بيروت - لبنان 2018/08/21 م الموافق 1439/12/08 هـ

موظفة البنك تكذّب زينون!

حجم الخط

كان الفيلسوف زينون يقول بأنّ الانتقال من نقطة (أ) إلى نقطة (ب) أمرٌ محال. وأنا أصدق زينون وأكذبه، كما هي عادتي المتشككة مع كل الأشياء. 
فمن جهة، أجدني مفعماً بالاستعداد للتخلي «النظري» عن المسافة التي أقطعها كل يوم بين منزلي وأماكن عملي، رغم «العماء» الذي يُصيبني آخر الليل.. وعن المسافة التي يقطعُها عمري بغير إذن مني، متجاهلاً هكذا بضرب نفسيّ من الحماقة الدفاعية، حقائق التاريخ والجغرافيا فوق خريطة جسدي. أجدني متناغماً مع فكرة السكون الآمنة بل منجذباً إليها في بلد لا يعرف «في العضْم» غير القهقرى، أي حركة الرجوع إلى الخلف. 
لكن من جهة أخرى، يصعب إنكار الحركة الزئبقية للأموال وقد تلبّسها شيطان الأرقام؛ يخفيها ويظهرها حول العالم كيفما يشاء، وكأنّه يحييها ويميتها من شاشة كومبيوتر إلى أخرى. 
موظفة البنك تكذّب زينون بلمسات ناعمة وسريعة، وتعزمني بلطف على قهوة اخترتها مُرّة مثل فضيحة الفلسفة. هنا الموظف لا يُقاوم. لا شأن للأناقة أو مسحة الجمال بذلك. في مؤسسات الدولة تزداد قناعاتك ترسخاً، أما في المصارف فتترك نصفها على الكرسيّ. تمتحن الموظفة الخبيرة صبرك على اللاقراءة. تجعلك بثوان تقطع المسافة بين (أ) و (ب) مئات المرّات. تتقمّصك حتّى، وتفكّر عنك بسرعة هائلة، حين تتقلّص كينونتك إلى مجرّد حساب مفتوح على أحلام الثروة التي تُنسيك فجأةً هموم الديالكتيك.
البنك ليس خزنة للنقود فحسب، تقول الموظفة المتمرّسة باصطياد الفرص الطائرة أو الزاحفة. عليك أن تُحدثَ هنا شيئاً ما في حياتك الراكدة، والأرقام وحدها تخدمُك بدقّة ومن دون مبالغات أو شعارات. 
قرض، توفير، استثمار صغير، تجميد أصول مالية.. أي شيء من هذا القبيل، سيجعلك تتخطّى ليس احراجات زينون فقط، بل احراجات ذاتك الثقافية أيضاً في عالم البنية التحتيّة. 



أخبار ذات صلة

«دموع».. وراء القضبان!
تعوا ننسى...
وللقطط حظوظ !