بيروت - لبنان 2020/02/26 م الموافق 1441/07/02 هـ

«ملك الهند» لـ جبور الدويهي: سردية مكثّفة في كتابة إبداعية

غلاف الرواية
حجم الخط

يجذبك بأسلوب سلس، شيّق عبر انسيابية سردية تكتنف ثقافة عالية وطواعية في السفر بالزمان والمكان بشكل مذهل. تظن أنّ احداث رواية «ملك الهند» للكاتب جبّور الدويهي بسيطة لكنّ العمق يكمن في السهل الممتنع، تقرأ في البداية، النهاية وتطالعك النهاية على شاكلة بدايات جديدة في خاتمة مفتوحة على احتمالات كثيرة. 

جذبني بادئ الأمر، مصادفة جميلة في الرواية حيث ان عائلة بطل القصة من عائلتي وقريته كضيعتي في المنطقة نفسها من جبل لبنان في قضاء عاليه.

أمّا في المضمون، فيعثر في ظروف غامضة على زكريا مبارك (أحد أبطال الرواية) مقتولا عند حدود قريته، تل صفرا، بعد أيام على عودته من غربة طويلة بين أوروبا وأميركا. مخبئاً في جعبته لوحة «عازف الكمان الأزرق» لمارك شاغال التي أهدتها له صديقته الفرنسية مع شهادة بأصليتها. وتدور الشبهات حول مقتله، ويعود بنا الكاتب الى مغامرات زكريا وتاريخ عائلته التي يكتنفها الغموض، خاصة لناحية جدة والده «اميلي» التي هاجرت وحيدة في بداية القرن التاسع عشر الى أميركا وعودتها لتشتري بيتا للعائلة وتدفن كنزا ثمينا فيه. هذا ما يطالعك على الغلاف الخارجي للكتاب. في الواقع، يأتي وصف الكاتب لشخصيات القصة من الناحية الشكلية والنفسية وتصرفاتها السلوكية، معالجة إبداعية، كأنها دراسة بحثية لعمق مكنونات البشر وتنوّعهم إضافة الى تفاعلهم مع محيطهم في منطقة مختلطة شهدت عبر العصور نزاعات طائفية واهلية حزينة. 

ولعلّ هذه الرواية، برأيي المتواضع، تنتمي الى مدرسة الواقعية السحرية، والتي اشتهر بها كتّاب أميركا اللاتينية أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، بحيث يترك الكاتب العنان لمخيّلة القارئ ليشاركه في تفاصيل صغيرة في الرواية كالكتب مثلا، التي حملها معه زكريا (بطل الرواية) الى المهجر، تفاصيل وصف لوحة الكمنجاتي الأزرق التي يقول في الصفحة 83: «ان اللوحة تكون جميلة تبعاً لقدرتنا على تحملّها ثابتة أمام ناظرينا لوقت طويل».

يخبرنا الكاتب في لقاء مع قرائه، وكنتُ شخصيا من بينهم، في مكتبة السبيل في بيروت الشهر الماضي حول رواية «ملك الهند» أنّ بعض خطوط هذه القصة حقيقية خاصة لناحية «اميلي» جدة ابيه، التي سافرت الى أميركا وعادت بثروة طائلة. أمّا من ناحية عنوان الرواية فيجيب انّ اختياراته دائما تقع على عناوين غريبة. ولعله بذلك جعل بطل روايته ملكاً لمملكة من حزن. إضافة الى ذلك، يؤكد ان التأرجح الزماني في الرواية تقنية اكتسبها مع الوقت لانّ القارئ برأيه بحاجة الى مساعدة.

كما ونلاحظ انّ الحرب شائعة في روايات الدكتور الدويهي، كذلك تنوّع الشخصيات من لبنانية وأجنبية، الأمر الذي يضفي عليها الكثير من المغامرات وامتزاج الخيبة مع لحظات الفرح المسروقة من رحم المرارة.

الرواية تحفل بتوصيفات رائعة بكل ما يحيط بشخصياتها، فنبدو وكأننا نعيش معها في فيلم سينمائي. هي رواية مشعّة ومضيئة على الرغم من حزنها، ذلك لما لقدرة الكاتب على الإمساك بزمام الأمور من البداية وبالتالي كيفية استخدام جميع أدواته خاصة الفعل المضارع، لنتأمل تلك اللوحة في الصفحة 15 على سبيل المثال: «وجد هؤلاء المشاؤون زكريا مبارك على منحدر التلّة في الخامسة من بعد ظهر الاحد. كانوا حائرين أي اتجاه يسلكون بعد فشل نظام التموضع العالمي في إرشادهم الى طريق البغال التي توصل الى المقلب الآخر من الوادي، عندما شاهد أحدهم زكريا من بعيد جالساً ممدداً في فيء شجرة تفاح الجبل التي تعطي ثمراً صغيراً شاحباً ينقره الطير ما إن ينضج ويعفّ عنه العابرون».

جبور الدويهي «من الروائيين الكبار» كما قالت عنه صحيفة الـ «غارديان»، وفي هذه الرواية بالذات يثبت هذه المقولة اكثر فأكثر. «ملك الهند» رواية جديرة بالقراءة اكثر من مرة.




أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 26-2-2020
الحراك أمام المحكمة العسكرية لإطلاق الموقوفين (تصوير: طلال سلمان)
نصائح الصندوق: كلام بكلام يصدم «حكومة المواجهة»!
تحييد لبنان هو المفتاح لفك طوق العزلة