بيروت - لبنان 2020/02/26 م الموافق 1441/07/02 هـ

آهٍ من المتربّصين بأرزاق الشعب!!

حجم الخط

المُحزن المُبكي على حالنا ومآلنا.. الهواتف التي تصبّحنا باكراً وتمسّينا متأخّراً من زملاء مهنة أو أصحاب.. ضاقت ببعضهم السُبُل فارتحلوا بعيداً من لبنان ومن عموم أرجاء ما كان يُسمّى بالوطن العربي وأصبح المتفسّخ العربي.. آهٍ يا وطن العروبة أمسيتَ ألعوبة في يد زعيمة تكريس الزعماء في العالم..

فاجأني زميل صديق جزائري ليل الأمس من نيوزيلندا وهو يجهش بالبكاء مُنادياً بإسمي بصوت مخنوق.. لم أعرفه قبل أنْ أسأله مَنْ تكون.. سألته ما بك ومَنْ أنت؟ قال أتصل عندما أهدأ.. أقفلتُ السماعة وبعد نصف ساعة قال: ليلوه هل أنتِ بحاجة إلى المال؟ وهل صحيح أنّ الرواتب وصلت في الشهر إلى 260 دولاراً؟

رددتُ آسفة لن أُجيب قبل أنْ أعرف مَنْ أنت؟ ذكر اسمه وبالفعل آخر مرّة التقيته في الجزائر في عام 2008.. وكان يحدثني عن وضعه الاقتصادي المزري.. وأنّه يود الهجرة لعل أولاده يجدون الأمان الاجتماعي.. قلت له: لا تخشى سأتصل بفلان لتحسين أوضاعك.. قال بعد رحيل هواري بومدين لم يعد لنا خبز.. لا تتصلي بأحد فقط أريد الهجرة.. قلتُ: أنا مسافرة غداً ولستُ أحتاج إلى هذا المال.. خذه ودبّر نفسك عسى الله أنْ يجد لك مخرجاً.. وفي رحلاتي التالية إلى الجزائر كنتُ أتصلُ على خطّه لكنه ليس في الخدمة.. مَنْ أسماني ليلوه لصرامتي.. قال: أنتِ لك دين في رقبتي.. أريد أنْ أردّه أضعافاً فهل تسمحين لي؟ قلتُ: أنا ما شاء الله أتدبّر شؤوني.. وليس لديَّ دين في رقبتك.. حالي كحال النّاس في لبنان.. أُحبُّ أن أعيش التجربة المُرّة.. وما أهديتُك إياه كان آخر ما تبقّى معي من رحلتي إلى مُخيّمات اللاجئين الصحراويين.. كنتُ أودُّ شراء التمور وخلافه مما أُحب من الجزائر.. لكنّني شعرتُ أنّك أهم من كل ما أُحب أنْ أحمله معي.. وها أنتَ ترد لي بدمعة واحدة الملايين.. أعدك أنّني سأتصل بك.. مثل هذا الهاتف مُهاتفات كثيرة.. تُشعِرُني بأنّ الدنيا بألف خير.. لكنّني أنا في وطني لستُ بخير.. كنتُ أحتفظُ بنفس المبلغ لشراء ما أُحبُّ من أي بقعة قبل عودتي إلى الوطن حتى ولو كانت حجرة.. مسكين الشعب اللبناني الذي بات مُقتِّراً على نفسه لضعف ذات اليد.. لأنّ العين ما زالت بحمد الله بصيرة ولكن اليد قصيرة.. مثل هذه الهواتف التي تصل يومياً.. تُفرِح الإنسان أنّ هناك مَنْ يسأل عنه ويُحسُّ بأوجاعه.. لكنها مؤلمة لأنّك وأنتَ تعمل ليس لديك ما تنفقه.. آخ من المتربّصين بأرزاق الشعب اللبناني وتجويعه!؟



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 26-2-2020
الحراك أمام المحكمة العسكرية لإطلاق الموقوفين (تصوير: طلال سلمان)
نصائح الصندوق: كلام بكلام يصدم «حكومة المواجهة»!
تحييد لبنان هو المفتاح لفك طوق العزلة