بيروت - لبنان 2020/10/24 م الموافق 1442/03/07 هـ

لبنانيّتُنا المُعذَّبة والمُعذِّبة!

حجم الخط

كنتُ حتّى لحظة مسايرتي الأولى للقلم فوق بياض هذه الفسحة الحرةّ من الكلام، أتفجّعُ مثل كثيرين غيري على لبنان. ثمّ انتبهْتُ إلى أنّ الذهاب مع الفجيعة إلى ما تذهبُ إليه من تألّمٍ وتوجّعٍ وكرْبٍ عظيم يشقُّ القلوبَ عن أثوابها المُعتادة، لن يُنزلنا غير أرضٍ قاحلة لا مكان للزرع فيها ولا للحصاد. 

وانتبهْتُ أيضاً أنّه أمام هوْل الكارثة لا شيء يصمُدُ غير التصديق بها. وأراني كنتُ مثل معظم اللبنانيين هائماً على وجهي في دروب الفجيعة فوق أجنحة الحبْر المُتعَبة، فارّاً من الاعتراف بما أصابته منّا وبما سلبته من زماننا؛ كأنّ للأشياء التي تزول من بين أيدينا اليوم من متَردَّم.

 لكنّ الوقت حان لنستفيق جميعاً من سُبات ماضينا الطويل. إذ لا شيء سيعودُ إلينا بعد الآن. يحزِمُ الماضي كلَّ حقائبه البيضاء ويرحل عنّا بلا عوْدة. أما المستقبلُ، بحلوه ومرّه، فيحتاجُ لمنْ يخترعه لنا اختراعاً. كأنّي بنوبل تذهبُ جائزتُه لأوّل مرّة إلى هذا المُخترع المُنتظر! إذ ليس سهلاً أن نخترع وطناً يكون حقيقياً على الأرض كما يكون في قريحة الورق أو بين شفاه الوتر. 

فمن ذا الذي سيكون لبنانياً بيننا بأكثر ممّا تحتملُه لبنانيّتُنا المعذَّبَة بنا والمعذِّبَة لنا؟ لبنانياً مُخلِّصاً لا يقول لنا هذه المرّة: لكُم لبنانُكم ولي لبناني. بل لبنانٌ واحدٌ للجميع، سواء أكان قطعةً من سماء في فم أغنيةٍ أم قطعةً من جحيمٍ في عيون بندقيّة. من ذا الذي سيقول لنا: تعالواْ إلى كلمةٍ بيننا، تُكلّلُ جبالنا ببياض نفوسٍ شاهقة، وتضيء بحرنا بملْحِ جبينٍ لازورديّ لا يرتدُّ عن العلى؟ لننسَ جميعاً لبنان الذي قد وقعَ لنا، ولنتأمّل جميعاً في لبنان الذي سيقعُ علينا. فهلاّ نحوّلُ أفكارنا إلى سماء هانئة من فوقنا؟ أم نُزلزل بها الأرض من تحتنا حتّى تأخذنا صخرةُ الذكرى كشقائق النعمان بين شقوقها المُظلمة؟



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 24-10-2020
الرئيس الحريري مجتمعاً بالنائب باسيل في ساحة النجمة (تصوير: طلال سلمان)
مظلة رئاسية تسرّع التأليف.. وإجماع على الإختصاصيين وإصلاحات المبادرة
علّوش يسأل عن موقف إيران: الحريري سيتعامل مع عون «الرئيس»