعية معاصرة؟ ثم ماذا عن الفنانين السودانيين والاثيوبيين والجنوب افريقيين الذين يعلقون أعمالهم المعاصرة في العديد من صالات العرض الأوروبية والأميركية واليابانية؟
هل نعرف شيئاً عن الحداثة الافريقية؟.
  عمران القيسي
فنان وناقد



أخبار ذات صلة

إلىطبيب العيون الدكتور جمال بليق المحترم
أطوار العمران في طرابلس بين الفن المعاصر والإرتباط التاريخي
معرض «بطرس فرحات» في البلمند