بيروت - لبنان 2020/02/26 م الموافق 1441/07/02 هـ

ماتت زيتونة فلسطين!!

حجم الخط

بالأمس ماتت فلسطين.. بالأمس مات حق العودة.. بالأمس ماتت «الحاجة أم علي».. وهي لا تزال تحلم بزيارة تلك الأرض التي منها قدمت.. إليها كان حلمها بالعودة إليه يوماً ما..

كنتُ صغيراً لم أبلغ الحُلُم بعد.. وكانت أقرب من جدّة إلى نفسي.. فكنتُ كُلَّ يوم أزورها لأسمع منها حكايا عن فلسطين.. وحلمها بالعودة إليها ولو حتى تحت التراب.. وأتذوّق كنافة نابلس وزيتون حيفا..

بابتسامة عرضها السماوات والأراضين.. وبدمعة قد تُغرِق «البسيطة» إذا ما فاضت.. وبحُرقة في الصدر وشوق في الروح.. كانت تُطلق الآه مردّدة: «ع فلسطين أبداً راجعين.. ولو يوم الدين»..

وكبرتُ في حيّنا على حكاياها عن موسم قطاف الزيتون.. وعن مواسم الحصيد وأهل الخير.. التي انتهكتها في ليلة ظلماء كلاب «الشتيرن والهاغانا».. فحوّلت زقزقات العصافير إلى نعقيب الغربان ونحيب البوم.. كيف تلوّن الزيتون الأخضر بالدم الأحمر الطاهر.. كيف حُجِبت عين الشمس بدخان القصف وحريق الأخضر واليابس.. وكيف خرجتُ زينب الشابة برفقة الأهل من قريتهم الفلسطينية.. باتجاه بلدة كفردونين في جنوب لبنان حيث يعيش أنسباؤهم منذ سنوات.. 

وما هي إلا أعوام قليلة حتى انصهرت زينب في المجتمع الجنوبي.. وانتقلتْ مع زوجها اللبناني إلى بيروت.. حيث لم يكن يفصل بين دارنا ومنزلهما إلا جدار واحد.. ولكن إذا ما قصدتَ دارها لم تكن فلسطين غائبة عن أقل شبر فيه.. من بابه إلى محرابه.. كانت حاضرة بالبشر قبل الحجر.. حتى مأكلها وملبسها لم تفارقه النفحة الفلسطينية..

ويوم لقاء «وجه كريم» أوصت وحيدها وبكرها علي.. بدفنها في فلسطين إذا يوماً ما عادوا إلى تلك الأرض الطاهرة.. ولكن بالأمس وبما قادة عالمنا العربي اكتفوا بالشجب والتنديد.. معتبرين أنّ التغريدة والهاشتاغ دون سواها تُعيد فلسطين العربية إلى أهلها.. وبعد 10 سنوات على رحيل «الحاجة أم علي».. للمرّة الأولى أشعر بخسارتها.. لأنّها كانت زيتونة نضرة من عمر فلسطين الفتية.. وبالأمس ماتت!!



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 26-2-2020
الحراك أمام المحكمة العسكرية لإطلاق الموقوفين (تصوير: طلال سلمان)
نصائح الصندوق: كلام بكلام يصدم «حكومة المواجهة»!
تحييد لبنان هو المفتاح لفك طوق العزلة