بيروت - لبنان 2020/02/26 م الموافق 1441/07/02 هـ

في الغيم كوفيةٌ!

حجم الخط

يهطل المطرُ. تُخفض الحرارةُ رأسَها. يبردُ الجو. تختلط حبّاتُه بأقدام الموسيقى على الأرض. ازدحام أناسٍ وسيّارات؛ الشارعُ يغتسل. البخارُ على الزجاج يتنفّسُ. كانونُ بمعطفه الرمادي القديم يمرُّ من هنا. بروقٌ تضيء ليلتَه الأخيرة. رعودٌ ترسمُ خطواته القليلة المتبقّية في اتجاه الريح. أفتحُ له النافذة. يدٌ عتيقة خضّبَها الزمانُ تُصافحني على عجل. ذكرياتي مبلّلة الآن. وجوهٌ تتراقص أمامي على حافة بئر عميقة، والكلامُ في صدري يحتسي الصمتَ مرتعشاً، كعصفور ضائِع. كانون العطوف يمسحُ وجهَ المدينة الغابر. يُطالعُ أسرارها تحت المظلات السوداء الكبيرة. غداً سيحملُ عمرَه الشتويّ ويرحل وحيداً بلا أمٍ ولا أب. على رصيف غرفتي المهجور، ينزلُ المطر كأصابع رقيقةٍ فوق أوتار كمَنْجة الليل. ثرثرةٌ أخيرة قربَ شبّاكي الذي لا ينام. يتركُ لي كانونُ كومةَ أحلامٍ وضفيرةً سمراء. وعند منتصف القلب، يذهبُ معطّراً بالحنين إلى ما يفوتُ من أيامنا بلا رجعة أو انتظار. درجٌ طويل، تصعد الخيباتُ نصفَه، والأماني الفقيرةُ نصفَه الثاني. أترانا نتسلّقُ الوطنَ لنبقى على قيد الغيم؟ نحملُ همومنا كسيوفٍ في أعناقنا التي تلْمع. لا نقاتل بها أحداً، غيرَ ظلالنا المقهورة. يهطلُ الدم في ساحاتنا. تُخفضُ الحياةُ رأسَها. يبردُ الجو. يختلط الموتُ بأقدام المنتفضين على الأرض. ازدحام نعوشٍ ودموع. الشارعُ يتكفّن منذ صباحيْن. البنفسجُ على الأكتاف ينْتَحب. كانونُ بمعطفِه القاني مرَّ من هنا. بين النفوس الرفيعة كخيوط الفجر، والأجسادُ التي حنّطت الموتَ قيامتُها. أفتحُ له النافذة. يدٌ عتيقة خضّبَتها الشهادة تُصافحني على مهل، كالأحرار في زنازين الوقت. ذكرياتي تنزفُ الآن. وجوهٌ تتناسل من الهواء الرصاصيّ أمامي على حافّة القدس المُعذّبة، والكلامُ يشربُ المطرَ في صدري، كبحرٍ استفاقَ من عطشه العربي الطويل. في الغيم كوفيةٌ فلسطينية. أرى ألوانها المتعدّدة ترتسمُ كقوس قزح كبير يربط فصول الغضب بابتسامة التراب. كانون عائدٌ: يهطلُ المطر.. يصعدُ الدم.. القدس عربية! 



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 26-2-2020
الحراك أمام المحكمة العسكرية لإطلاق الموقوفين (تصوير: طلال سلمان)
نصائح الصندوق: كلام بكلام يصدم «حكومة المواجهة»!
تحييد لبنان هو المفتاح لفك طوق العزلة