بيروت - لبنان 2021/04/20 م الموافق 1442/09/08 هـ

وإلى ذاك الزمن الجميل أبحرت

حجم الخط

الرومانسية الرقمية هل استطاعت منافسة عصر الجوابات الورقية، حيث تعددت وسائل التعبير الإلكترونية عن المشاعر بين المحبّين عبر مواقع التواصل، ولكن هل ساعدت هذه الأدوات التكنولوجية التي تتطوّر على مدار اللحظة وحتى أثناء كتابة هذه الحروف، في التعبير بصدق عن المشاعر الإنسانية؟

أم أن عصر الجوابات الورقية والمناديل القماشية قد ذهبت ومعها دفء المشاعر الملتهبة وكلمات الغزل الراقية بين زوجة وزوجها وحبيبة وحبيبها، وهي الكلمات التي أصبحت مادة للعرض في قوالب جاهزة للنقل (كوبي - بيست) بدلا من الخوض في تجربة الشعور بالكتابة وبذل الجهد في انتقاء الكلمات بدقّة وخصوصية، بعيدا عن المشاعر المعلّبة؟؟؟

وإلى ذاك الزمن الجميل أبحرت فحاصرتني أشرعة الحب بجدران الحنين وسكنت أحلامي.

وسافرت بعيدا عبر زمن لم يرحل من ذاكرتي عاش مثل أسطورة بين أوراقي، الزمن الجميل الذي لم يكن فيه وسيلة للقاء الأحبة غير البحث عنهم في الخيال والوقوف على الأطلال لرسم معالمهم عبر أوراقنا البيضاء التي تحمل أسمى معاني الحب والوفاء، كان كل شيء فيه حياة له رائحة حتى الدموع كانت تتكلم، لم يكن صوتنا آليا ولا عيوننا «فايسبوك»، كانت لغة العيون تتكلم وأنامل اليد تكتب الحب وتتبادله بصدق، وكما تحرق الأسطورة في مهد أحلامها جاءت التكنولوجيا ومسحت كل أشيائنا بآلة صلبة وقضت على تقاليدنا ومجتمعنا.

لم نعد ننتظر بزوغ الفجر لنحيك لحبنا حكاية لأن هناك من يطبعها على وسائل التناقل، فنتقاذف بها بلا كدّ أو تعب، ولم تعد تلك الجارة تقرع بابي لأكتب لها رسالة حنين لزوجها في بلاد الغربة هناك عبر ذلك الآلي غاية الطلب فلا داعي لأرسم تلك الأحاسيس دعها تموت بين جدران الحنين بصمت، ومطبعة أقفلت أبوابها لأن من كان يقرأ لا وقت لديه فأصدقاء الصفحات تنتظر الإعجاب والتعليقات...

ما زلت أذكر ذاك المصوّر الذي يتأفف وهو يحاول إجلاسي كما يريد ليأخذ لي صورة للذكرى وننتظر طويلا ليأتي دورنا...

هناك أشياء جميلة دافئة لا ننساها، نتمنّاها، نشتاقها، ما زال فينا ذاك النهر الدافق يجري لأننا عشناها بأدّق تفاصيلها، وغنّت فيروز «يا مرسال المراسيل» وعشقناها، وصمت العاشق غربة أمام «غدا ألقاك» وصمتت أم كلثوم مع تاريخها العظيم بين أحلامنا المتعبة، ولا أي اشتياق صد جنون عاشق حين صدح العندليب الأسمر «موعود» وبقي الوعد معلّقا على جدران الغياب هناك في زمن لم يولد إلا على أكتاف تنهيدة عاشق ثمل.

تُرى هل يعي هذا الجيل معنى لما عشناه وكيف أفقدتنا تلك الآلة ترابطنا وتراثنا وكل ما كان يجمعنا فقدناه، ولو رجعنا للسبب فإننا نجده بعيدا عن الرومانسية في ميل عقولنا للراحة والكسل والهروب من قلق الإنتظار.

لذا انتصرت تلك الآلة على أنغام الروح وقضت على روابطنا، ومكان الروح زرعت قلبا بلاستيكياً، لا ولن يفهم مرسال السيدة فيروز يوما.

زيزي ضاهر


أخبار ذات صلة

السعودية.. 34 بلاغًا حول «جلطات» بالتزامن مع استخدام لقاح «أسترازينيكا»‏
البطاطس المقرمشة القاتلة.. حذار من السم اللذيذ
الحكومة الإيرانية: على واشنطن أن تعود إلى التزاماتها بسرعة وسوف [...]