بيروت - لبنان 2020/11/30 م الموافق 1442/04/14 هـ

العميل الفاخوري أشرَفَ على تعذيب وتصفية الأسير علي حمزة ... أين الجثة؟!

المحامي أسامة رمال لـ«اللـواء»: علّقوني وحمزة على العمود فلَفَظَ أنفاسه

إبنة الأسير الشهيد علي حمزة، علا، تحمل صورة والدها وتُشير إلى العمود الذي عُلِّقَ وعُذِّبَ وأُعدِمَ عليه في «مُعتقل الخيام»
حجم الخط

لا يُمكن أنْ يُذكَر ملف الأسرى والمُعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أو عملاء العدو، إلا ويكون اسم العميل عامر إلياس الفاخوري في طليعة هؤلاء.
وإنْ سقط جرم التعامل مع العدو، والجرائم التي ارتكبها ضد الإنسانية، قتلاً وخطفاً وتعذيباً بمرور الزمن العشري، وفق مواد القانون اللبناني المعمول به، لكن لن يسقط عنه ذلك، إنّه أحد كبار عملاء العدو و»جزّار مُعتقل الخيام».

الجرائم التي ارتكبها العميل الفاخوري في «مُعتقل الخيام»، حيث كان يتولّى مسؤولية الحراسة فيه وعن الأسرى، لا يُمكن أنْ تُمحى من سجل نضال الأبطال، ولا من أجسادهم التي ستبقى شاهدة على إجرامه ووحشيّته وهمجيته.

لعل هناك 3 أسرى شهداء، يتحمّل العميل الفاخوري المسؤولية المُباشرة عن الأوامر والإشراف على تنفيذ إعدامهم بدم بارد، وهم: إبراهيم أبو عزّة، بلال السلمان وعلي عبدالله حمزة.

هؤلاء الشهداء من بين 16 أسيراً استشهدوا في المُعتقل، الذي افتتحه العدو الإسرائيلي نهاية العام 1984 وبداية العام 1985، مع إقفال «مُعتقل أنصار»، بعد اندحار الاحتلال عن المنطقة، وإبقاء سيطرته على المنطقة الحدودية.

أشرَفَ العميل الفاخوري على تعذيب الأسرى الذين زُجّوا في المُعتقل، وبلغ عددهم 7763، والذي حملته الأسيرة ملاك إبراهيم حرب، التي اعتُقِلَتْ يوم 16/5/2000، وسبقها إلى الرقم 7762 والدها الدكتور إبراهيم حرب، ونالا الحرية مع الأسرى يوم تحرير المُعتقل في 23/5/2000.

بعدها تحوّل المُعتقل إلى مزار، شاهد على همجية المُحتل، الذي نفّذت طائراته خلال عدوان تموز/يوليو 2006، غارات عدّة فدمّرت أجزاءً منه.

وإذ تكشّفت حقيقة ما جرى في «انتفاضة الأسرى»، واستشهاد السلمان وأبو عزّة، يوم الأحد في 27/11/1989، بعدما توجّه العميل الفاخوري يوم السبت إلى العميل أنطوان يوسف الحايك بالقول: «زدتها»، فألقى الأخير قنبلة دخانية سامّة باتجاه غرفة الأسرى، ما أدّى لاحقاً إلى استشهاد الأسيرين.

وأصدرت «المحكمة العسكرية الدائمة» في بيروت برئاسة العميد الركن ماهر صفي الدين، بتاريخ 16/11/2001، حكمها بالقضية تحت الرقم 6409/2001، وقضت بالأشغال الشاقّة لمدّة 10 سنوات وإسقاط دعوى الحق العام عن العميل أنطوان الحايك بمرور الزمن العشري.

فيما قرّرت «محكمة التمييز العسكرية» برئاسة القاضي طربيه رحمة بتاريخ 30/1/2003 وبقرار حمل رقم 13/2003 إسقاط دعوى الحق العامة على الحايك بمرور الزمن العشري، وهذا ما استفاد منه العميل الفاخوري، في القرار الذي أصدرته «المحكمة العسكرية» في بيروت برئاسة العميد الركن حسين عبدالله في جلسة المُذاكرة التي عقدتها بتاريخ 16/3/2020.

مصير حمزة!

بقيت قضيّة مصير الأسير علي عبدالله حمزة، وهي التي نسجت بشأنها روايات مُتعدّدة، لجهة تحديد مصيره، والذي يتحمّل مسؤوليته العميل الفاخوري شخصياً.

في ضوء إفادات عدد من الأسرى المُحرّرين، استندت هيئة «المحكمة العسكرية» في قرارها إلى تقرير «هيومن رايتس واتش» بتاريخ 27/10/1999، الذي وثّقت فيه أنّ «الأسير إبراهيم كلش، الذي كان مُعتقلاً في «مُعتقل الخيام» بين عامي 1985-1990، كان شاهداً على ظروف وفاة الأسير حمزة، وقال: عُرِّيَ من ثيابه في ليلة باردة، ووُجِدَ ميتاً في الصباح التالي».

كما أنّ جواب مديرية المُخابرات في الجيش اللبناني، بناءً لطلب النيابة العامة، والذي حمل الرقم 1407/م.م/د/س بتاريخ 11/3/2020، أشار إلى أنّ «المُعتقل علي عبدالله حمزة توفي داخل «سجن الخيام» جرّاء تعرّضه للتعذيب من قِبل العملاء».

وأيضاً جواب المديرية العامة للأمن العام رقم 8835/3 بتاريخ 11/3/2020، بأنّ المعلومات المُتوافرة لديها تُفيد بأنّ «علي حمزة تمَّ اعتقاله عام 1986 من قِبل العميل الأمني في «ميليشيا لحد» حسين عبد النبي، وتمَّ نقله إلى «مُعتقل الخيام»، وبعد فترة أّبلغ بعض المُعتقلين المُفرج عنهم ذويه، بأنّ ابنهم قد استشهد بعد تعرّضه للتعذيب وربطه على عمود في ساحة المُعتقل».

واعتبرت «المحكمة العسكرية» في حكمها أنّ «الأسير حمزة استشهد داخل المُعتقل في حينه، ونُقِل جثمانه إلى مكان مجهول، وبالتالي تبدأ مُدّة مرور الزمن على جرم المادة 569 عقوبات المنسوبة إلى العميل الفاخوري من هذا التاريخ، وقد مرَّ حتى تاريخ المُلاحقة ما يتجاوز الـ30 عاماً، ويقتضي بالتالي إعلان سقوط دعوى الحق العام بالنسبة إلى جرم المادة 569 عقوبات بمرور الزمن العشري».

هذا ما جرى مع حمزة!

ماذا يقول شهود عيان وبينهم أسرى محرّرون ومن عائلة الأسير الشهيد علي حمزة، عن هذه الجريمة، وما هو مصيره؟

{ أبناء من بلدة الجمجمية، استعادوا ما جرى بالقول: «أقدَمَ عملاء «ميليشيا العميل أنطوان لحد» يوم الثلاثاء في 18/2/1986 على تجميع أبناء بلدة الجمجمية - قضاء بنت جبيل في ساحتها، من سن 12 عاماً وحتى سن الـ70.

وقاموا باعتقال مدير المدرسة الرسمية علي عبدالله حمزة، الذي كان اسمه ضمن لوائح المطلوبين لديها، مع اثنين من أبناء البلدة، فأوقوفهم مصلوبين على الحائط لمدّة 4 ساعات، قبل أنْ يتم اقتيادهم مُباشرة إلى مُعتقل الخيام».

المحامي رمّال


المحامي أسامة رمال

{ المحامي أسامة رمال (من العديسة)، استعاد تلك اللحظات الأليمة، حيث كان نصيبه التعليق إلى جانب الأسير حمزة على العمود، وسط ساحة المُعتقل، قائلاً: «أحضِروا الأسير علي حمزة، وكان رجلاً أربعينياً، وجهه مُغطّى بكيس، ووضعوه على العمود، وكبّلوا يديه، وانهالوا عليه بالتعذيب القاسي والضرب المُبرِح بآلات حادّة على رأسه وظهره، وكان يصرّخ بقوّة».

وتابع: «كُنتُ وإياه مُعلقين فقط، بعد قليل أُغمِيَ عليه، فصبّوا الماء البارد على رأسه، فاستيقظ في المرّة الأولى، فعادوا لمُمارسة همجيتهم بالضرب المُضاعف، وهو يتضرّع إلى الله سبحانه وتعالى إنقاذه من براثنهم، وأن يرى أولاده في تلك اللحظة، وكانوا يزيدون من تعذيبه وضربه، ولمّا حاولوا في المرّة الثانية إيقاظه بعدما أُغمِيَ عليه، فلم يستيقظ، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة».

وأضاف: «قاموا بفك وثاقه، وألقوه على الأرض، وحضر أحد العملاء، كانوا يدّعون بأنّه «مُمرض» في المُعتقل، فقال: «لقد مات»، عندها تفرّق الجنود، وقاموا بفك وثاقي عن العمود، وأخذوني إلى الزنزانة، ولم نعد نسمع عنه شيئاً، ولم تظهر جثته حتى!».

استعاد الأسير المُحرّر حسن مواسي اللحظات الأخيرة لتعذيب الأسير حمزة، حيث كان إلى جانبه، قائلاً: «بس خلصوا منه ضرب وقتل وتعليق وغيره، رموه بجانبي، كان رأسي بجانب رأسه، واستمرّوا بالضرب وهو على الأرض حتى انقطع نفسه، كسّروه تكسير، وعندما انتهوا سمعته يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقال لي: «يا شحاركم يا ولادي.. يا تعتيركم يا ولادي».

{ فيما وثّق الأسير المُحرّر عفيف حمود في دفتر مُذكّراته اللحظات الأخيرة للأسير حمزة في «مُعتقل الخيام»، قائلاً: «إنّ الشهيد علي عبدالله حمزة استشهد في «مُعتقل الخيام» يوم 10/3/1986، من الضرب والتعذيب على يدَيْ عامر الفاخوري المسؤول العسكري لـ»مُعتقل الخيام»، وكان شاهداً على هذه الجريمة من شرطة العملاء إلى الفاخوري، جورج كرم، أسعد سعيد، عبدالله خلف، حنا فهد.

ومن الشهود الأسرى على تعذيب واستشهاد حمزة كان في الساحة الأسرى: حسن مواسي، عصام عواضة (من الناقورة) وأحمد سرور (من طيرحرفا).

بعدها قامت شرطة العملاء بإطلاق النار في «مُعتقل رقم 1» - أي المقابر، وأخرجوه إلى ساحة التعذيب، وعلّقوه على العمود ولفّوا السلك حول عنقه، وفي اليوم التالي أتت الشرطة، وقال أحدهم: «لقد فصل».

وأوضح الأسير المُحرّر حمود: «لا نعرف عن الشهيد علي عبدالله حمزة أي شيء، لا توجد له جثة، ولا مدفون، ولا أي مكان يرمز إليه، وقد دخل هذا المُناضل «مُعتقل الخيام»، وما له من أثر».

{ وذكر الموقع الرسمي لـ»المُقاومة الإسلامية» في لبنان، في مقال نشره بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر 2017، تحت عنوان «18 آذار/مارس 1986: «مُعتقل الخيام»، نموذج الإرهاب الصهيوني»، أنّه «بتاريخ 18 آذار/مارس 1986، عثر أهالي القرى اللبنانية على ثلاث جثث في خراج بلدة الخيام، في جنوب لبنان. وتبيّن أنّ الجثث عائدة لثلاثة مُعتقلين قضوا جرّاء التعذيب في «مُعتقل الخيام». فقد كانت سلطات الاحتلال الصهيونية تزج بمئات المُعتقلين اللبنانيين في سجن بلدة الخيام في جنوب لبنان، وكان عملاؤها يقومون بمُمارسة شتّى أنواع التعذيب بحق المُعتقلين».

{ وجاء في الإخبار الذي قدّمه 9 من الأسرى المُحرّرين إلى النيابة العامة العسكرية، أنّ «العميل الفاخوري، وضع الأسير حمزة بعد لفظه أنفاسه الأخيرة في صندوق سيّارته، ونقله إلى جهة مجهولة، فالأسير قد استشهد، والعميل الفاخوري لم يُكلّف نفسه دفنه أو تسليمه إلى أهله».

{ كما أنّه خلال عملية تبادل الأسرى ورفات الشهداء بين «حزب الله» والعدو الإسرائيلي بوساطة ألمانية، والتي حملت اسم «عملية الرضوان»، يومي 16-17/7/2008، لم تظهر فيه جثة الشهيد حمزة، ولم يكن اسمه ضمن أسماء اللبنانيين الـ5، الذين جرى إطلاق سراحهم، وبينهم «عميد الأسرى العرب» سمير القنطار، مُقابل تسليم جثّتي الجنديين الإسرائيليين ايهود غولدفايير والداد ريجيف، اللذين قُتِلا خلال عملية «الوعد الصادق» التي نفّذها «حزب الله» بتاريخ 12/7/2006.

الإبنة علا

الإبنة علا تتلو الفاتحة عند «عمود صلبه» بدل ضريحه


{ عودة العميل الفاخوري أعادت حرارة اللقاء بين الأسرى المُحرّرين في اعتصامات مُتعدّدة أمام «المحكمة العسكرية الدائمة» في بيروت وقصر العدل في النبطية و»مُعتقل الخيام».

أمام العمود الذي صُلِبَ وعُلِّقَ عليه الأسير علي حمزة، وعذِّبَ، حتى استشهاده، وقفت كريمته علا، وهي تحتضن صورة له، بدلاً من احتضانه لها، كما في صورة تجمعهما وهي طفلة تطبع قبله على خدّه، فتشتاق لتلك اللحظة بعدما كبرت.

ما زالت ترتدي الثياب السوداء حداداً منذ اختطافه حتى اليوم، لا تعرف أين هو، حتى لا تجد ضريحاً يضم رفاته تزوره لتلاوة الفاتحة.

في ذلك المكان تشعر برهبة كبيرة، وهي تتخيّل اللحظات التي عُلّق فيها والدها على العمود، وعُذِّبَ دون شفقة أو رحمة في بردٍ قارسٍ لساعات طوال.

لن يشفي غليلها إنزال عقوبة الإعدام بالعميل الفاخوري، ومَنْ ساهم بتعذيب والدها.

تقول: «كل ما بدّي إقرأ الفاتحة عن روح بيي، عم بيجي بوقف عند العمود، بدّي أعرف الجثة وين؟!».

الجواب التي تنتظره عائلة حمزة والأسرى المُحرّرون والجميع، هو معرفة مكان دفن جثمان الشهيد حمزة، والذي لا يُمكن أنْ يُجيب عنه إلا العميل الفاخوري!


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 30-11-2020
وداعاً للاقفال: عودة إلى كورنيش المنارة في اليوم الأخير للإقفال (تصوير: محمود يوسف)
تشكيلة الحريري في الواجهة: خرق الجمود أم مسار ملتبس؟
العدل أساس الملك