بيروت - لبنان 2020/06/03 م الموافق 1441/10/11 هـ

البلاغُ الأخير!

حجم الخط

تبدأُ كلُّ الأشياءِ مع الفعل؛ هكذا من فرْطِ العادة! سواءٌ في الجُملة التي نخطُّها بأيدينا أم في القول الذي نتلفَّظ به بأفواهنا. قد يتأخّر أحياناً على مَضَض حين تندفعُ الأسماءُ لشَغْلِ مكانه. وقد يسوؤه هذا التدافع اللغويّ؛ فيجيءُ على نقْصٍ شديدٍ إلينا: يُرسِلُ مطلعَ الحكاية ثمّ ينأى بنفسه عن حكايتها.

 هكذا من فرْطِ العادةِ صار العربُ عرَباً. تنسُلُ الأفعالُ من ثوبِ كلامنا المطرّز بنكَهات الفضيلة والفروسيّة والحقّ، حتى إذا نضا عن خُطَبِنا المُتمحِّلة؛ بانَ القُبحُ كلُّه. فليس هناك أقبح من عربيةٍ لا يسترُ شرفها الرفيع فعلٌ كاملٌ أبيّ. هالَني كثيراً هذا الخَطْبُ الألمانيّ: أن أتناسى الفعلَ في بداية حديثي وآتي به عند الهزيع الأخير من الكلام. أن أُجرِّع مستمعي كأس الانتظار الصعب حتى يبيْنَ الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من نيّتي القابعة على سطر من قلبي. 

هكذا هم الألمان إذن: من فرْط العزيمة على الإتيان بالفعل يشقّون له في اللغة مسالك كثيرة حتى إذا جاءَ قضاؤه واكتملت المفاعيلُ كلّها، تربّع على عرش الكلمات بتُؤَدَة حاملاً بيده صولجان المعنى الدقيق. لا تقلْ لي سوف أفعل كذا وكذا، ثمّ تُعلّقُ أمرَك على بلاغات الكذب في نفسك، بأنّ الأدوات ليست رهنَ مقاصدك بعد. 

ستكون عربياً من النوع الرديء جداً. على العكس، لن يقول لك الألماني إنيّ فاعلٌ هذا غداً حتى يأتيك بأدواته وبكل ما يتطلّبه ذلك من فواصل ونقاط وحديث جانبيّ يطول أو يقْصُر بحسب المقام. في الألمانية ينبغي أن تُشير إلى المسار أولاً مهما كان متعرّجاً وملتويّاً قبل تخيّل المنزل السعيد فوق الربوةٍ. 

ولن يضيرك أن تقرأ جملاً تروغ منك كالثعلب ما دمتَ عند طرف الشدّة ستقبضُ على لينٍ وإنجاز حقيقي. يا عربيَّ اليوم: لا تقلْ سوف أنهض بأوطاني وسوف أحرّر أرضي وسوف أنطحُ السّحاب. أمسِك نفسك عن اللغوْ، وليكُنْ فعلُك البلاغَ الأخير.



أخبار ذات صلة

وزير الصحة: لتطوير استراتيجية خدمة المريض
دريان في تشييع الشيخ غندور: عالم جليل وفقيه كبير وإمام [...]
الجيش يقفل معابر غير شرعية