بيروت - لبنان 2020/06/03 م الموافق 1441/10/11 هـ

أما الأحبّةُ فالفيروسُ دونَهُمُ!

حجم الخط

عندما سألَ المتنبّي العيدَ: بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ؟ كان عزاؤه الخروجَ خِلسةً بالجّسد الحيّ من بلاء كافور الإخشيدي في مصر. وإذا كنا مثلَ الأمس الحاضر، نُعلّقُ حناجرنا بيتاً من الشعر في سماءِ الليلة الظلماءِ نفسها التي نامَتْ نواطيرُ العرب فيها ولا تزالُ عن ثعالبها الكثيرة، فإنّ أجسادنا تبقى اليوم حبيسةَ بلاءِ الكورونا العالميّ. وعزاؤنا هذه المرّة أنّ الجسدَ بالنسبة إلى الروح ليس سوى المُضاف إليه. فالأرواحُ الرمضانية التي ارتقتْ بعبادتها في شهر السماء تتلاقى ولو لم يمسَسْها جسدٌ. 

وإذا كان التباعدُ الاجتماعيّ القسريّ يحوْلُ اليوم بين المرء وأخيه؛ كأنّي بالمتنبّي يصرخُ ألماً: أما الأحبّةُ فالفيروسُ دونهُمُ! فإنّ التواصيَ بالحقّ عند الفِتَن ما ظهرَ منها وما بطَن، والتواصيَ بالصّبر في الضُّر ما انكشفَ منه وما خفيَ، يجعلان المؤمنين، أنىّ وجدوا وكيفما كانوا، على قلبٍ واحد ولسانٍ واحد. إنّ كلمةً يرضاها الله ورسوله لتقرِّبُ إليك البعيدَ ولو كان بينكُما بُعْدُ المشرقَيْن، ولتُبْعِدُ عنك القريبَ ولو كان على فاصلةٍ من قلبك. أفلمْ يأْنِ للذين يقيسون المسافات بولاءات الجسد وعبرَ حَشْرِه في أقبية العصبيّات وأنفاق الباطل، أن يُدركوا بأنّ الخوفَ مهما عظُم شأنُه في نفوس الكثيرين؛ فبدا كطاعةٍ عمياءَ لفكرةٍ من عندِهِم أو لسلطانٍ من وحْيهِم، بعضَ الوقت، لن ينقلبَ أبداً إلى خشوعٍ حقيقيّ لن تجدَ له عِمارَةً إلا في الطريق المُستقيم إلى الله.

 دون ذلك كلُّ شيء سيقفُ على رأسِه بَغتَةً بعدما وقفَ على رجليه أمداً. فليس الاحتفاظُ بالحقّ، عند أيّ جهة كانت، بالأمر اليسير؛ إذ بنفسِه يُعرَفُ الحقُّ لا بالرجال! والحقيقةُ تُحرّر كلَّ من يقترب منها في المسافة التي ينقطعُ فيها كل نَسبٍ إلا من أتىَ الله بقلب سليم، ويَضمحلّ فيها كل زَعْمٍ إلا من نهىَ به النفسَ عن الهوى. جاءَ العيدُ على مُكْثٍ هذا العام. لكنّ في هذا الدّين من القُرْبِ ما تنطوي فيه السمواتُ والأرض.


أخبار ذات صلة

توقيف صهاريج لتهريب المازوت الى سوريا
٢٠٠ كيلوغرام طعام للقطط الشاردة في جبيل..
بدءًا برئيس الجمهورية.. «المستقبل» يقترح قانون لرفع الحصانات عن السلطات [...]