بيروت - لبنان 2020/04/04 م الموافق 1441/08/10 هـ

الانتخابات الايرانية...لماذا ستُقيل السلطات روحاني من منصبه؟

روحاني في احدى جلسات البرلمان.
حجم الخط

في الثاني والعشرين من الشهر الحالي، يُصوّت الايرانيون لانتخاب المجلس، في وقت يُعاني النظام من صعوبات تتمثّل بانهيار الاتفاق النووي الايراني وما ترتّب على ذلك من تصعيد العقوبات الأميركية التي تخنق الاقتصاد، واحتمال مواجهة عسكرية مع واشنطن اثر اغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، إضافة الى الاحتجاجات الشعبية. انتخابات، على الرغم من أهميتها لمستقبل النظام الإيراني وكيفية تعامله مع التحديات المذكورة آنفًا، وصفها الرئيس حسن روحاني بـ"الموعد" وذلك احتجاجًا على إقصاء عدد كبير من المرشّحين الإصلاحيين من قبل مجلس صيانة الدستور المكلف المصادقة على الترشيحات. ووفقًا لهذه الترشيحات، من المتوقّع أن يُهيمن المحافظون على المجلس الجديد، وبالتالي فإن فرص استمرار الائتلاف الحكومي بقيادة روحاني "ستكون قليلة"، وسيُسبّب متاعب لروحاني في العام الأخير من ولايته. ومع التباين الأخير بين روحاني والمرشد الأعلى للثورة السيد علي خامنئي، وفوز المحافظين بالأغلبية في الانتخابات المقبلة، فإن السؤال المطروح هل يُعزل روحاني من منصبه؟
 
 
 هيكل السلطة في الجمهورية الإسلامية
يعترف الدستور الإيراني بالإرادة الشعبية، كما يُمثّلها رئيس منتخب وبرلمان، لكنّ النظام السياسي برمّته يقع تحت قيادة المرشد الأعلى الذي، وإن كان يجري تعيينه من قبل هيئة دينية منتخبة (مجلس الخبراء)، إلا أنه غير مسؤول أمام "لا أحد".
 
وهكذا، فإن السلطة في نهاية المطاف، هي في أيدي القائد الأعلى. بينما من الناحية النظرية، يُمكن لمجلس الخبراء استبعاد الزعيم الأعلى إذا ثبت أن قيادته تتعارض مع النظام الإسلامي ومصالحه. لكن من الناحية العملية، يتمّ تكليف الزعيم الأعلى باستخدام حق النقض المطلق في جميع المسائل التي تهمّ الدولة، ولديه القدرة على إقالة الرئيس. كما يتم فحص ملفات جميع المُرشّحين للانتخابات الرئاسية والبرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء من قبل مجلس الوصاية القوي، وهي مؤسسة متأثرة بالزعيم الأعلى لأنه يُعيّن نصف أعضائه. كما يتولّى مجلس الوصاية أيضًا مراجعة أي قانون يُقرّه البرلمان لضمان توافقه مع الدستور والمبادئ الإسلامية.
 
 
لا مبالاة شعبية بالانتخابات
 
وافق مجلس صيانة الدستور على ترشيح 7148 مرشّحًا من أصل 15000 مرشّح. ولم يجتاز أكثر من نصف المرشحين المسجلين عملية فحص مجلس صيانة الدستور ، بما في ذلك 90 عضوًا حاليًا في المجلس. ومعظم المرشّحين الذين تمّ إقصاؤهم هم من الإصلاحيين. وبالتالي فإن عملية فحص مجلس صيانة الدستور قد "كفلت تطهير المجلس من الإصلاحيين".
 
ورأى المختصّ في الشأن الإيراني في مركز "IRIS" في باريس جادل تيري كوفيل، في مقابلة مع "فرانس 24"، أن "هذا الإقصاء الجماعي للمُرشّحين يُهدّد بتشجيع الناس على عدم التصويت على الإطلاق، الأمر الذي يصبّ لمصلحة المحافظين الأقوياء المتطرفين". وعلى الرغم من أن المشاركة في الانتخابات البرلمانية السابقة كانت  واسعة الانتشار  وذات كثافة أعلى من الانتخابات الرئاسية، إذ شارك أكثر من 62 في المئة من الناخبين المؤهلين في انتخابات المجلس الأخيرة، إلا أن الإيرانيون يبدون، في هذه الانتخابات، لا مبالاة إذ أنهم قد فقدوا الأمل في التغيير.
 
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن الصحافي فرهد قربانبور قوله إن "الفارق الأساسي مع الانتخابات السابقة يتمثّل في أن المواطنين اعتقدوا في السابق أن تصويتهم سيُتيح تنفيذ إصلاحات... لكن هذا الامل تبدّد لدى غالبية الإيرانيين"، مضيفًا أن "أغلبية أعضاء البرلمان الحالي هم من الإصلاحيين، ويرى الناس أنهم لم ينجزوا شيئًا يُذكر. وبالتالي خلص الشعب إلى أن تصويته ليس له أي تأثير".
 
وبحسب محلّلين، فان الناخبين الذين أيّدوا روحاني قد لا يُصوّتون في 21 شباط الحالي. وبالفعل خرج مئات الإيرانيين، مؤخرًا، في تظاهرة حاشدة غرب البلاد للتعبير عن رفضهم المشاركة في الانتخابات البرلمانية. وأظهرت مقاطع فيديو نشرها ناشطون حشودًا من الإيرانيين في مدينة ياسوج وهم يُردّدون هتافات تدعو لعدم الذهاب لعملية الاقتراع مثل" لا صندوق لا تصويت" و "مقاطعة الانتخابات". لكنّ النظام الإيراني يُعوّل على هذه الانتخابات لإثبات شرعيته.
 
ورأى الأستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة تينيسي وشاتانوغا وزميل أول في السياسة الإيرانية في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية سعيد جولكار أن القيادة الإيرانية "لطالما استخدمت الانتخابات كأداة لإجبار النخب على الدخول في سباق لإثبات ولائهم للنظام، وخلق وهم الدعم الشعبي والشرعية الديموقراطية. وهذه المرة ، أصبح يائسًا أكثر من أي وقت مضى لإظهار لمنتقديه في الداخل والخارج أنه يُمثّل إرادة الشعب الإيراني".
 
ورأى جولكار أن الاحتجاجات الشعبية "هي مصدر قلق كبير للنظام ، خاصة في وقت تتلاشى شعبيته ويُواجه ضغوطًا غير مسبوقة من المجتمع الدولي"، مضيفًا أنه "حتى المجلة الأسبوعية لفيلق الحرس الثوري الإسلامي ، صبح صادق ، حذّرت في عددها الأخير من أن الإقبال الكبير للناخبين يُمكن أن يساعد النظام على التغلب على إستراتيجية الضغط القصوى للرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد البلاد".
 
 
فشل الإصلاحيين في التغيير
 
 
خلال فترة توليه منصبه، كان روحاني الذي انتخب لولايتين رئاسيتين متتاليتين في العام 2013 ثم في العام 2017، قد وعد بمزيد من الحريات الاجتماعية والفردية وأكد ان الإيرانيين سيستفيدون من ثمار التقارب مع الغرب. وهو كان، من الجانب الإيراني، وراء الاتفاق الدولي حول برنامج بلاده النووي الذي وُقّع في العام 2015. لكنّ انسحاب إدارة ترامب من الصفقة النووية، وإعادة فرض العقوبات قد وجه ضربة قاسية لرئاسته. حتى أن بعض الإصلاحيين قد طالبوا باستقالة روحاني نتيجة سوء إدارته لأزمات عدة: الاقتصاد الفاشل والفساد والمخاوف الأمنية ورفع أسعار البنزين التي أطلقت العنان، في تشرين الثاني 2019، لأخطر الاضطرابات السياسية التي شهدتها إيران منذ الثورة، والتي راح ضحيتها، بحسب منظمة العفو الدولية، ما لا يقل عن 304 قتلى.
 
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن المحلّل السياسي انري روما قوله إن فرص استمرار الائتلاف الحكومي بقيادة روحاني "ستكون قليلة"، مضيفًا أن "برلمان محافظ جدًا سيُسبّب متاعب لروحاني في العام الأخير من ولايته وستكون هناك مساءلات لوزرائه، ومن شأنه أيضاً إضعاف قدرة الحكومة على التعامل مع الضغوط ذات الصلة بالعقوبات".
 
وعزّز عجز الإصلاحيين عن تغيير النظام السياسي، لتمكين الشخصيات غير المنتخبة بشكل متناسب، من تأثير الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) على الانتخابات المقبلة. شجّع خامنئي بنفسه "الثوريين الشباب" على الترشّح للانتخابات، وإن كان لا يوجد ما يوحي بأن الحرس الثوري الإيراني لديه القدرة على تهدئة السكان الإيرانيين المنكوبين، بل إنه لعب دوراً رئيسياً في خلق الوضع الحالي في المقام الأول.
 
وعلى الرغم من أن تشكيل المجلس الجديد "لن يُحدّد بشكل جوهري الاتجاه المستقبلي لإيران، إذ يرتبط هذا بالمرشد الأعلى، إلا أنه من الممكن أن تُشكّل الوحدة الإصلاحية المتناقصة في البرلمان تحديًا كبيرًا للرئيس روحاني.
 
ورأت الأستاذة المُشاركة في القانون الدولي في جامعة أوريبرو في السويد، وهي مُتخصّصة في العديد من القضايا المتعلّقة بالشريعة الإسلامية والقانون الدستوري وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط ، وخاصة في إيران، منى الصمدي في مقال في معهد الشرق الاوسط أن "عودة المُحافظين إلى السيطرة المُطلقة على السلطة التشريعية سيؤدي إلى تعريض روحاني لخطر عزله من منصبه من قبل المجلس، مثل أول رئيس منتخب للجمهورية الإسلامية أبو الحسن بني صدر. وعلى الرغم من علاقة بني صدر  الوثيقة كان لبني صدر مع آية الله روح الله الخميني، إلا أن الخميني دعم إقالة بني صدر لأن محاولاته لتقليص الصلاحيات المتنامية للحرس الثوري وضعته في خلاف مع رجال الدين الحاكمين.
 
 
روحاني وبني صدر
 
 
نأى روحاني بنفسه علنًا عن الزعيم الأعلى وانتقد مجلس صيانة الدستور. في خاطبه الأخير، أظهر خيبة أمله من مجلس صيانة الدستور وسلطات فحصه، قائلاً: "هذه ليست انتخابات ، إنها موعد". أصوات أخرى من إدارته دعت إلى إجراء انتخابات حرة، من دون عملية فحص مجلس صيانة الدستور، كما كان الحال في الانتخابات الأولى بعد الثورة، عندما فاز بني صدر بالرئاسة.  بل إن البعض يطالبون روحاني بالبدء في إصلاح سلطات مجلس صيانة الدستور.
 
 
ورأت الصمدي أنه "من غير المرجّح أن تُحقّق هذه المطالب الكثير ، ليس لأنها غير ضرورية  بل لأن مجلس صيانة الدستور لديه ولاية مراجعة جميع التشريعات الجديدة من البرلمان"، مضيفة أنه "حتى لو وافق روحاني على مشروع القانون هذا، قبل ولاية المجلس الجديد في شهر أيار المقيل ، فإن مجلس صيانة الدستور سيحظر القانون الذي يُحاول تقييد سلطاته".
 
 
العين على المنصب الأعلى

مسألة عزل روحاني تتجاوز عدم الرضا السياسي عنه، نظرًا لوجود صراعات على السلطة بين القائد الأعلى ورؤساء الجمهورية السابقين. ومع ذلك، هذه المسألة مختلفة نظرًا لأن روحاني كان يُعتبر في السابق مرشّحًا لتولّي منصب  المرشد الأعلى الجديد.
 
 
ورأت صمدي أن هناك فرصة ضئيلة لذلك، إذا ما توفي خامنئي بينما لا يزال روحاني رئيسًا". فروحاني هو واحد من ثلاثة أفراد يتمتّعون بسلطة إدارة شؤون المرشد الأعلى إلى ان يختار مجلس الخبراء خليفة لخامنئي، وهذا ما حدث مع خامنئي إذ أنه أصبح رئيسًا عندما توفي الخميني.
 
 
وأضافت صمدي أنه لهذه لأسباب، يستطيع المجلس المحافظ الجديد التحرّك بسرعة لإقالة روحاني"، وبما أن خامنئي يتمتّع بسلطة الإطاحة بالرئيس مباشرة، وبما أنه فاق روحاني والرؤساء السابقين ذكاءً في مناسبات مختلفة في الماضي، رجّحت أن يُحاول خامنئي التأثير على المجلس الجديد لبدء عملية عزل روحاني من منصبه".
 
 
في خطابه الأخير، توجّه خامنئي إلى "أولئك الذين يُسمّون هذه الانتخابات موعدًا" في إشارة إلى روحاني، متسائلًا: "لماذا تعتبرون الانتخابات عادلة عندما تكون في صالحكم، ولكنها غير عادلة عندما لا تكون في صالحكم". وعلى الرغم من أن الانتخابات المقبلة لن توفر سوى فرصة ضئيلة لتغيير جذري، قد يُقرّر العديد من الإيرانيين ببساطة عدم المشاركة في الانتخابات، ولكن المقاطعة ستعني حتماً فوز المحافظين. وعلى الرغم من الصعاب الطويلة، يحثّ روحاني الناس على التصويت.


أخبار ذات صلة

إدّعى أنه نقل مصابا بـ «كورونا» من صيدا... فماذا كان [...]
وزارة الصحة الروسية: ارتفاع عدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا إلى [...]
«كورونا».. الصين في حداد وكوريا تتباعد اجتماعيًا وأميركا أمام وضع [...]