بيروت - لبنان 2021/01/18 م الموافق 1442/06/04 هـ

موقف الدولة العثمانية من الأقلّيات الدينية

حجم الخط

إنّ معنى الأقليات في المفهوم الديني هم رعايا الدولة العثمانية من غير المسلمين: كاليهود والنصارى... ومشكلة الأقليات لم يكن لها وجود أصلاً في ظلّ نظام «الملّة العثماني» الذي كان يستمدُّ أحكامه من الشريعة الإسلامية.

وكان نظام الملّة يسمح للأقليات الدينية من يهود ونصارى ومجوس.. بممارسة حياتهم الخاصة: الدينية والاجتماعية والإقتصادية، مكتفياً بأداء المكلّفين منهم للجزية، فكان يُعفى منها المساكين والعاطلين عن العمل والمشوّهين وذوي العاهات والطاعنين بالسن ورجال الدين المنقطعين في الأديرة للعبادة، ولم يُكلّف بأدائها إلا الرجال الأحرار من ذوي القدرة الجسدية والعقلية والعاملين المنتجين والموظفين...

أما الدول الأوروبية التي وضعت مصطلح الأقليات، كانت تنظر إلى المجتمع العثماني بأنه يتألف من عدد كبير من الأقليات، فإلى جانب الأقليات الدينية، أضافت هذه الدول إلى هذا المجتمع أقليات عرقية كثيرة: كالأكراد والبربر والأرمن والسريان والشركس...

قال رئيس وزراء فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى: «كان أصدقاؤنا الانكليز أسبق منّا في التنبيه إلى موضوع الأقليات المذهبية والعرقية في بلاد المشرق العربي. وقد اتفَقَتْ وجهَتا نظرنا كليّاً حول هذا الموضوع».

ويبدو أن لعبة الأقليات، التي ساهم الغرب في تعقيد مشكلاتها وبثّ الفرقة فيما بينها، لم ينتهِ دورها بإسقاط السلطان عبد الحميد الثاني ولا بإلغاء السلطنة العثمانية، وتمزيق الوطن العربي إلى أكثر من اثنين وعشرين دولة، بل حتى ولا بإقامة كيان إسرائيل، فما زالت اللعبة في بدايتها، وما حروب الخليج والبوسنة وكوسوفو سابقاً، واليمن وسوريا والعراق وليبيا حالياً إلّا ضربٌ من هذا القبيل...

والتفسير التاريخي لبروز قضايا الأقليات في المشرق العربي يكمن في المعطيات الدينية والتاريخية والجغرافية والبشرية التي تميّزت بها منطقتنا. فقد كانت بلادنا مهداً للديانات السماوية، ومكاناً للقاء الجماعات اللغوية والعنصرية والهجرات البشرية، وإطاراً لتلاقح التيارات الفكرية والثقافية، ومركزاً لميلاد وسقوط العديد من الدول والأنظمة الأصيلة والدخيلة، ومسرحاً لحروب الآخرين من الشرق والغرب، وممرّاً للتجارة العالمية، ونافذة تطلّ على البحار الدولية ومحيطاتها: كالمحيط الهندي والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي.

والحقيقة أن مشكلة الأقليات في الدولة العثمانية لم تبرز في العصور الحديثة، إلّا بعد أن قويت شوكة الدولة الأوروبية، وكَثُرَ تدخّلها في شؤون هذه الدولة المريضة، وفي شنّ الحروب عليها واحتلال بعض أراضيها(1).

كما لم تبرز إلّا بعد أن سيطر أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، الذين كان معظمهم من يهود الدونمة(2)، على مقدّرات الدولة العثمانية عام 1908.

ومن الحقائق التي تؤكّدها المصادر التاريخية أن سلاطين بني عثمان الذي تربّعوا على سدّة الحكم، فقد حكموا الشعوب والملل التي انضوت تحت سلطتهم بالعدل والمساواة، وأعطوا النصارى واليهود منهم حقوقهم المدنية والدينية كاملة، وعيّنوا بعض رجالهم في مراكز القرار - فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد عُيّن المسيحي اللبناني المدعو سليمان البستاني وزيراً للتجارة والزراعة عام 1913م/1331هـ(3) - كما عاملوا رؤساءهم الروحيين بكثير من الاحترام والتبجيل، ومنحوهم إمتيازات مالية وقضائية ودينية. فكان هؤلاء يتولّون شؤون الحكم في أحوال طوائفهم الشخصية والدينية، وفقاً لأحكام قوانينهم الكنسية وأعرافهم المتوارثة. ويُنَصَّبُون في مراكزهم الدينية رسمياً من قبل السلطان الذي يصدر فرماناً بذلك. ويُعطَون الأموال والأراضي لبناء معابدهم. فالبطريرك إلياس الحويك، الذي تسلّم فرمان تعيينه بطريركاً على الموارنة عام 1899 من السلطان عبد الحميد الثاني، مُنِحَ هبة مالية منه قدرها عشرة آلاف ليرة ذهبية، بما يوازي الثلاثة ملايين دولار أميركي في الوقت الحاضر. والبطريرك أفتيموس صيفي، الذي رغب في بناء دير للرهبان الكاثوليك، مُنِحَ أرضاً في منطقة إقليم الخروب من قبل علي بك جنبلاط، بنى عليه الدير المعروف بإسم دير المخلص عام 1712م/1124هـ.

وممّا لا ريب فيه أن هذه الحقوق وتلك الامتيازات التي تمتع بها النصارى واليهود، كرّسها السلاطين العثمانيون في سياساتهم وفرماناتهم التي كانوا يصدرونها تباعاً لهذه الغاية. فالسلطان محمد الثاني (الفاتح)، الذي فتح مدينة القسطنطينية عام 857هـ/1453م، أعلن أمام الملأ يوم دخلها عند الظهر «أنه يضمن للمسيحيين: حرية العبادة، وإقامة شعائرهم الدينية، وحفظ أملاكهم»، ثم دعا أئمتهم لاختيار بطريقاً لهم (بطريركاً)، فاختاروا جورج سكولاديوس لهذا المنصب.

اعتمد السلطان الفاتح هذا الاختيار، وجعل البطريرك الجديد رئيساً لطائفة الروم (الأرثوذكس)، واحتفل بتنصيبه بالأبّهة ذاتها التي كان يمارسها ملوك الروم البيزنطيين عند تنصيب بطارقة المدينة. ثم عيّن له حرساً من جنود الانكشارية، ومنحه حق الحكم في جميع الشؤون والقضايا الخاصة بالمسيحيين الروم، وعيّن معه في ذلك مجلساً مشكّلاً من أكبر موظفي الكنيسة. كما منح هذا الحق لمطارنة وقساوسة ولايات الدولة كلّها(4).

وإضافة لذلك أصدر السلطان الفاتح فرماناً إلى قساوسة اللاتين(5) جاء فيه ما يلي: «نحن السلطان محمد خان... نعلن لعامّة النّاس وخاصّتهم أننا أنعمنا على رهبان البوسنة الذين يحملون هذا الفرمان، وأصدرنا الأوامر: ألّا يتعرّض أحد لهؤلاء الرهبان ولا لكنائسهم، ولا يتمّ إزعاجهم... من يكون منهم في بلادي مستقرّاً فيها، أو هارباً إليها على حدّ سواء، لهم الأمن والأمان، يمكنهم أن يأتوا إلى بلادي ويسكنوا فيها بأمان، ويستقرّوا في كنائسهم... ولن يصيب هؤلاء (الرهبان) أي شكل من أشكال التعرّض والإضرار من أحد، لا منّا ولا من وزرائنا ولا من شعبنا...».

وفي 15 شوال من عام 862هـ/1458م أصدر السلطان الفاتح «فرماناً» آخر جاء فيه(6):

«أمرت بما يلي: بناء على الإحسان الذي أُجْرِيَ سابقاً، فإن كنيسة القيامة التي في الداخل وجميع المعابد وأماكن الزيارة والدير الجورجي مار يعقوب والكنيسة الكبيرة في بيت لحم التي وُلد فيها سيدُنا عيسى (ع) خارج القدس والمغارة والأبواب الثلاثة الموجودة في الكنيسة تكون تحت تصرّفه (أي تحت تصرّف بطريرك القدس أطناسيوس(7))، ويُعفى البطارقة والكهنة النصارى والخدّام الموجودون في القدس من الأتاوات والخراج والضرائب الأخرى العرفية منها والشرعية».

سار السلاطين الذين جاءوا بعد السلطان الفاتح على الخطى ذاتها التي خطاها تجاه الأقليات الدينية في الدولة العثمانية، وأصدر بعضهم فرمانات مشابهة، كان منها الفرمان الذي أصدره السلطان أحمد الأول (1603 - 1617)م (1012 - 1026)هـ يأمر فيه «فُويْفُودا بُوغْدان» - (وهو الاسم الذي أطلقه العثمانيون على أمراء الأفلاق والبغدان) - بعدم التعرّض لعبادة المطارنة والكهنة هناك، وممارسة الظلم عليهم.

وكان منها أيضاً الفرمان الذي أصدره السلطان سليم الثالث: (1789 - 1807)م (1203 - 1222)هـ يعرض فيه بعدم إيذاء الروم والأرمن الذين يسكنون في استانبول وما حولها بطلب «آقجة» (نقد من الفضة)(8) خلال زواجهم وبالطرق المخالفة للقوانين، ثم الاهتمام بالفقراء وحمايتهم.

وكذلك أصدر السلطان عبد المجيد (1839 - 1861)م (1255 - 1277)هـ فرمانين شهيرين: عُرف الأول بإسم خط كلخانة الذي كان يقضي بإصدار قوانين لتنظيم أمور الدولة المالية والعسكرية، وفقاً للنظم الوضعية الأوروبية. وعُرف الثاني بإسم الخط الهمايوني أو التنظيمات الذي كان ينصّ على المساواة بين جميع رعايا الدولة على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وعلى السماح للأقليات بدخول المدارس الحربية والإنخراط في القوى العسكرية...

وكان منها الفرمان الذي أصدره السلطان عبد العزيز والذي يقضي بإعفاء الرهبان اللاتين وقساوسة النصارى جميعهم من الضرائب الجمركية، وبإعطاء مساعدة مالية للمسيحيين في البوسنة لإتمام الكنيسة التي يقومون بتشييدها في مدينة طاشليجة.

أما السلطان عبد الحميد الثاني الذي اتّهم زوراً بأنه السلطان الأحمر، فقد أصدر أوامره بنقل السوق الذي يصادف اليوم المقدّس عند النصارى في مدينة أضنة إلى يوم آخر، وبجمع المساعدات المالية لبطريركية الأرمن الكاثوليك التي تعاني من ضيق مادي، وبإنشاء كنيسة في دار العجزة التابعة للمسيحيين الكاثوليك، وببناء كنيس في دار العجزة لليهود أيضاً، وبتشييد كنيسة خارج سور مدينة القدس لرهبان وراهبات الأحباش المقيمين هناك(9).

هذه الفرمانات وغيرها ستظل صفحات بيضاء ناصعة في تاريخ بني عثمان خاصة وتاريخ المسلمين عامة، كما ستظلّ دليلاً ساطعاً على عدالة هؤلاء الحكام الذين مرّوا على تاريخ البشرية كشامة وعلامة شرف فارقة بين الشعوب والأمم السابقة والحاضرة.

ومما يزيد من شرف وشهامة سلاطين بني عثمان، استقبالهم لليهود الذين اضطهدوا في أوروبا عموماً وفي إسبانيا خصوصاً، وخيّروا فيها بين المسيحية والموت، والذين أقفلت دول أوروبا الأبواب في وجههم، فلم يجدوا ملاذاً آمناً يلتجؤون إليه إلا في بلاد المسلمين الذين استقبلوهم بالترحاب، وفتحوا لهم أبواب مدنهم وقراهم. واتخذ السلطان العثماني بايزيد الثاني (1481 - 1512)م (886 - 918)هـ الذي كان حاكما حينذاك، قراراً بإعدام كل شخص يتعرّض إلى هؤلاء اليهود بالضرر أو الأذى(10).

وقد بلغت أعداد هؤلاء اليهود، الذين هربوا من القهر والتعذيب والقتل في اسبانيا وغيرها، في المرحلة الأولى مائة وخمسين ألف شخص، عدا الأعداد الكبيرة التي دخلت إلى أراضي الدولة العثمانية عن طريق بولونيا وروسيا، وأقاموا في استانبول وسالونيك.

وعلى الرغم من هذا الاستقبال وتلك الحفاوة فإن البعض من هؤلاء اليهود لم يتورّعوا من التآمر، مع بعض النصارى والمسلمين الذين كانوا على اتصال دائم بقناصل الدول الأجنبية، على الدولة العثمانية لتجزئتها والقضاء عليها. وقد ألّفوا لهذه الغاية جمعيات عديدة أدبية وسياسية، كان أخطرها على الإطلاق جمعية الإتحاد والترقّي التي تشكّلت من جمعية تركيا الفتاة وبعض الجمعيات العثمانية الأخرى، والتي كان معظم أعضائها من يهود الدونمة الذين أشرنا إليهم قبلاً.

وقد استطاعت هذه الجمعية، بدعم من الدول الأوروبية الاستعمارية والماسونية العالمية، من القيام بالثورة ضد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1908 وعام 1909، وإجباره على الاستقالة ونفيه.

وبذلك أُسدل الستار على السلاطين العظام في تاريخ الدولة العثمانية، التي انهارت في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتمزّقت شعوباً وقبائل ودولاً خضعت لدول الحلفاء، وحكمتها فيما بعد أنظمة دكتاتورية ظالمة لا هدف لها إلّا إرضاء أسيادها لا إرضاء شعوبها(11).

د. علي معطي

هوامش:

(1): من هذه الحروب: حملة نابليون بونابرت على مصر، وحروب روسيا في البلقان وشبه جزيرة القرم، واحتلال فرنسا للجزائر عام 1830، ولتونس عام 1881، واحتلال بريطانيا لمصر والسودان عام 1882، واحتلال إيطاليا لليبيا عام 1911.

(2) الدونمة ومعناها المتحوّل، واصطلاحاً المتحوّلون من اليهودية إلى الإسلام لتحقيق مآربهم وأهدافهم. وهم منافقو اليهود في العهد العثماني من أتباع شبتاي (1632 - 1675م) (1041 - 1086هـ) الذين تحوّلوا معه إلى الإسلام ودخلوا فيه نفاقاً.

(3) سليمان البستاني (1856 - 1925)، أديب وشاعر لبناني، وُلد في بكشتين، قضاء الشوف. نال شهرة واسعة بتعريبه إلياذة هوميروس، وبالمقدّمة التي وضعها عليها.

(4) محمد فريد بك المحامي: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق الدكتور إحسان حقّي، دار النفائس، بيروت 1401هـ/1981م، ص 165.

(5) اللاتين: سكان إقليم لاسيوم الأقدمون في إيطاليا، ويُطلق اليوم اسم اللاتين على المسيحيين الكاثوليك الذين يستعملون اللغة اللاتينية في عباداتهم.

(6) وردت الفرمانات التي أصدرها السلطان محمد الفاتح في كتاب: «السلطان محمد الفاتح» لمؤلفه: ياوُز بهادر أوغلو، ترجمة مصطفى حمزة ومحمد حمزة، نشر دار مكتبة المعارف - ناشرون، بيروت 2016، ص 165 وما بعدها.

(7) كان أطناسيوس بطريركاً على طائفة الروم الأرثوذكس في مدينة القدس، فقد جاء إلى استانبول وقابل السلطان الفاتح، وأبرز ما بين يديه من أمر سيّدنا رسول الله (ص)، ووثيقة سيدنا عمر التي كُتبت بالخط الكوفي، والمواثيق التي قدّمها السلاطين القدماء، وطلب من السلطان إبقاء جميع المعابد وأماكن الزيارة داخل القدس وخارجها بما فيها كنيسة القيامة تحت إدارته.

لا تزال النسخة الأصلية لهذا الفرمان محفوظة في بطريركية الروم في القدس. وتوجد صورة عنه في الأرشيف العثماني.

(8) آقجة: قطعة صغيرة من الفضة، سُكّت لأول مرّة عام 729هـ في عهد السلطان أورخان. وزنها ربع مثقال، وهي تساوي أربعة غرامات و618 مليغراماً، وعيارها 90٪.

(9) للاطلاع على هذه الفرامانات يُمكن الرجوع إلى كتاب «السلطان محمد الفاتح»، لمؤلفه ياوُز بهادر أوغلو، ص 175 - 181.

(10) المرجع نفسه ص 202 - 204.

(11) كان آخر خلفاء بني عثمان السلطان عبد المجيد بن عبد العزيز الذي جرّده مصطفى كمال من جميع صلاحياته وطرده إلى خارج البلاد، بعد أن ألغى الخلافة عام 1924، فذهب عبد المجيد للعيش في منفاه في مدينه نيس الفرنسية التي تقع على شاطئ البحر المتوسط جنوبي فرنسا.


أخبار ذات صلة

تونس.. حملة اعتقالات تطال 600 شخص أغلبهم «قُصّر وأصحاب سوابق»
الثلوج تلامس الـ1100 متر غدا.. متى ينحسر المنخفض الجوي؟
العراق قلقٌ من التوتر الأميركيّ الإيرانيّ.. ويتطلّع للعمل مع إدارة [...]