بيروت - لبنان 2020/02/26 م الموافق 1441/07/02 هـ

هكذا تكلّم جبران!

حجم الخط

لعله الويلُ قد لحق بنا أو لحقنا نحن به. ويلٌ لأمّة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر. هكذا تكلّم جبران! لكننا لا نستمعُ للكبار إلا لماماً. صغارٌ من حولنا؛ يَعلون كل الأشياء ويَعتلون. يمنعون عنّا الماعون، ويحسبون أنّ في ذلك قوةً لهم، ولجاماً دائماً لنا. فالصغار لا يحذّروننا إلا أنفسَهم. 

الكبار وحدهم يوجّهون أنظارنا إلى الحقيقة وغضبها العادل: إيّاكم وانقلاب الحقيقة عليكم! الصغار يكذّبون. يرفعون من شأن حاضرهم، بينما التاريخ يفضحُ ضآلتهم في كل آن. للصغار لبنانُهم (لكم لبنانُكم!) وللكبار لبنانُهم (ولي لبناني!). لبنانان، بينهما تواريخٌ متنافرة، لا يلتقيان. قالها جبران مدوّيةً، لكنّ أحداً لم يُرد أن يُصدّقه. دخلنا النار وخرجنا، لكننا لم نجدْ الماءَ بعد.

 قابعين وسط الجفاف أبداً. ينتحبُ الأخضر بين ظهرانينا. يُدركه الموت على فاصلة. لم نجدْ حتى قاضياً يُحاكمنا بالأبيض؛ فأسقطنا ألفَ حساب أحمر عن أنفسنا. ما اقترفناه عالقٌ بين دوائر أصابعنا السوداء والرمادية. يأبى أن ينمسحَ كعرق فلاح شريف في عين الشمس الطاهرة. ما فتئ التاريخ في قلوبنا تواريخ شتّى، وما فتئت الجغرافيا تحت أقدامنا خرائطَ مستحيلة. نقول لكم أيها الصغار أنّكم لستُم على شيء. لكن اشمئزازنا منكم لم يبلغ مآربه القصوى. فقاقيعكم الفارغة ما تزال تملأ رئاتنا المتعبة منذ سنين. فالتنفّس شديدٌ في أعالي الثورة، قد لا يحتمله الصاعدون. قد يتراجعون. قد تنطفئ عيونهم. 

وقد تخفت أصواتهم أو تعود أدراجها. التوحّد مع الصخور رياضة روحية قاسية. عزمٌ لا تُطيقه إلا القلّة. وهل بقي لنا اليوم غير القليل جداً لنفوز به؟ القليل حدّ الحقيقة. الشاهدةُ الوحيدة على جمالها بيننا! القليل الذي يُغني حقاً من جوع. هل نجوع؟ تكلّم جبران عنّا كثيراً، ولكننا آثرنا أن نصمت من بعده طويلاً. ولعل في صمتنا ويلٌ مزمن آن له أن ينقلبَ على نفسه!   



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 26-2-2020
الحراك أمام المحكمة العسكرية لإطلاق الموقوفين (تصوير: طلال سلمان)
نصائح الصندوق: كلام بكلام يصدم «حكومة المواجهة»!
تحييد لبنان هو المفتاح لفك طوق العزلة