بيروت - لبنان 2020/11/30 م الموافق 1442/04/14 هـ

«اللـواء» تروي تفاصيل إصابة دياب بأسهم الخلافات وتعطيل زيارته لصيدا

رئاسة الحكومة حدّدت المدعوين بينهم السنيورة والسفير التركي من دون نائبَي المدينة

المقاعد التي وُضِعَتْ في قاعة الاحتفال في «المُستشفى التركي» - صيدا بقيت بانتظار المشاركين!
حجم الخط

طيّرت التجاذبات السياسية المُتشعّبة، والحسابات الضيّقة الخاصة، على «عاصمة الجنوب»، الاستفادة من 7.5 مليار ليرة لبنانية، خُصِّصَتْ لصالح «المُستشفى التركي للطوارئ ومُعالجة الحروق» في صيدا، كان سيُعلن عنها رئيس الحكومة الدكتور حسّان دياب، خلال زيارته المُستشفى صباح يوم السبت الماضي.

أُلغِيَتْ الزيارة ليل الجمعة، فهل طارَ المبلغ المرصود؟ أم إنّه يُمكِن السير به مع تعديل لصيغة دعوة الاحتفال؟ أم يُلغى الاحتفال؟

إذا صدقت النوايا ليُعلن عن صرف المبلغ من غير احتفال، بفعل الإجراءات الاحتياطية من سيطرة فيروس «كورونا».

«اللـواء» تروي تفاصيل كواليس ما جرى...

مع الحديث عن جائحة «كورونا»، أُعيد التداول باسم «المُستشفى التركي» بهدف تخصيصه للعلاج، لكن قوبل هذا الطرح بالرفض، وتمَّ تجهيز مكان في «مُستشفى صيدا الحكومي» لهذه الغاية.

بعد إعلان «البنك الدولي» عن تخصيص مبلغ 40 مليون دولار أميركي لمُساعدة لبنان على مُواجهة «كورونا»، أُعيد تنشيط الطرح بأنْ يتم تخصيص جزء من هذا المبلغ لصالح «المُستشفى التركي»، دون استخدامه كمُستشفى للعلاج من «كورونا»، بل استخدام «مُستشفى صيدا الحكومي»، لأنّ الحاجة لتجهيزه تتطلّب مُعدّات غير مُتوافرة فيه، وقد لا تتم الحاجة إلى أكثر ممّا جُهِّزَ في «مُستشفى صيدا الحكومي».

خصّص مجلس الوزراء مبلغ 7.5 مليار ليرة لبنانية - عبارة عن أكثر من 4.3 مليون دولار أميركي من هبة «البنك الدولي» - أي ما قيمته 6.5 مليار ليرة - وفق سعر الصرف الرسمي المُعتمد من قِبل مصرف لبنان و1 مليار ليرة من «الهيئة العليا للإغاثة».

لكن تحوّل المبلغ من نِعمة إلى نِقمة، إذ تداخل فيه تسجيل المُكتسبات الشخصية، والخلافات الإقليمية، خاصة بين تركيا (مُشيدة المُستشفى) وإيران (لأن وزير الصحة الدكتور حمد حسن يُمثل «حزب الله»).

هل ردَّ وزير الصحة على رئيس الحكومة بإلغاء زيارته السابقة بإصراره على إضافة دعوات؟

أهداف رئيس الحكومة

جهد رئيس الحكومة دياب لاستثمار هذه الهبة، بأنْ يطلَّ شخصياً باحتفال من داخل المُستشفى، ليُعلِنَ عن تشغيله، مُحقِّقاً أهدافاً عدّة، في طليعتها:

- الاستمرار في مسعاه لتحصين نفسه بحيثية سنيّة (صيدا تُشكّل المدينة الثالثة في لبنان، بأغلبية من الطائفة السنية)، وذلك بعد الزيارة التي قام بها إلى الرئيس الدكتور سليم الحص.

- تسجيل هدف في مرمى رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وأنّه - وإنْ دشّن «المُستشفى التركي»، بحضور رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردغان، قبل 10 سنوات - لكنّه لم يتمكّن خلال رئاسته الحكومة من توفير المبلغ التشغيلي.

وأيضاً تزامناً مع عودة الرئيس الحريري إلى لبنان، قادماً من فرنسا، واحتفاله بعيد ميلاده الـ50.

- الاستفادة من حضور رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة - على الرغم من مُعارضته و»نادي رؤساء الحكومات السابقين» لطريقة تسمية دياب وتشكيل الحكومة التي اسموها «حكومة حزب الله».

قبل أيام عدّة جرى التواصل بين المُستشار الأوّل للرئيس دياب الدكتور محمد علم الدين والرئيس السنيورة ورئيس بلدية صيدا المهندس محمد السعودي، وبحث إمكانية استفادة «المُستشفى التركي» من المبلغ الذي خصّصه «البنك الدولي»، وتمَّ التوافق على أنْ يقوم الرئيس دياب بزيارة المُستشفى، وحُدِّدَ يوم السبت في 18 نيسان الجاري موعداً لذلك.

دياب يُلغي زيارة حسن

في غضون ذلك، كان من المُقرّر أنْ يزور الوزير حسن المُستشفى يوم السبت في 11 نيسان الجاري، في إطار جولته على المُستشفيات، التي استُهلّت بتفقّد «مُستشفى سبلين الحكومي».

لكن بعد إنهائه الزيارة، مُتوجّهاً إلى «المُستشفى التركي»، تلقّى اتصالاً من الرئيس دياب، طلب إليه عدم زيارة «المُستشفى التركي»، لأنّه - أي دياب - سيزورها السبت المُقبل.

وافق وزير الصحة على مضد، وانتقل لزيارة «مُستشفى صور الحكومي» وسط مُخيّم البص - صور.

لكن في طريق عودته أصرَّ الوزير حسن على زيارة «المُستشفى التركي»، حيث جال برفقة المدير التنفيذي للمُستشفى الدكتور غسان دغمان، على أرجائه، على مدى 20 دقيقة - بعيداً عن أعين وسائل الإعلام.

مساء اليوم ذاته، تلقّى وزير الصحة اتصالاً من النائب بهية الحريري، مُستوضحةً عن أسباب عدم زيارته المُستشفى، دون أنْ يُعطي تبريراً واضحاً لذلك!

كيف ستعوّض صيدا حرمان الاستفادة من 7.5 مليار ليرة لتشغيل «المُستشفى التركي»؟

تحديد عدد المدعوين

في اليوم التالي، بدأ تسريب معلومات عن زيارة الرئيس دياب، وبُوشرت التحضيرات لهذه الزيارة، التي تولّت التشريفات في رئاسة الحكومة الإشراف عليها، فتقرّر اختصار الاحتفال الذي حُدِّدَتْ مُدته بـ20 دقيقة، وأيضاً عدد المدعوين، نظراً إلى الإجراءات المُرتبطة بجائحة «كورونا»، حيث تمّت مُراعاة مقاعد الجلوس، باعتماد مسافة متر ونصف المتر بين كل كرسي.

حُسِمَ يوم الثلاثاء عدد المدعوين الرئيسين المعنيين بـ5 شخصيات، خُصّص لهم الصف الأوّل، هم: الرئيس دياب، الرئيس السنيورة، الوزير حسن، السعودي وسفير تركيا في لبنان هاكان تشاكل.

و8 آخرين يتطلّب تواجدهم لارتباطهم بالمُستشفى وجهود إعادة التشغيل، خُصّص لهم الصفّان الثاني والثالث، هم: المُستشار الأوّل للرئيس دياب الدكتور علم الدين، مُدير عام وزارة الصحة الدكتور وليد عمار، مُستشار وزير الصحة للشؤون القانونية الدكتور حسين محيدلي، رئيس اللجنة للإدارة «المُستشفى التركي» الدكتور خليل النقيب (اعتذر)، وعضو اللجنة لإدارة المُستشفى المُحامية مايا مجذوب، مدير المُستشفى دغمان، والمُستشار القانوني للمُستشفى المحامي حسن شمس الدين.

جرى تنظيف القاعة وترتيبها، ووُضِعَ علما لبنان وبلدية صيدا، والكراسي الـ13، وباتت كل الأمور جاهزة بانتظار الساعة العاشرة من صباح السبت، ليُعلِن رئيس الحكومة عن تشغيل المُستشفى من قِبل وزارة الصحّة تحت إشراف بلدية صيدا.

باستعراض أسماء المدعوين، تبيّن استبعاد رئاسة الحُكومة توجيه دعوات إلى نائبَي المدينة بهية الحريري والدكتور أسامة سعد!

هذا علماً بأنّه قبل أسبوع، لم يجرِ مثل ذلك، خلال زيارة وزير الصحة «مُستشفى سبلين الحكومي»، حيث كان في استقباله النائبان بلال عبدالله وفريد البستاني ورئيس «اتحاد بلديات إقليم الخروب الشمالي» المهندس زياد الحجار.

وفي «مُستشفى صور الحكومي» كان في استقباله، النوّاب: علي خريس (حركة «أمل»)، الشيخ حسن عز الدين وحسين جشي (حزب الله) ورئيس «اتحاد بلديات منطقة صور» المُهندس حسن دبوق.

وزير الصحة ودعوات جديدة

بُعيد الرابعة والنصف من بعد الظهر، تلقّى السعودي اتصالاً هاتفياً من مُستشار وزير الصحة، محيدلي، أبلغه خلاله بأنّه سيتم إحضار أوراق العقد ليُصار إلى توقيعه بالمُناسبة بين وزارة الصحة وبلدية صيدا.

أجابه السعودي بعدم إمكانية ذلك، لأنّه يجب بداية إرسال بنود العقد، ليُصار إلى عرضها على المجلس البلدي والمُستشار القانوني للبلدية قبل التوقيع عليه.

قرابة الخامسة والنصف، اتصل السعودي بالمُستشار علم الدين وأبلغه بما جرى.

قُرابة السادسة والنصف اتصل علم الدين بالسعودي وأبلغه بأنّه تمّت إضافة 5 أسماء لضيوف جُدُدٍ، بحاجة إلى تأمين كراسٍ جديدة لهم.

عندما سأل السعودي وعَلِمَ بأسماء المدعوين الـ5 الجُدُد، وهم: النائب سعد، رئيس «اتحاد علماء المُقاومة» الشيخ ماهر حمود، الرئيس السابق لبلدية صيدا الدكتور عبد الرحمن البزري، مُمثّل «حزب الله» في منطقة صيدا الشيخ زيد ضاهر وعضو المكتب السياسي لحركة «أمل» المُهندس بسام كجك، تبيّن أنّ الدعوات قد وُجِّهَتْ إلى شخصيات دون أنْ تشمل النائب الحريري، مُفتيي ومطارنة صيدا وفاعليات رسمية صيداوية، وأحزاب بينها «تيار المُستقبل» و»الجماعة الإسلامية»، أبلغهم بأنّ ذلك يُشكّل خرقاً في المدينة، باستثناء أطراف وفاعليات فيها.

وأبلغه التمنّي بتأجيل الزيارة.

في غضون ذلك، لم يكن بعد قد جرى إبلاغ هذه الشخصيات بالدعوات، حيث تلقّى الدكتور دغمان اتصالاً من الدكتور محيدلي طلب إليه إبلاغهم، ولدى اتصاله بالنائب سعد والدكتور البزري قوبل بامتعاض من قِبلهما بتوجيه دعوة مُتأخِّرة، فعاد وأبلغ الدكتور محيدلي بما جرى، الذي تولّى دعوة الشيخ حمود، ضاهر وكجك، وكانت آخر هذه الاتصالات عند الثامنة والربع مساءً.

إعلان تأجيل الزيارة

{ ليلاً أعلن السعودي عن تأجيل زيارة الرئيس دياب في بيان أصدره، مُشيراً إلى أنّه «طرأت بعض التعقيدات التي حدت بي التمنّي على الرئيس دياب تأجيل زيارته حتى موعد لاحق يُحدّد في حينه».

{ لكن سريعاً ردَّ المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة ببيان، حدّد فيه أنّ سبب الإلغاء، هو «خلافات في المدينة بشأن المدعوين».

وجاء في البيان: «ألغى رئيس مجلس الوزراء الدكتور حسان دياب زيارته التي كانت مُقرّرة إلى «المُستشفى التركي التخصّصي للحروق والصدمات» في صيدا بسبب خلافات في المدينة بشأن المدعوين».

{ من جهته، غرّد وزير الصحة صباح يوم السبت عبر حسابه على «تويتر» قائلاً: «مسرحية هزلية وديعة: لُصوص يُجاهِرون بحماية الضعفاء، فلا تسْلَم من جبروتهم لا لقمة عيش من خير الغربة، ولا فسحة الرغد بنعمة الصحة في مشفى لن يكون لجشعِهم فيه ملاذ، لن نكون نزلاء برجكم الأسود، ولا نعجة في غابة الذئاب - اعتقوا صومكم قبل الآذان».

وأرفق التغريدة بهاشتاغ: «اللي استحوا ماتوا».

سريعاً طُرِحَتْ التساؤلات: هل ردَّ وزير الصحة (أحد مُمثّلي «حزب الله» في الحكومة) على رئيس الحكومة بإلغائه زيارته للمستشفى الأسبوع الماضي، بطلبه إضافة 5 اسماء لفاعليات صيداوية ما أدّى إلى تطيير الاحتفال؟!

{ من جهته، الرئيس السنيورة، الذي كان له دور بارز في مُتابعة المبلغ المُخصّص للمُستشفى، حرص من خلال تُواجده في الاحتفال، على توجيه رسائل إلى مَنْ يعنيهم الأمر بأنّه - وإنْ لم يكن يُمثّل المدينة نيابياً - لكن لا أحد يُمكن أنْ يُلغي دوره السياسي، وأنّ مروحة اتصالاته وخطوطه مفتوحه مع الجميع، بمَنْ فيهم ممَّنْ لم يُؤيّده في صيغة تشكيل الحكومة.

ووجّه الرئيس السنيورة دعوة غداء إلى الرئيس دياب في «جمعية المواساة» - صيدا، لكنه اعتذر عن تلبيتها.

{ من ناحيتها، النائب الحريري، التي لم يتم توجيه دعوة إليها لحضور الاحتفال، لم تُعارض أنْ يتم تأمين المال للمُستشفى، وإنْ كان من حكومة لم تُؤيّدها «كتلة المُستقبل النيابية».

{ بينما النائب سعد علّق على زيارة رئيس الحكومة بأنّه «أخذتُ علماً وخبراً بالزيارة، لا أكثر ولا أقل»، مُؤكداً على «أهمية تشغيل المُستشفى بأسرع وقت مُمكن».

{ فيما الدكتور البزري أشار إلى أنّ «هذا المُستشفى هو هبة من الحكومة التركية بقيمة 20 مليون دولار أميركي، وتمَّ إنجازها بفضل مجلسنا البلدي الأسبق من العام 2004-2010»، عازياً أسباب عدم فتحه إلى أنّ «مُشكلته عالقة بين دهاليز السياسة اللبنانية المحلية الصيداوية والوطنية».

تدشين بانتظار التشغيل

أُنجِزَ بناء وتجهيز «المُستشفى التركي» في صيدا، باحتفال أُقيم بتاريخ 27 تشرين الثاني 2010، شارك فيه رئيس الوزراء - آنذاك - سعد الحريري ورئيس الوزراء التركي - آنذاك - رجب طيب أردوغان، في عهد المجلس البلدي برئاسة السعودي، بهبة تركية بلغت قيمتها 20 مليون دولار أميركي، بمسعى من رئيس الوزراء - آنذاك - فؤاد السنيورة، في عهد مجلس بلدية صيدا برئاسة الدكتور عبد الرحمن البزري، الذي قدّم قطعة أرض تبلغ مساحتها 14 دونماً من منطقة الوسطاني العقارية - شمالي مدينة صيدا، حيث وُضِعَ الحجر الأساس له بتاريخ 6 أيار 2009.

هذا المُستشفى هو الأوّل من نوعه المُتخصِّص بمُعالجة إصابات الحروق والإصابات الناتجة عن الحوادث، بَقِيَ بحاجة إلى تأمين مبلغ لاستكمال التجهيزات والتشغيل، تصل قيمته إلى حوالى 5 ملايين دولار أميركي.

لم يتم تأمين المبلغ، وبقيت الصيغ المطروحة لتشغيله محور تباين في وجهات النظر، لجهة:

- عدم إلحاقه بوزارة الصحة، لأنّ تجربة «مُستشفى صيدا الحكومي» ماثلة أمام الأعين بعدم دفع مُستحقات الأطباء والمُوظّفين.

- أنْ يتم تشكيل مجلس إدارة مُستقل يتعاقد مع وزارة الصحة.

طُرِحَ خلال تولّي وزير الصحة الدكتور جميل جبق، أنْ تكون مدّة العقد 50 عاماً، وهو ما رُفِضَ من قبل بلدية صيدا، التي اعتبرت أنّ الفترة طويلة.

وأُعيد مُجدداًّ طرح توقيع العقد، لكن المُدّة بقيت طويلة وبحاجة إلى دراسة وتعديل.

كما طُرِحَتْ سابقاً صيغ أخرى بأنْ يتم تحويل «المُستشفى التركي» إلى مُستشفى ميداني تحت إشراف الجيش اللبناني، وهو ما رُفِضَ مراراً.

المهم ألا تطير هذه الهبة عن مدينة صيدا، مع ضرورة بحث خطة استراتيجية لتأمين التشغيل، وهو ما يتطلّب ميزانية كبيرة، يجب أنْ تُلحظ مداخل تأمينها، حتى لا يلقى مصير «مُستشفى صيدا الحكومي»!




أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 30-11-2020
وداعاً للاقفال: عودة إلى كورنيش المنارة في اليوم الأخير للإقفال (تصوير: محمود يوسف)
تشكيلة الحريري في الواجهة: خرق الجمود أم مسار ملتبس؟
العدل أساس الملك