بيروت - لبنان 2019/11/19 م الموافق 1441/03/21 هـ

ميشال إدَّه: العروبي حتى العظم

الراحل مع الرئيس ميشال سليمان
حجم الخط

عبد الرؤوف سنّو*

الراحل ميشال إدّه، الماروني والفرنكوفوني بامتياز، والعروبي حتى العظم، هو مقاوم فذّ، على طريقته الخاصّة، ضدّ الصهيونية وتهويد فلسطين، بالفكر والقلم والرأي الحرّ. وهو صاحب شعار «مقاومة صهينة فلسطين والوصول إلى لبننة إسرائيل»، أي أنْ تقتدي الدولة الصهيونية بالتركيبة اللبنانية والعيش المشترك الذي يمتاز به لبنان، فيتعايش الفلسطيني واليهودي معاً. ومواقفه الفريدة هذه، تتطلّب فكراً نيّراً وجرأة في وضع النقاط على الحروف. 

امتاز إدّه بتحليله السياسي وثقافته الغنية وعقله الموسوعي ومعرفته باللغات القديمة والحديثة، وعمله الصحافي، ما جعله يلمّ بشكلٍ شمولي بمفاصل الصهيونية واليهودية وقضية فلسطين والصراع العربي - الإسرئيلي. وكان واقعيّاً في مقاربته للأمور، رافضاً تزوير التاريخ من قبل الإسرائيليين حول أحقية اليهود بفلسطين. من هنا، جعل مواجهة الصهيونية ومشروعها الإسرائيلي على حساب عروبة فلسطين في طليعة أهدافه الاستراتيجية؛ فكرّس معظم حياته في المكتبات ودور الوثائق، منقّباً عن وثيقة ومعلومة من هنا وهناك، ليثبت عروبة فلسطين وخطورة إسرائيل بتآمرها عليها مع الغرب، وبخاصّة مع الولايات المتحدة. وقد كتب إدّه وقصد منتديات لبنانية وعربية ودولية محاضراً ومعرّفاً بحقوق الشعب الفلسطيني في بلاده، وكشف النقاب على أنّ إسرائيل دولة صهيونية عنصرية إرهابية، واستعمار حاقد يغلّف أهدافه بمقولات دينية تستند إلى الأساطير. وفي بحوثه، رأى إدّه أنّ خارطة سايكس–بيكو وجغرافيتها الجيوسياسية وإعلان بلفور، قد قضيا على النهوض القومي العربي عبر تجزئة العرب في أقطار مسيّجة بحدود لمنع التوحيد، كما تهويد فلسطين في قلب العالم العربي. واعتبر أنّ ما تقوم به إسرائيل في عصر الأحادية القطبية، هو استمرار لمشاريع التفتيت والشرذمة للعرب التي بدأت في سايكس-بيكو.

وليس مبالغة القول، إنّ ميشال إدّه من أعرف الباحثين بواقع الصهيونية وتاريخها وتقسيماتها السياسية والعسكرية والاجتماعية. لذا، طالب بالفصل بين الصهيونية واليهود، باعتبار أنّ الأولى حركة سياسية عنصرية، فيما عاش اليهود بين العرب، من دون مشاكل تذكر. ويؤكّد إدّه أنّ كثيرين من اليهود الأوروبيين رفضوا الصهيونية، وفضّلوا البقاء في مجتمعاتهم الأوروبية (اليهود الاندماجيون)، وبخاصّة في ألمانيا؛ لكن تآمر النازية والحركة الصهيونية أدّيا إلى «تهجير» اليهود الألمان إلى فلسطين (الترانسفير 1933 - 1841). ثم أدّت نتائج الحرب العالمية الثانية، إلى تبنّي الولايات المتحدة مشروع الصهيونية بتهويد فلسطين.

رأى إدّه وكتب، أنّ قضية فلسطين تتجسّد في الصراع العربي - الإسرائيلي، الذي لم يعدّ العرب أنفسهم له. فخسروا حرب تأسيس دولة إسرائيل، وحربي العامين 1956 و1967، إلى أنْ قاموا بتضافر رائع لشنّ الحرب على إسرائيل العام 1973 التي هزّت الكيان الصهيوني وجعلته يترنّح، لولا تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لإنقاذه. ويؤكد الباحث إدّه، أنّ الحرب الأخيرة نقلت المبادرة لأول مرّة إلى جانب العرب، لكنها لم تستثمر سياسياً ولا عسكريّاً، ذلك أنّ إسرائيل اتبعت استراتيجية جديدة تقوم على التوصل إلى السلام مع كلّ دولة عربية على حدة؛ فكانت مصر ثم الأردن. ويشيد إدّه في هذا الصدد، إلى مقاومة اللبنانيين لاتفاق التطبيع مع إسرائيل المعروف باتفاق 17 أيار العام 1983. كما يشيد بالممانعة السورية للاتفاق المذكور.

ووفق إدّه، اتبعت إسرائيل بتطبيع علاقاتها سرّاً مع دول عربية، ثم عملت على تغذية الخلافات داخل الصف الفلسطيني الواحد؛ بين الضفة الغربية وغزة الذي يعتبره «كارثة حقيقية». ويشير إلى أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل اعترضتا على أية محاولة للمصالحة بين السلطة الفلسطينية وحماس، في السنوات التي تلت مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز العام 2007؛ فبقاء التشرذم بين الضفّة وغزّة هو أفضل لمصالحهما. كما تلطأت إسرائيل وراء «مؤتمر مدريد» واتفاقات أوسلو (مبدأ الأرض مقابل السلام) لمواصلة بناء المستوطنات في القدس العربية والضفة الغربية، من نتنياهو في تسعينيات القرن الماضي، إلى باراك وصولاً إلى شارون وأولمرت ونتنياهو مرة ثانية، ولم تفعل شيئاً طوال ست عشرة سنة من المفاوضات العقيمة. وعندما كان الفلسطينيون «يتمرّدون» على سياستها الاستيطانية، كانت إسرائيل تقول لهم: «تعالوا للتفاوض من دون شروط مسبقة». وفي الواقع كان الإسرائيليون يوافقون على إدارة فلسطينية ذاتية للضفّة والقطاع مقتلعة الأنياب، فيما تبقى إسرائيل نفسها على حالها، مع خشيتها من «القنبلة الديموغرافية» الفلسطينية المتمثّلة بالفلسطينيين ما قبل العام 1948. وهذا يفسّر برأي إدّه تمسّك تلّ أبيب برفض حلّ الدولتين. لذا، رأى إدّه أنّ إسرائيل بتعنّتها العنصري والديني تسير إلى المجهول. 

من هنا، لم يستغرب إدّه حدوث انتفاضتين فلسطينيتين: الأولى بين الأعوام 1988 و1993 (انتفاضة الحجارة)، والثانية العام 2000، عقب زيارة شارون للمسجد الأقصى بشكلٍ استفزازي. ويرى إدّه، أنّ الانتفاضة الثانية قضت على أسطورة الأمن والاستقرار الإسرائيليين وعلى الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، في مقابل تعاظم الهجرة اليهودية المعاكسة.

وفي مؤلفاته وكتاباته عن فلسطين، لم يهمل إدّه موضوع تهويد القدس، أي إلغاء عروبتها وبوصفها أرضاً مقدّسة ورمزاً للأديان السماوية. ولا يعتبر التصدّي لهذا المشروع مسؤولية فلسطينية أو عربية، بل عالمية وإنسانية. من هنا، يحذّر من محاولات المتشدّدين الإسرائيليين اقتلاع المسجد الأقصى لإعادة بناء الهيكل مكانه، استناداً إلى الأساطير. وتعمل إسرائيل على اقتلاع المقدسيين العرب وتهجيرهم، وزيادة الاستيطان في المدينة العربية.

أخيراً، يعيب إدّه على العرب الرسميين اقتصار جهودهم على متابعة المفاوضات الصورية بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين تل أبيب ودمشق. حتى أنّ مبادرتي السلام السعوديتين العامين 1981 و2002، باءتا بالفشل، لأنهما لم تستندا إلى مبدأ القوة، بل إلى السلام كخيار استراتيجي، أي من دون استعمال القوة. ويشير إلى التطبيع بين العرب وإسرائيل علناً أو من تحت الطاولة. أخيراً، يعيب ميشال إدّه على السلطة الفلسطينية خلال رئاسة سلام فيّاض لحكومة السلطة الفسطينية في الضفّة، إعطاء الأولية لبناء الاقتصاد الفلسطيني الذي يخدم إسرائيل، وذلك لتسهيل الحصول على موافقة إسرائيل على الدولة الفلسطينية. من هنا، يرى إدّه أنّ فيّاض أهمل مسألة المفاوضات مع الإسرائيليين من أجل إزالة المستوطنات وتثبيت حقّ العودة، أو الخوض في موضوعات حلّ الدولتين وتهويد فلسطين.

هذا هو رجلنا ومفكّرنا ومؤرّخنا الذي هَوَى عن جواده؛ فخسرت القضية الفلسطينية والقضايا العربية المحقّة والعادلة نصيراً ومدافعاً عنها. لكن مؤلفاته وكتاباته وندواته تظلّ منارة عروبية وإنسانية للحقّ الذي اختفى في عالمي العنصرية والغطرسة الإسرائيلية، والعربدة الأميركية.

 * الجامعة اللبنانية


أخبار ذات صلة

"داعش" يتحضّر لـ "تحطيم الأسوار".. والعراق يحذّر "يملك المال والنية [...]
الحواط: لن نحضر جلسة وكأن شيئا لم يكن
شاهد لحظة اطلاق النار من موكب متجه الى مجلس النواب [...]