بيروت - لبنان 2019/10/17 م الموافق 1441/02/17 هـ

يتوارثون في غيهب الغياب

حجم الخط

من مآسي هذا الجيل الذي يعيش الجزء الثالث من عمره أنْ يعايش شجرة الإبداع التي عرفها وأوراقها تتساقط واحدة تلو الأخرى في تتابع لا يبعث في النفس الخشية والرهبة بقدر ما يبعث فهماً لخط سير هذه الحياة وسخافة ما تحوي من تفاصيل.
آخر ورقة سقطت من هذه الشجرة صديقي الشاعر عصام العبدالله، ولست هنا لأرثيه لأنني أعرف جيداً أنّه يكره الرثاء، وهو المكوّن من ضحكة عريضة على مدى الساعة وفرح مقيم.
لكن هناك مَنْ سبقه..
أسماء كثيرة لأغرّاء رحلوا.
لكل واحد منهم مكان في القلب والذاكرة.
ولكل منهم محطات تزيّن العمر بألف زهرة وزهرة.
بالأمس كانوا هنا... واليوم قد رحلوا.
كم بشع هذا الرحيل في كل ما يخلّفه من ذكريات وفراغ حتى الأمكنة، أمكنة اللقاءات تذكّر بكل واحد منهم، وفي حالات غير مفهومة يُمكن سماع أصواتهم خلال الجدال الساخن والأحاديث الدافئة عن مكامن النفس.
الموت حق..
لكنه قاسٍ.. قاسٍ إلى حدّ الذبح أحياناً..
صداقات وطيدة تُبنى خلال عقود تنقلب فجأة إلى مجرّد ذكرى.
يتشدّقون إنّ المبدع يخلد في نتاجه.
وقد يكون هذا التشدّق صحيحاً إلى حدّ ما، لكن الغياب الجسدي لصديق مبدع يترك فراغاً لا علاقة له بالخلود الذي يتحدّثون عنه عندما تعرف وتوغل معرفة في الوجه الآخر له كإنسان مع تفاصيل مشاعره ومشاكله.
رحيل عصام العبدالله فتح الذاكرة على حديقة ذكريات مفعمة بأسماء كلها توارت وسبقته في السفر الذي لا عودة بعده.
والساحة؟!. ماذا عن الساحة؟..
مَنْ يحل مكان أحدهم؟..
فراغ تصفر فيه ريح صفراء.. أكرهها.
قد يقول قائل: وهذه الأجيال الجديدة التي تشق طريقها؟..
أقول قد تشقّه لتصل إلى نقطة ما وتعاني فيها ما أتكلم عنه.
فقدان الأصدقاء له طعم علقمي لا طعم يشبهه.
لكنّها الحياة بحلوها ومرّها..
وذلك جزء من مرارة مرّها.


أخبار ذات صلة

"ابن طرزان" يقتل والدته طعنًا والشرطة تقتله فورًا
جريصاتي: تركيب حاويات الفرز في المناطق خلال أسبوع
برلمانيّ تركيّ.. هكذا ستردّ أنقرة على العقوبات الأميركيّة